2017-03-24 الجمعة
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.654
دينار اردني 5.175
يورو 3.937
جنيه مصري 0.202
ريال سعودي 0.974
درهم اماراتي 0.995
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2012-11-01 11:11:10

الذكري الخامسة والتسعون لوعد بلفور المشئوم



ذكري .ذكري .ذكري .كم ذكري مرت وتمر علي الشعب الفلسطيني , كل عام وكل شهر وكل يوم , ذكري نكبات , ذكري شهداء , ذكري اسري , لم يبقى في حياة الشعب الفلسطيني شيء الا وله ذكري أليمة , بحثت وتفحصت وتمحصت في القاموس الفلسطيني , فلم اجد أن له ذكري ( تسر البال ) .
اذن ما الذي حدث ,لماذا حياة الشعب الفلسطيني معاناة في معاناة ؟ لماذا لم تنتهي هذه المعاناة مثلما انتهت عند اغلب شعوب العالم ؟
المعروف ان لكل بداية نهاية ,ولكن يبدوا أن مأساة الشعب الفلسطيني لها بداية وليس لها نهاية ؟! , البداية التي نعرفها ونشعر بأحزانها ونعاني المها , هي كلمات خرجت كسهام قاتلة من وزير الخارجية البريطاني ( أرثربلفور )في الثاني من (نوفمبر) عام 1917م
والتي كان قبلها محاولات فرنسية للإعطاء وعود بفلورية , والتي ترجع الي البدايات الأولى لفكرة انشاء وطن خاص باليهود, يجمع شتاتهم ويكون حارسا علي مصالح دول اوروبا الاستعمارية في الشرق الي ما قبل الحملة الفرنسية علي مصر , وتجلي ذلك بوضوح في خطاب نابليون الذي وجهه الي يهود الشرق , ليكونوا عونا له في هذه البلاد.
وقد وجدت هذه الدعوة صدى لها لدي كثير من اليهود , فقد كتب المفكر اليهودي ( موسي هس ) يقول : ( ان فرنسا لا تتمنى أكثر من أن ترى الطريق الى الهند والصين وقد سكنها شعب علي أهبة الاستعداد لأن يتبعها حتي الموت , فهل هناك أصلح من اليهود ) .
كان وعد نابليون لليهود بتأسيس دولة لهم , اساس التفكير اليهودي الجدي والعملي بإعادة ما يسمونه ( أرض اسرائيل ), لم يكن يدرك أحد أن نابليون هو من وضع حجر الأساس في العقلية اليهودية . ولما فشلت التجربة اليهودية مع نابليون , أدركوا أن فرنسا لن تقوم لها قائمة بعد هزائم بونابرت , فانتقلوا الي دول أخرى مثل ألمانيا والنمسا وروسيا و على رأسها بريطانيا .
فكان لليهود حظوة عند الاسقف (الأنغليكاني ) في فينا ( وليم هشلر ) الذي تبنى في العام ( 1880 ) النظرية التي تقول : ( أن المشروع الصهيوني هو مشروع الهي , وأن العمل علي تحقيقه يستجيب لتعاليم التوراتية ) , وهناك في فينا تعرف ( هشلر )علي ( ثيودورهرتزل ) وعلي مشروعه , واستطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القبصر الألماني ومع السلطان العثماني , وذلك لمساعدته علي اقامة وطن يهودي في فلسطين .
ارسل ( هرتزل ) رسالة الي السلطان العثماني *عبد الحميد الثاني * يعرض عليه رشوة تبلغ عشرين مليون جنيه استرليني في مقابل تشجيع الهجرة اليهودية الى فلسطين ومنح اليهود قطعة أرض يقيمون عليها حكما ذاتيا , فرد عليه السلطان عبد الحميد رحمه الله **فليحفظ اليهود ملايينهم ,اذا مزقت امبراطوريتي يوما فانهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن ,أما وأنا حي فان عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الإمبراطورية الإسلامية , وهذا لن يكون فأنا لا أستطيع علي تشريح اجسادنا ونحن علي قيد الحياة **
لم ييأس ( هشلر ) فقد أنتقل الى بريطانيا حيث رتب في عام ( 1905 ) لقاء لهرتزل مع ارثر بلفور .
من هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني , كان (لويد جورج ) رئيس الحكومة البريطانية اكثر شغفا بالمشروع الصهيوني وأشد حماسة له من بلفور ,فكان الوعد الذي صدر في الثاني من تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1917م بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين وهذا نصه :
عزيزي اللورد روتشلد ..يسرني أن ابلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي :
الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية , وقد عرض علي الوزارة وأقرته :
( ان حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين , وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية , علي أن يكون مفهوما بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينقص الحقوق المدنية والدينية التي يتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الان في فلسطين , ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلاد الأخرى , وسأكون ممتنا اذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علما بهذا التصريح )... المخلص أرثر بلفور .
