المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.506
دينار اردني4.956
يورو4.19
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.935
درهم اماراتي0.955
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2014-08-11 18:16:45

مذكرة قانونية بشأن"المحاذير القانونية والمحاذير القانونية ذات الطابع السياسي التي قد تنتج عن إنضمام دولة فلسطين إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما) "

مذكرة قانونية بشأن"المحاذير القانونية والمحاذير القانونية ذات الطابع السياسي التي قد تنتج عن إنضمام دولة فلسطين إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما) "

تمهيد،،،
كثر الحديث مؤخراً عن انضمام دولة فلسطين إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما) والذي دخل حيز النفاذ عام 1 تموز2002م بعد مصادقة (60) دولة على نظام روما – يذكر إن نظام روما يعتبر معاهدة دولية متعددة الأطراف – وقد كثرت المطالبات الفلسطينية والعربية بضرورة محاكمة دولة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية لما يرتكب من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية وجرائم عدوان في قطاع غزة تحديداً، وذلك بأسرع فرصة ممكنة؛ ودون الحديث أو دراسة المحاذير القانونية التي قد تنتج عن إنضمام دولة فلسطين لنظام روما (سلبيات الإنضمام وأثرها)، ودون النظر والبحث في تجارب وأسباب الدول العربية المجاورة التي لم تنضم إلى نظام روما حتى اليوم على الرغم من وقوع إعتداءات إسرائيلية متكررة على أرضها وشعبها ولديها حركات مقاومة وطنية، ويقع جزء من أراضيها تحت الاحتلال. (حالة لبنان وحزب الله كحركة مقاومة وطنية لبنانية، وحالة سوريا).
إن المحكمة الجنائية الدولية المحكمة الدولية الدائمة الأولى، ومركزها لاهاي، تختص بشكل حصري بملاحقة ومحاكمة مرتكبي جرائم جنائية مجرمة دولياً ذات صدى كبير على مستوى المجتمع الدولي، أنشأت في (17 تموز 1998م) بعد التوقيع على ما يعرف بنظام (ميثاق) روما وهو النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهي تختلف تماماً عن محكمة العدل الدولية، فالأخيرة تختص بنظر وحل النزاعات بين الدول، بينما المحكمة الجنائية الدولية تختص بنظر الجرائم التي يرتكبها أشخاص معيّنين، ويكونوا مسؤولين مسؤولية شخصية أمام هذه المحكمة، عملاً بمبدأ المسؤولية الفردية الذي تبناه نظام روما.
وطبقاً للمادة (5) من نظام روما، فإن أهم الجرائم التي تختص بنظرها هذه المحكمة تتمثل في جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية، بالإضافة إلى جريمة العدوان.
وقد قسمت جرائم الحرب إلى قسمين، الأول يتعلق بجرائم تُرتكب في حال نزاع دولي مسلح، وتتمثل في تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية، تعمد توجيه هجمات ضد سكان مدنيين أو أفراد لا يشاركون مباشرةً في الأعمال الحربية، وتعمد شن هجمات مع العلم أن الهجوم سيسفر عن خسائر في الأرواح أو إصابات لمدنيين أو أضرار مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل، ويكون فيه إفراطاً واضحاً بالنسبة للمكاسب العسكرية المتوقعة أو الملموسة المباشرة، بينما القسم الثاني يتعلق بجرائم تُرتكب في حالة النزاعات غير الدولية المسلحة، وتتمثل في إستعمال العنف ضد الحياة، وخاصة القتل بكافة أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب، والإعتداء على كرامة الإنسان وأخذ الرهائن (ومن وجهة نظري المتواضعة فإن موضوع الرهائن ينطبق على حالة الأسرى الفلسطينيين لدى سجون الإحتلال وكذلك الأمر بالنسبة للجنود الإسرائيليين أو المدنيين الذين يتم حجزهم لدى فصائل المقاومة الفلسطينية، ولا ينطبق مفهوم أسرى الحرب على كلا الحالتين لأن مفهوم أسرى الحرب ينطبق في حال كان هناك عمل عسكري متكافئ القوى بين دولتين، وهذا التفسير ينطبق في حال إنضمام فلسطين إلى نظام روما).
أما الجرائم ضد الإنسانية فقد حددت كأعمال إرتكبت في إطار هجوم شامل أو منظم ضد سكان مدنيين، بينما جرائم الإبادة الجماعية تشمل جميع الأعمال التي تُرتكب بهدف إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو دينية أو إهلاكاً كلياً أو جزئياً .
