2019-06-17الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس7
رام الله7
نابلس9
جنين11
الخليل6
غزة12
رفح13
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2013-03-02 01:55:57

فرنسا رائدة الحرب الصليبية ضد الإسلام ..؟! (قبل الأخيرة)


كما شكل الفرنسيون طليعة الحرب الصليبية على المسلمين فإنهم شكلوا طليعة الهجمة الغربية الحديثة على الوطن الإسلامي بكل شراستها وشموليتها التي تمثلت في الحملة الفرنسية على الشرق الإسلامي كما هو اسمها في وثائق الحكومة الفرنسية وليست (الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام 1798). وقد سيرت فرنسا حملتها تلك بعد عشر سنوات من انتصار ثورتها التي تعتبر أعظم ثورات التاريخ الحديث لتدشين أول نظام علماني بحسب الفهم الغرب تحت شعار(حرية، مساواة، إخاء).

الحملة الفرنسية طليعة الهجمة الغربية الصليبية الحديثة
وقد دُرِسنا أن هدف الحملة الفرنسية كان قطع طريق التجارة بين بريطانيا و(مستعمراتها) في الهند التي كانت دُرة التاج البريطاني. وعندما ذكروا العدد الهائل للعلماء في جميع التخصصات ذكروهم كدليل على حجم التقدم العلمي الذي حدث في الغرب بعد فصل الدين عن السياسة وشئون الحياة. أما الدستور الجديد الذي وضع أُسسه نابليون ومحاولاته علمنة الأزهر فتذكر على أساس أنها أول عمليات التحديث والحداثة في مصر والتحرر من المناهج الدينية الجامدة التي كانت تحكم عقلية المعممين آنذاك. ودرسونا أن دعوته اليهود للعودة إلى ما يزعمون أنه (أرض الميعاد) –فلسطين- أول محاولة في العصر الحديث لاستغلال اليهود كمشروع (استعماري) ضد الأمة والوطن.

ولكن إذا ما بحثنا عن حقيقة كل تلك المآثر العظيمة للحملة الفرنسية فسنرى العجب العجاب:
لم يكن هدف الحملة الفرنسية الرئيس قطع طريق التجارة بين بريطانيا والهند لأن التنافس بين الدول الغربية على توسيع مناطق نفوذها أمر طبيعي، ولكن كان الهدف الرئيس لها محاولة القضاء على الإسلام والعودة إلى بيت المقدس. فقد كانت الحملة الفرنسية أول المحاولات الغربية الجادة لتحقيق اختراق حقيقي في قلب الوطن بدل الأطراف، ومحاولة لإعادة إنتاج دور الغرب السياسي الدولي ليحتل مكان الإسلام الذي شكل وما زال يشكل النقيض الحضاري لحضوره الدولي.

فقد جاء الغرب وهو يعلم أن تقدمه لم يكن بفضل فصله للدين عن السياسة وشئون الحياة وأن فصل الدين عن شئون الحياة في الإسلام لا يعني اللحاق بركب التقدم العلمي الذي حدث في الغرب ولكنه يعني التخلف والتفكك وبداية تراجع قوة الإسلام وتفكك المسلمين. وهذا ما أراده نابليون من الدستور الجديد وعلمنة الأزهر الذي كان يقود المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي يومها. وقد كان من أهم آثار تلك الحملة أن نجح نابليون "في دق أول آسفين في تركيب بنية المجتمعات الإسلامية عندما فصل المسجد عن الدولة، وهمش سلطة الأزهر كمصدر للتشريعات، وأضعف دوره القيادي في المجتمع وفي إرشاد المسئولين في الدولة، ووضع قوانين مدنية مستمدة من الدستور الفرنسي وجعلها الأساس التشريعي للقضاء المصري". لقد حققت الحملة الفرنسية أول شرخ في الوطن الإسلامي بين دستورين وهويتين وسلطتين.