فهذه بداية الجريمة البريطانية والتي يعتبر ان اليهود شعب اما الشعب الفلسطيني الذي يعيش علي أرضه طوائف ,فالحقيقة لا تغطي بغربال , وعد بلفور هو جريمة القرن التاسع عشر ومجزرة سياسية كانت ضد الشعب الفلسطيني , يتحمل مسؤوليتها المجتمع الدولي بشكل عام وبريطانيا بشكل خاص بصفتها الدولة المسئولة عن اصدار وعد بلفور , المسئولية القانونية والتاريخية والأخلاقية لما حل بالشعب الفلسطيني من نكبة وكارثة وأعمال قتل وتشريد ومعاناة .
ها هي الذكرى الخامسة والتسعون تطل علينا من جديد لتعيدنا الى المربع الأول من تاريخ قضية شعبنا الفلسطيني , يوم تامرت بريطانيا مع الصهيونية العالمية , حيث قامت بإصدار وعد بلفور المشئوم , تلا ذلك تأييد دول اوروبية كثيرة علي رأسها فرنسا التي أصدرت بيانا مشتركا مع المنظمات الصهيونية وكذلك أصدرت كل من ايطاليا واميركيا بيانا ابدتا فيه تأييد اسكان اليهود في فلسطين .
فكان في ( ابريل _ 1920 ) أن وافق المجلس الأعلى لقوات الحلفاء علي أن يعهد الى بريطانيا بالانتداب علي فلسطين وأن يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ , وبموجب ذلك طلبت بريطانيا من عصبة الأمم اعتمادها دولة انتداب علي فلسطين بهدف تنفيذ الوعد .
لقد كرست بريطانيا كل جهودها خلال فترة الانتداب لتسهيل الهجرة اليهودية لفلسطين وتمكين اليهود من التسلح ومن التدريب علي السلاح , بينما عملت علي تجريد عرب فلسطين حتي من مدية يمكن استخدامها في الدفاع عن النفس.
حيث باتت مطمئنة الى قدرة اليهود علي اغتصاب فلسطين , أعلنت موعد انتهاء انتدابها وطبقت عملية الأخلاء بأسلوب يمكن اليهود من الاستيلاء علي الأراضي الفلسطينية وتشريد الشعب الفلسطيني .
لقد فعلت ذلك على خلفية مخادعة العرب , فوعد بلفور لا ينص علي قيام دولة يهودية وانما يتحدث عن وطن قومي يهودي وهي صيغة عائمة , ثم أن وعد بلفور يتضمن النص على عدم الحاق أي ضرر بسكان فلسطين الأصليين وممتلكاتهم , ولكن بريطانيا لم تحترم هذا التعهد الوارد في الوعد , كما لم تحترم سلسلة الكتب البيضاء التي أصدرتها لاحقا بغرض تضليل العرب ومخادعتهم لتلحق بهم الكارثة في نهاية المطاف .
وبهذا فقد استكملت بريطانيا معها المنظمات الصهيونية والدول الغربية بمباركة المنظمة الدولية حلقات المؤامرة علي الشعب الفلسطيني , وبدأت عمليات تهجير الأمنيين وفتح الأبواب لاستقبال الألاف من الصهاينة للسكن والإقامة في فلسطين بدون وجه حق .
ولكن بالرغم من كل المكاسب التي حققها اليهود من وعد بلفور , فان هذا الوعد باطل من أساسه وبه مغالطات وأكاذيب , فلم تكن فلسطين عند صدور الوعد جزءا من الممتلكات البريطانية , حتي تتصرف فيها كما تشاء , انما كانت جزء من الدولة العثمانية وهي وحدها بعد موافقة الشعب الفلسطيني صاحبة الحق في ذلك , كما ان الوعد صدر من جانب واحد وهو بريطانيا ولم تشترك فيه الحكومة العثمانية بالإضافة الى أن هذا الوعد يتعارض مع البيان الرسمي الذي أعلنته بريطانيا في عام ( 1918 ) أي بعد صدور الوعد والذي ينص : ( أن حكم هذه البلاد يجب أن يتم حسب مشيئة ورغبة سكانها ) كما يتعارض هذا الوعد مع مبدأ حق تقرير المصير الذي أعلنه الحلفاء وأكدته بريطانيا أكثر من مرة .
ان المنطق يقول بمسئولية بريطانيا مسؤولية مباشرة عن كل ما لحق بشعب فلسطين من اذي , وما ترتب عليه من المآسي والأحداث , وكان السبب وراء التغيرات علي مستوي الإقليمي والدولي , وهذه التغيرات كانت بمجملها ديمغرافية وجغرافية وتاريخية .
فصورة المنطقة العربية شهدت مسحا لفلسطين التاريخية وتحولت هذه الأرض المباركة من صورة الى صورة , ثم تفريغ الجغرافية من السكان وتهجيرهم , وحتي هذا الوعد كان السبب المباشر في كل ما جري ويجري للشعب الفلسطيني .
ففي العام (1952 ) نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية عن فترة ( 1919_ 1939 ) بما فيها تلك التي تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين , ويتضمن المجلد الرابع من المجموعة الأولى في الصفحة السابعة نقلا عن مذكرة وضعها ( أرثر بلفور ) في عام ( 1917 ) ما يأتي :
( ليس في نيتنا حتي مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين , مع أن اللجنة الأمريكية تحاول استقصاءها , ان القوي الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية , سواء أكانت الصهيونية علي حق أم علي باطل , جيدة أم سيئة , فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد وفي الحاجات الحالية وفي امال المستقبل , وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الان في الأرض القديمة ) .
