المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2012-04-01 10:00:27

تأملات في واقع المقاومة الفلسطينية (الحلقة الثالثة)


لدي صديق عجوز مشاكس أديب وروائي وقاص خبير ومجرب يهمني رأيه فيما أكتب كثيراً لأنه يقرأ قراءة المتأمل المدقق وليس كالبعض الذي يقرأ بعينيه ولا يعي قلبه وعقله شيء أرسل لي معترضاً على بعض ما ورد في الحلقة الماضية، وقد كتبت له رد أختصره هنا:

أكتب تأملاتي عن واقع المقاومة الفلسطينية من خلال الشعار الذي ترفعه بعض الفصائل "فلسطين القضية المركزية للأمة" في الوقت الذي ممارستها تؤكد عكس ذلك! هذا الشعار في حقيقته هو اختصار لرؤية شاملة ومتكاملة لحقيقة وأبعاد الصراع مع العدو اليهودي-الغربي، وحسب معلوماتي أن أول مَنْ طرحه كان الشيخ المجاهد(حسن أيوب)، رداً على تراجع فلسطين كقضية مركزية في أولويات أجندة جماعة الإخوان المسلمين، وقليل هم الذين يعلمون أنه ففي الوقت الذي انحرفت فيه بوصلة الأنظمة والمسميات الإسلامية ومفكريها ومنظريها نحو القتال في أفغانستان والبوسنة وغيرها بقيت بوصلته في الاتجاه الصحيح نحو فلسطين قضية مركزية للأمة، ولم يثنيه كِبر سنه وضعف جسده عن المنافحة عنها إلى أن لقي ربه تعالى! وقد التقطه بعض الإخوة من فلسطين سبعينيات القرن الماضي وتبنوه بشكل واعٍ وجعلوا منه شعار لحركة المقاومة في فلسطين والأمة واستطاعوا تفجير الانتفاضة في زمن قياسي قصير جداً. كما أنهم فضوا به الاشتباك بين القومي والإسلامي ووجهوا التناقض الداخلي بينهما نحو العدو المشترك لهما اليهود والغرب. وكانت المقاومة في فلسطين تُدرك حدود دورها ودور الجماهير الفلسطينية من خلال فهمها لطبيعة الصراع وأبعاده وأنها طليعة الأمة ورأس حربتها في مواجهة عدوها المركزي، وأن دورها يجب أن ينصب ويتركز على إبقاء شعلة وجذوة المقاومة مشتعلة في قلب الأمة والوطن لإفشال جميع مشاريع التسوية، ولإبقاء الروح والحياة في الأمة مستمرة لتحريك عوامل النهضة والوحدة فيها من خلال فلسطين إلى أن يتحقق "وعد الآخرة" و"ليتبروا ما علو تتبيراً"، ونُدرك أن تضخيم قوتنا كما هو حاصل الآن لا يخدم مصلحة القضية والأمة!.

القيادة وعي ومسئولية
معلوم أن الشعوب الثائرة دائماً تدفع ثمناً أكبر من العدو المحتل لوطنها أثناء مسيرتها الثورية للتحرر والاستقلال، لذلك يجب على القائد الثوري أن يتمتع بالوعي والإدراك لأبعاد القضية التي يقاتل من أجلها ويتحلى بروح المسئولية والحرص على شعبه الذي نصب نفسه قائداً عليه إلى جانب تمتعه بالخبرة العسكرية وغيرها من الصفات الأخرى، كما يجب عليه أن يكون مرهف الحس والعاطفة ليشعر بمعاناة شعبه وثباته وصبره على أذى وانتقام العدو وواجب مشاركته تلك معاناته والتخفيف عنه قدر الإمكان. كما يجب عليه أن يكون قريباً منه يتبادل معه النصح لا أن يعزل نفسه عنه ويضع الحواجز والحراسات والمرافقين والمنافقين ويغلق الأبواب بينه وبينه، ولا يتحرك إلا في مواكب ووسط أساطيل من السيارات الفارهة وإن مَنَّ على شعبه بنظرة لوح لهم بيده عن بُعد من داخل السيارة المحاطة بجدران من الأجساد البشرية بملابسهم الأنيقة وبذلاتهم الباهضة الثمن التي تحول بينه وبينهم. إضافة لقادة يعيشون في عواصم عربية حياة فنادق سبع نجوم في أمن واطمئنان يتنعمون بكل أنواع الترف والرفاه هم وأبنائهم الذين يدرسون في أفضل المدارس الخاصة والجامعات، لا نراهم إلا عبر الشاشات المرئية بوجوههم النضرة وملابسهم الأنيقة يتحدثون بألسنتهم لا قلوبهم ويطلبون منا الصمود والتضحية وتسديد فاتورة أخطائهم وعجزهم وجمودهم والنعيم الذي بلد إحساسهم، وقد نسوا يوم كانوا ينتقدون ويعيبون على قادة منظمة التحرير في وقت غزة لم تكن تحررت فيه عيشهم في العواصم العربية وفنادق الخمس نجوم، وهم لا يفكرون في زيارتها غزة المحررة وليس العودة للإقامة العيش فيها ومشاركة شعبهم نفس المعاناة واستكمال تحرير بقية الوطن ويبيدوا كيان العدو الصهيوني بصواريخهم!.