بينما جريمة العدوان فلم يرد في نظام روما أي تعريف قانوني لها، لذا؛ بقي إختصاص المحكمة الجنائية الدولية في نظرها معلقاً إلى حين تعريفها رسمياً. في عام 2010م وتحديداً في مؤتمر المراجعة لنظام روما (المؤتمر الاستعراضي) الذي عقد في كمبالا، تم إعتماد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (د-29) المؤرخ في 14 كانون الأول 1974م، والذي عرَف جريمة العدوان بأنها:
(إستعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو إستقلالها السياسي أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة -وقد ذكر القرار إنطباق فعل العدوان على مجموعة من الأفعال- سواءً بإعلان حرب أو بدون. ولكن تم الإتفاق أن يدخل التعريف حيز النفاذ في عام 2017م لذا؛ لا أرغب في الحديث عن هذه الجريمة تفصيلاً في هذه الورقة.

وبناءً على ما سبق، سأتحدث في هذه الورقة عن المحاذير القانونية في قسمين على النحو التالي:
القسم الأول: المحاذير القانونية التي قد تنتج عن إنضمام فلسطين إلى نظام روما:
وبالرجوع إلى المواد (11) و(12) من نظام روما، فإن المحكمة لا تختص بنظر الجرائم التي إرتكبت قبل تاريخ نفاذ نظام روما، أي قبل تاريخ 1 تموز 2002م وفي حال إنضمت دولة معينة إلى نظام روما فإن إختصاص المحكمة لا يمارس إلا على الجرائم التي إرتكبت بعد إنضمام تلك الدولة للميثاق، إلا إذا أعلنت الدولة المنضمة قبول إختصاص المحكمة الجنائية على إقليمها قبل تاريخ إنضمامها، ولكن بجميع الأحوال لا يمكن أن توسع المحكمة إختصاصها إلى ما قبل1 تموز 2002م وبالتالي ما إرتكب من جرائم معاقب عليها دولياً قبل عام 2002م لا تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظرها، ونذكر هنا أن الإختصاص الشخصي للمحكمة يمارس تبعاً لجنسية المتهم وليس جنسية الضحية أي يمارس الإختصاص الشخصي على الأشخاص المتهمين من رعايا الدول الأعضاء فقط (ولنا وجهة نظر في ذلك سنشير لها في سياق الكلام لاحقاً).
وبالتأكيد فإن أي دولة تنضم إلى نظام روما تكون قد قبلت إختصاص هذه المحكمة على إقليمها فيما يتعلق بالجرائم الواقعة ضمن إختصاص المحكمة سنداً للمادة (5) من نظام روما، وبالتالي تمارس المحكمة إختصاصها على إقليم الدولة العضو التي وقع فيها السلوك المجرم دولياً .
وبالمقابل فقد وضع نظام روما في المادة (12) آلية إستثنائية لممارسة المحكمة لإختصاصها على أراضي دولة غير عضو في نظام روما، يقضي بأن تقوم تلك الدولة بإيداع إعلان صريح لدى مسجل المحكمة الجنائية بقبول إختصاص المحكمة على إقليمها، شريطة أن تقع الجريمة على إقليمها أو أن يكون المتهم أحد رعاياها، ويترتب على هذا الدولة الإلتزام مع المحكمة والمساعدة في تحقيق مهامها على أكمل وجه دون أي تأخير أو إستثناء (أي أن الأمر سيتوقف على قبول دولة إسرائيل إختصاص المحكمة بنظر الشكاوى المقدمة ضدها، نظراً لكونها ليست عضواً في نظام روما).
وهذا يقودنا للحديث عن أهم المبادئ التي تعمل بموجبها المحكمة الجنائية الدولية وهو مبدأ التكامل، ويعني أن العدالة الجنائية الدولية لم تُخلق لتحل محل العدالة الوطنية بل تكملها، أي أن المحكمة الجنائية الدولية لا تعلن إختصاصها إلا إذا ثبت أن المحاكم الوطنية غير قادرة على محاكمة من إرتكب جرائم تدخل ضمن المنصوص عليها في المادة (5) من نظام روما، وقد ورد في النظام مجموعة أسباب يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أو المدعي العام للمحكمة (سلطة تقديرية له) أن يعتبرها مبرراً لعدم قدرة المحاكم الوطنية على محاكمة الشخص المتهم، وبالتالي يُعلن إختصاص المحكمة الجنائية الدولية في نظر القضية، ومن هذه الأسباب:
1. إنهيار النظام القضائي كلياً أو جزئياً أو عدم وجود أساس له.