وهذا الوعد شكل لاحقا نقطة ارتكاز لانطلاق المشروع الصهيوني وارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني الأعزل وتسبب بهجرته وحوله الى لاجئين , هذه الخطيئة التاريخية لبريطانيا ما زالت تنجب كل الشرور التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني .
من هنا نقول : رغم الأحداث والتطورات المتلاحقة في المشهد الفلسطيني والشرق العربي ورغم الاعباء الكبيرة التي يرزح تحتها الواقع الفلسطيني , ورغم النكبات التي تنصب علي رؤوس الفلسطينيين منذ عام (1948 ) الى الأن ورغم كل التضحيات اليومية الا أننا لا يمكن أن نغفل اساس الدور البريطاني في صناعة دولة اسرائيل , بالتالي فانه لا يجوز لنا أن نتعامل مع وعد بلفور كأنه نوع من الذكريات السيئة والاكتفاء بهذا القدر من السلوك السياسي , بل يجب أن نطالب بريطانيا بتصحيح ما أقدمت عليه من فعل كارثي ,وكما يجب عليها دفع التعويضات عن الفعل الذي لازالت نتائجه السلبية الناجمة عن تطبيق ذاك الوعد مستمرة .
فها هو وزير الخارجية البريطاني السابق * جاك سترو *أقر بمسئولية بلاده التاريخية عن الكثير من النزاعات الحالية بالمنطقة العربية وخاصة قضية فلسطين وقال ( سترو ) في مقابلة مع مجلة ( نيو ستيتمان ) الأسبوعية الجمعة ( 15/11/2002 ) أن الكثير من النزاعات الحالية بين الدول هي من نتائج ماضينا الإمبريالي , وينبغي علينا تسويتها , وأضاف أن بلاده أعطت وعد بلفور لليهود الذي يعدهم بوطن في فلسطين وفي الوقت نفسه منحت ضمانات متناقضة لكل من الفلسطينيين واليهود وهذه الاشياء كثمار تاريخ مهم لنا ولكنه ليس تاريخ مشرف .
تصريح يتحدث عن بعض الحقائق والتي وجب علينا نحن العرب والفلسطينيين خاصة بأخذ ما قاله *جاك سترو * علي محمل الجد ونطالب بريطانيا رسميا بالاعتذار عما اقترفت حكومتها من ظلم مجحف وقع علي الشعب الفلسطيني .
فاذا كانت فرنسا وأميركيا قد طالبتا بالاعتذار الى الأرمن من جانب تركيا , فالأولى مطالبة بريطانيا بالاعتذار الى العرب والفلسطينيين عن وعد بلفور .
ربما يتسأل البعض ما الفائدة من الاعتذار لو حدث و الاعتذار له أكثر من دلالة :
الأولى : هي الإقرار بأن اجحافا بحق الشعب الفلسطيني قد حصل ولا بد من العمل علي تصحيحه رغم مرور تسعة عقود ونيف .
الثانية : أن أي سلام حقيقي يتطلب الاعتراف بهذه الحقيقة كاملة وغير منقوصة , وتلك تقضي برد الاعتبار الى الشرعية الدولية التي اشترطت لقيام اسرائيل التزامها باحترام ميثاق الأمم المتحدة .
الثالثة : أن أي جرد حساب موضوعي سيظهر مدي مخالفة وعد بلفور القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام ( 1949 ) ولقواعد الشرعية الدولية لحقوق الأنسان .
الرابعة : أن الاعتذار البريطاني يعني أن مبادئ العدالة تجرم الاستيطان بمقتضي بروتوكول جنيف عام ( 1977 ) وهذاعدا الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجريمة العدوان بحد ذاته .
الذكري الخمسة والتسعون تتلاقي مع السعي الفلسطيني للحصول علي صفة دولة غير عضو في الجمعية العامة لأمم المتحدة وذلك حسب اتفاقية جنيف الرابعة , هذه الجمعية التي وافقت علي طلب اسرائيل للانضمام لها بناء علي تعهد اسرائيل من تنفيذ القرار ( 194 ) وكانت الموافقة من اسرائيل علي ذلك , وفي هذه الايام نجد المماطلة والتسويف للاعتراف بفلسطين دولة غير عضو في نفس الجمعية التي اعترفت بإسرائيل دولة , علي الرغم من أن لدي الشعب الفلسطيني ( 133 ) دولة تعترف بفلسطين دولة وعاصمتها القدس ,فسياسة التسويف التي تتبعها أميركيا وبريطانيا وبعض الدول الغربية , والتي نجد في سياساتها انحياز مستمر لصالح اسرائيل وضد العرب . فما نراه من تلك المواقف شبح سايكس بيكو وبلفور يطاردنا ,فحقيقة الأمر أن الوجوه تبدلت والأفكار لم تتبدل .


مواضيع ذات صلة