ولأن المعركة ليست معركة عسكرية فقط ولكنها أيضاً إعلامية ونفسية ومعنوية يجب على القائد أن يفهم عدوه وأسلوب تفكيره وعقيدته العسكرية، وأن يقيم نتائج مقاومته من فترة لأخرى أو بعد كل مواجهة خاصة إذا كان العدو هو المبادر بها في ضوء أهداف عدوه ليخلص إلى نتائج دقيقة، وأن يتجنب المنافقون الذين قد يزينون له سوء عمله أو فشله! وعلى ضوء تلك النتائج يبحث عن تكتيكات حرب عصابات تحقق له أهدافه في إيلام العدو وإيقاع أكبر الخسائر في صفوفه ولا تُعطيه فرصة الانتقام من المدنيين وممتلكاتهم وإيقاع أكبر الخسائر وسطهم أو تخفيفها وتقليلها قدر المستطاع. كما عليه تنويع أساليب ووسائل قتاله وتغييرها من فترة لأخرى وعدم الجمود على أسلوب أو تكتيك واحد حتى يُحدث لدى العدو حالة إرباك ويشتت فكره وخططه العسكرية أو إفشالها والحد من فعاليتها في مواجهة الثورة، ويُفقد جنرالات العدو السيطرة على جغرافية المعركة والقدرة على التحكم فيها، كما يمنع العدو من استغلال حملته الإعلامية المضادة والمعدة مسبقاً التي اعتاد على استغلالها في كل مرة في تشويه الثورة وأهدافها وإضعاف التأييد والتعاطف الدولي مع حقوق شعبه الوطنية. باختصار تنويع أسليب القتال وتطويرها من فترة لأخرى وعدم الجمود على أسلوب واحد تجعل من الثائر ملك الميدان والمسيطر علبه عسكرياً وإعلامياً والمتحكم في قراراه ووجهته ويحرم العدو ذلك.

ذلك في الشعوب المحتلة التي يقع على عاتقها وحدها تحرير أرضها والتضامن معها من شعوب أخرى أو حكومات دول مجاورة أو بعيدة يكون من باب التعاطف أو المصلحة، أما في مثل قضية فلسطين التي هي قضية الأمة فإن الوضع يختلف كلية والواجب الشرعي والثوري يفرض على الثورة فيها أن تكون طليعة ورأس حربة للأمة ضد عدوها المركزي، والطليعي ورأس الحربة ليس مهمته التحرير ولكن مهمته التحريك وإشعال الحماسة والمقارعة إلى أن يصل الجيش الذي يقع على عاتقه الدور الرئيس في معركة التحرير. من هنا ليس مطلوباً من المقاومة في فلسطين تضخيم قوتها أكثر من قوة الطليعي ورأس الحربة ولكن عليها اختيار الأسلوب والوسيلة الأقل كلفة مالياً وبشرياً والأكثر إيلاماً للعدو، والأكثر فاعلية في إفشال مخططات العدو لإضعاف الأمة وتمزيقها وإبعادها عن معركتها المصيرية أو تأخير تلك المعركة، اختيار الأسلوب الذي تحرك الأمة لتخطو خطواتها المدروسة والثابتة نحو استعادة وحدتها ونهضتها لتكون قادرة على مواجهة العدو الذي يستهدفها من خلال تمترسه في مركزها وقلبها –فلسطين!.
وإذا ما أردنا في ضوء الشعار "فلسطين القضية المركزية للأمة" تقييم تجربة المقاومة الفلسطينية التي يضيق صدرها من سماع رأي يخالف رأيها أو ينتقد موقفها وتتعامل مع الجميع بفوقية وعلى قاعدة (مَنْ ليس معي فهو ضدي) يمكن القول:

أن مَنْ يريد أن يتصدر لمشروع المقاومة في فلسطين عليه أن يدرك أن فلسطين لن تحررها العملية السياسية والتفاوضية سواء كانت بسقف وجدول زمني محدد وأهداف متفق عليها فلسطينياً بالإجماع أو لا، كما لن تحررها المقاومة التي تزعم أنها تريد الجمع بين السلطة والمقاومة دون أخذ العبرة من فشل منظمة التحرير وحركة فتح قبلها في ذلك، وتخوض صراعاً مع منظمة التحرير على الشرعية وقوده التنافس في تقديم التنازلات للعدو من أجل القبول بشرعيتها! ولن تنجح التهدئة التي يعقدها المفاوض الفلسطيني مباشرة مع المحتل لإعطاء فرصة لإنجاح المفاوضات السياسية الفاشلة حتى وإن لم يترتب عليها التفريط بحقنا في مقاومة المحتل في حقن دماء جماهيرنا وقادة المقاومة، كما لن تحقن دمائنا ولن تفك الحصار عن أهلنا في غزة تلك التهدئة التي تعقدها المقاومة عبر وسيط بزعم أنها (استراحة محارب) في الوقت الذي لها من ورائها مآرب أخرى في صراعها الداخلي، والأخطر أنه يترتب عليها التفريط بأهم ثوابتنا النضالية لأنها تقايض حقنا في مقاومة الاحتلال بحقنا على الاحتلال في توفير احتياجاتنا الإنسانية لأننا مازلنا أرض محتلة! كما أنه لن تنجح المفاوضات على دولة فلسطينية في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف والتنازل عن باقي الوطن وحقنا في العودة في إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة، كما لن تنجح مقاومة تعرض هدنة طويلة الأمد مقابل دولة في حدود 1967 أو في حدود مؤقتة لا نعلم إن كانت أقل أو أكبر من الحدود المؤقتة التي عرضها بوش في حزيران 2002 أو الحدود المؤقتة المعروضة على السلطة من العدو الصهيوني! لأنه هناك وسائل كثيرة يمكن للمقاومة من طرف واحد الحصول بها على (استراحة المحارب) دون مقايضة وتفريط بحقوقنا، أو على هدنة طويلة دون أن تكرر أخطاء فصائل منظمة التحرير التي خدمتها في الحصول على تلك النسبة في الانتخابات التشريعية عام 2006، ودون الدخول في صراع داخلي على الشرعية والتسابق في تقديم التنازلات للعدو في الوقت الذي تتصلب فيه ضد أبناء وطنها وتتسبب في تصفية القضية المركزية للأمة! كما يجب على المقاومة ألا تُنصب نفسها وصياً على القضية وتحتكر أو تختزل مشروع المقاومة في فصيل أو شخص وتصم آذانها عن سماع الرأي الآخر وتتهم كل مَنْ يخالفها الرأي ويقوم بواجب النصيحة من منطلق الشعور بالمسئولية وأمانة الكلمة بما ليس به لإرهابه وتكميماً للأفواه فذلك لا يخدم مشروع المقاومة ولا مصلحة الأمة، على المقاومة في فلسطين أن تفهم وتعي أن القضية قضية الأمة وليست قضية أهل فلسطين وحدهم تُدرك معنى ذلك وأنه من حق كل القوى الحية في الأمة أن تُشارك في مشروع المقاومة بالرأي والعمل!.

يجب على المقاومة في فلسطين أن تُدرك أن المقاومة ولا شيء غير المقاومة السبيل الوحيد لتوحيد الأمة وتحرير فلسطين، وإن كان لا بد من السياسة فالسياسة التي تخدم مشروع المقاومة لا تُجهضه أو تحرفه عن مساره لتحقيق مكاسب شخصية وحزبية! كما يجب عليها ألا يبحث عن سلطة وكرسي وأن تزهد زهداً حقيقياً في الدنيا ولا تبتغي منها إلا إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة. وعليها ألا تجعل همها الحضور وفقط بغض النظر عن الخسائر التي تلحق بأهلنا في فلسطين والأمة ولكن عليها أن تحرص قدر المستطاع على سلامة الجماهير والمقاومين على حد سواء، وذلك يفرض عليه ألا تجمد على أسلوب واحد أو بعض أساليب حرب العصابات ولكن دائماً تسعى لتجديد أساليبها وابتكار وإبداع تكتيكات جديدة تتناسب مع كل مرحلة.

التاريخ: 1/4/2012


مواضيع ذات صلة