أما العدد الهائل للعلماء الذين صاحبوا الحملة الذي بلغ 122 عالماً في مختلف الاختصاصات" فهو دليل على شمولية الهجمة الغربية الصليبية الحديثة ضد الأمة والوطن. فلقد عمد الغرب إلى (شن حربه الشاملة) ضد الوطن الإسلامي وتكريس (القابلية للاستعمار) في نفوسنا، وتدمير منابع القدرة الداخلية، وذلك بتحطيم المكونات العقدية والفكرية والحضارية للمجتمع الإسلامي وتغيير أنماط المعيشة والإنتاج فيه بما يخدم مصالحه ويحقق التبعية له". وهذا دليل على أهمية ما حققته تلك الصرخة التي أطلقها الصليبي لويس التاسع ملك فرنسا بعد هزيمة حملته الصليبية على دمياط "علينا أن نبدأ حرب الكلمة..."، وأنها قد آتت ثمارها بعد حوالي خمسة قرون. فقد كان من المخططات الخطيرة للحملة أن بعثت أول نعرة جاهلية في تاريخ الأمة الحديث، وهي الدعوة إلى الفرعونية وأن مصر فرعونية وأنها صاحبة حضارة السبعة ألاف سنة ... إلخ، وقد تبين أن هذه الدعوات ركن أساس في مخططات الغرب لاختراق وتدمير الإسلام وقد انتشرت بعد ذلك في كل أرجاء الوطن، والآن يخطط الغرب لمزيد من تلك النعرات الجاهلية لمزيد من التفتيت للأمة والوطن!.

أما دعوته اليهود للعودة إلى ما يزعمون أنه "أرض الميعاد" –فلسطين- فهي أول دعوة رسمية أوروبية للتأسيس للموالاة التي حذرنا منها الله تعالى، بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (المائدة: من الآية51). وقد كان نابليون بدعوته هذه يضع ما جاء في وثيقة (لويس التاسع) في القرن الثالث عشر الميلادي موضع التنفيذ "العمل على قيام دولة غربية في المنطقة العربية تمتد حتى تصل إلى الغرب". هذه الدعوة قد فتحت عيون الغرب على أهمية استثمار المشروع التوراتي والحلم اليهودي في العودة إلى فلسطين وزرعهم قومية غريبة في قلب الأمة والوطن - كما أوصى لويس التاسع - ليحول دون تحقيق الوحدة الإسلامية في يوم من الأيام، ويشغل المنطقة في صراعات جانبية بعيدة عن قضاياها المصيرية.

شمولية الهجمة
وعلى الرغم من فشل تلك الحملة عسكرياً إلا أنها شكلت أول اختراق جدي غربي للأمة والوطن حديثاً وكان لها نتائج وآثار خطيرة مازلنا نعاني منها حتى اليوم، فقد ازدياد التنافس بين الدول الغربية في السيطرة على ممتلكات الدولة العثمانية وخاصة المنطقة العربية منها. إضافة إلى أنها شنت حربها الشاملة ضد الأمة والوطن على ثلاثة محاور رئيسة هي:
الأول: الاحتلال لأراضي الوطن والعمل على إسقاط الخلافة وهو ما عرف في تاريخ الصراع في القرن التاسع عشر باسم "المسألة الشرقية".
الثاني: التغريب وتدمير المؤسسات الإسلامية واستهداف العقل المسلم.
الثالث: الاحتواء لحركات التحرر القومي، وتجزئة الوطن وزرع العدو اليهودي في قلب الوطن.

ولتحقيق ذلك اتفقت الدول الغربية الصليبية فيما بينها في مؤتمر فينا عام 1815م الذي عقد لمواجهة حروب نابليون الأوروبية على إبقاء الدولة العثمانية في حالة ضعف والعمل على إضعافها أكثر إلى أن يحين الوقت المناسب لاقتسام ممتلكاتها. وقد كان على رأس مخططاتها منع نجاح أي محاولة إصلاح يمكن أن تستعيد بها الدولة العثمانية قوتها ونهضتها من جديد، واستغلال الأصوات المنادية بالإصلاح من الداخل وتوجيهها في الاتجاه الذي يخدم أهدافها في القضاء على النظام السياسي الإسلامي المتمثل في "الخلافة الإسلامية العثمانية". لذلك لم تفلح كل محاولات الإصلاح الداخلي التي قامت بها الدولة العثمانية لتجديد شبابها وقوتها سواء كانت تلك الإصلاحات على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الإداري أو العسكري. نفس الأمر يحدث اليوم مع الأصوات المنادية بالإصلاح التي يستغلها الغرب للتدخل في الشئون الداخلية لأقطار وطننا وتخريب أي محاولة جادة للإصلاح الحقيقي.