2. إتخاذ الدولة قراراً معيناً يليه إجراءات معينة بهدف حماية الشخص المتهم .
3. ثبوت صورية إجراءات المحاكمة أو صورية الإجراءات المتخذة وعدم دلالتها على نية صريحة للمحاكمة.
4. عدم إخضاع الإجراءات المذكورة في إطار نزيه ومستقل.
5. عدم وجود القدرة على المحاكمة وطنياً .
ويتضح من نصوص المواد (17) و(18) من نظام روما أن ذلك يعود للسلطة التقديرية للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي يحق له إعلان إختصاص المحكمة بنظر جرم معين على إعتبار أن ما تم إتخاذه من إجراءات ومحاكمة وطنية للشخص المتهم كان صورياً لمنع المحكمة الجنائية الدولية من مباشرة إختصاصها، وبالتالي عدم وجود النية لدى الدولة بتسليم المتهم إلى العدالة الجنائية الدولية مستنداً في ذلك إلى نظام روما . (وبالتالي، وبالفرض الساقط أن قانون العقوبات الفلسطيني قد عاقب على الجرائم المنصوص عليها في نظام روما، وتم محاكمة مواطنين فلسطينيين أمام القضاء الفلسطيني بهدف توفير حماية لهم من أي ملاحقة جنائية دولية قد تطرأ مستقبلاً وبعد إنضمام فلسطين لنظام روما، إلا أن للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية سلطة تقديرية في ذلك، وبالتالي يحق له إعتبار تلك الإجراءات أو المحاكمة صورية وإعلان إختصاص المحكمة الجنائية بالنظر في الأفعال التي قد تصنف كجرائم معاقب عليها دولياً).
نشير إلى أن هذا أيضاً يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني ونظام روما معاً، فكلاهما ينص على مبدأ عدم جواز معاقبة الشخص عن جرم إقترفه مرتين، وبالتالي فإن إعادة المحاكمة مرة أخرى يتناقض مع مبدأ التكامل ومبدأ عدم معاقبة الشخص مرتين، ونشير هنا أنه في حال لم تقدم الدولة المساعدة المطلوبة للمحكمة الجنائية الدولية، قد تلجأ المحكمة بالنتيجة إلى مجلس الأمن في حال أحيل الطلب للمحكمة من قبله للتدخل وإلزام الدولة المعنية بالإلتزام بإجراءات وتعليمات وقرارات المحكمة، الأمر الذي سيضع تلك الدولة في موقف محرج ومعوقات سياسية وقانونية وعسكرية وإقتصادية لا يحمد عقباها ولم تكن متوقعة أو بالحسبان.
إعتنق نظام روما أيضاً مبدأ عدم رجعية الأثر على الأشخاص وهذا يعني أنه لا يمكن أن يسال شخص عن سلوك إرتكبه قبل سريان نظام روما، بالإشارة إلى أن المحكمة تختص بمحاكمة الأشخاص الطبيعيين الذين يرتكبون أفعالاً تقع ضمن إختصاص المحكمة، سواءً كفاعل أو محرض أو مساهم أو بالإشتراك مع آخرين أو عن طريق شخص أخر سواءً كان هذا الشخص مسولاً جنائياً أم لا.
إن مبدأ عدم الإعتداد بالصفة الشخصية الذي نص عليه نظام روما، جاء بهدف عدم التذرع بوجود حصانة لدى الشخص المتهم، وعليه، وعملاً بنص المادة (27/2) من نظام روما تسقط كافة أشكال الحصانة بمجرد الإنضمام إلى ميثاق روما، ولا تحول الحصانات أو الإجراءات الخاصة بالحماية للأشخاص وفقاً للقوانين الوطنية أو الدولية دون ممارسة هذه المحكمة لإختصاصها، بحيث لا يفرق النظام بين شخص عادي أو شخص لديه حصانة، سواءً كان رئيساً أو رئيساً للوزراء أو وزيراً أو عضو برلمان أو دبلوماسياً أو موظفاً حكومياً ... الخ (وهذا يتعارض مع أحكام القانون الأساسي الفلسطيني والقوانين الوطنية النافذة لجهة الحصانة).