معاهدات الامتيازات الأجنبية الوجه الآخر للهجمة
للذين يجزءونوأبعاد الهجمة الغربية ضد الأمة والوطن سبق القول أن معارك الغرب دائماً ذات أهداف متعددة يجمعها في النهاية هدف رئيس، وهو: تدمير الإسلام! ففي القرن التاسع عشر كان الصراع يدور بين الدول الغربية الكبرى من أجل السيطرة الاقتصادية، وقد اتخذ نظام السيطرة الغربية في القرن التاسع عشر وجه آخر غير السيطرة العسكرية، وقد كانت معاهدات الامتيازات الأجنبية التي منحتها الدولة العثمانية للدول الأوروبية هي الباب الذي ولجت منه الدول (الاستعمارية) لتحقيق أغراضها في الدولة العثمانية، ومنع قيامها بتنفيذ أي محاولات اقتصادية واستنباط موارد مالية جديدة، لمواجهة نفقات الإدارة والحكم. مع أن هذه الامتيازات لم تكن امتيازات بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنها كانت المعاهدات المتضمنة للمبادئ القانونية لإقامة المستأمنين من رعايا الدول الأجنبية في ممتلكات الدولة العثمانية، ولممارسة نشاطهم التجاري المشروع فيها، وتقرير حق رعايا الدولة العثمانية المقيمين في أراضي تلك الدول في سريان هذه المبادئ عليهم. لكن مع ضعف الدولة العثمانية بدأت الدول الأوروبية تتدخل في شئونها معتمدة على تفسير تلك المعاهدات تفسيراً تعسفياً يخدم مصالحها، وأصبح رعايا تلك الدول وكأنهم يشكلون دولة داخل الدولة العثمانية، وقد حاولت الدولة العثمانية إلغاء تلك الامتيازات ولكن تلك الدول لم تقبل، وقد كانت تلك الامتيازات ضربة حتمية لاستقلال الدولة الاقتصادي.

وقد استطاعت الدول الأوروبية في محاولة منها للتغلغل الاقتصادي في وطننا وفرض التبعية الاقتصادية على الأمة من فرض امتيازات إضافية مكنتها من إتمام سيطرتها الاقتصادية وتحقيق التبعية الاقتصادية للأمة بالغرب المحتل، فقد منحت الحكومة العثمانية عام 1867م الأجانب حق ابتياع الممتلكات، وكذلك قامت الامتيازات بتوفير السبل الملائمة لعبور توظيفات مالية ضخمة حالما كانت تتوفر مبالغ كافية من الرساميل الفائضة في المجتمعات الصناعية المتقدمة، وكانت المصارف في الإمبراطورية العثمانية على العموم هي مصارف أجنبية... ولدى حلول الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي كانت الواردات والصادرات وامتيازات التعدين والموانئ والخطوط الحديدية والمياه والطاقة إلخ كلها خاضعة لسيطرة أجنبية "وعجزت الدولة" عن تسيد معدل نصف من الفائدة المترتبة على الدين الأجنبي... وبعد عام 1882 تسلمت إدارة الدين العثماني لجنة خاصة عرفت باسم لجنة الدين العثماني وهي هيئة اجتمعت فيها الدول الكبرى فوضعت يدها على واردات احتكارات مغرية مثل التبغ والملح بالإضافة إلى غيرها من مصادر الدخل.

لقد سبقت السيطرة الاقتصادية السيطرة السياسية وكان التقسيم الاقتصادي للدولة العثمانية الذي تم إنجازه بين العامين 1904و1906، مقدمة للتقسيم السياسي للوطن عشية الحرب العالمية الأولى، فهذا التقسيم أرسى القواعد للاتفاقيات السرية زمن الحرب بشأن تقسيم الإمبراطورية العثمانية وبالتالي من أجل اقتسام الشرق الأوسط في أعقاب الحرب مع بعض التعديلات.

أليس ما جرى في القرن التاسع عشر هو نفسه ما يمارسه الغرب حالياً عبر مؤسساته الاقتصادية صندوق النقد والبنك الدوليين لفرض نظام الخصخصة وبيع ممتلكات القطاع العام للأجانب، وتمليك المؤسسات الحكومية مثل المياه والكهرباء والمواصلات العامة وغيرها للشركات الأجنبية، وعلى صعيد البنوك والاستثمارات يتم توظيف الأموال وشراء المؤسسات الحكومية والوطنية، وما الحرب على مالي وغيرها إلا جزء من اقتسام الدول الغربية لمناطق النفوذ والثروات وإعادة احتلالنا بطريقة جديدة ومشروعة تحت مسمى الإصلاح أو محاربة ما يزعمون (الإرهاب) أي الإسلام لمنع أي محاولة لامتلاكنا ثرواتنا وإعادة توحيد أمتنا والنهوض من جديد؟!.
التاريخ: 27/2/2013


مواضيع ذات صلة