فكان الهدف الرئيسي الذي سعى لإقراره نظام روما من وراء ذلك هو إزالة كافة مظاهر الإفلات من العقاب، تلك الظاهرة التي كانت سبباً في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وهذا المبدأ في نظام روما يعتبر من أهم أسباب عدم إنضمام الدول العربية له، نظراً لأن الدساتير والقوانين الوطنية العربية نصت على الحصانة للرئيس ورئيس الوزراء والوزير والدبلوماسي والبرلماني، وبالتالي تخوف هذه الدول من صدور مذكرات توقيف بحق رؤسائها ومسؤوليها، الأمر الذي يضع الدولة في موقف محرج دولياً عندما ترى ساستها وقياداتها يساقون للمحاكمة بجرائم مجرّمة دولياً.
لقد نصت المادة (39) من القانون الأساسي الفلسطيني، على أن فخامة السيد الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، في حين أن المادة (28) من نظام روما نصت على مسؤولية القادة والرؤساء، وبالتالي فإن إنضمام فلسطين إلى نظام روما يجعل من رئيس دولة فلسطين وقيادات الفصائل والمقاومة الفلسطينية عرضة للملاحقة الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية، نظراً لأن هذا المنصب يعطيهم صلاحيات لمباشرة وإصدار الأوامر للقيام بأعمال معينة قد توصف بأنها جرائم معاقب عليها دولياً، وذلك إستناداً لقاعدة القائد والرؤساء المنصوص عليها في المادة (28) من نظام روما سالفة الذكر.
أما بالنسبة لأعضاء المجلس التشريعي، فقد نصت المادة (53) من القانون الأساسي الفلسطيني على الحصانة لهم، وعدم جواز مساءلتهم عن الآراء أو الوقائع التي يوردونها أو يبديها عضو المجلس التشريعي سواءً مدنياً أم جزائياً؛ وعليه، وبإسقاط مبادئ نظام روما وخاصة المادة (25) منه، حال إنضمام فلسطين له، نجد أن المسؤولية الشخصية للفاعل قد إمتدت لتصل إلى ما سماه النظام الإغراء بإرتكاب أو التحريض أو المساعدة بأي شكل يذكر لغرض تسهيل إرتكاب جريمة أو الشروع أو توفير وسائل إرتكابها، وكذلك الأمر بالنسبة للمساهمة بأي طريقة لقيام مجموعة من الأشخاص يعملون بشكل مشترك منظم بإرتكاب فعل معاقب عليه وفق نص المادة (5) من نظام روما. (الأمر الذي يجعل إحتمال مسائلة الفصائل والمقاومة الفلسطينية دولياً عن أعمالها وتصريحاتها وارداً وبقوة).
فالحصانة منحت لتسيير أعمال سياسية وسيادية بحكم الوظيفة ولم تُمنح بهدف إرتكاب جرائم حرب أو عدوان أو إبادة جماعية أو ضد الإنسانية.
وتأسيساً على ما سبق، فإن الصلاحية المكانية للمحكمة الجنائية الدولية تتعارض مع مبدأ السيادة للدول، فقد نصت المادة (12/1/2/3) من نظام روما أن كل دولة تصادق على النظام تصبح طرفاً فيه وتقبل مباشرةً إختصاص المحكمة الجنائية الدولية على إقليمها.
وعليه؛ أذا ما فتحت المحكمة تحقيقاً في إحدى الجرائم التي نص عليها النظام، فإن المحكمة تكون مختصة بإتخاذ ما تراه مناسباً من إجراءات سواءً كانت ملاحقة أو تحقيق أو توقيف على إقليم الدولة المشتكية أو الدولة المدعى عليها (إذا كانت عضواً في نظام روما)، وهذا ما تتخذه بعض الدولة ذريعة لعدم إنضمامها إلى نظام روما، ومنها إسرائيل. (وسنتحدث عن مبررات هذه الدول ودولة إسرائيل في السياق).
ومن باب طرح أمثلة على مبدأ السيادة ومدى تمسك القيادة الفلسطينية به، في عام 2012م فتح تحقيق من قبل محكمة فرنسية في قضية إستشهاد الرئيس ياسر عرفات، وصدر قراراً عنها يتضمن أخذ عينات من رفاة الشهيد الرئيس ياسر عرفات لفحصها، فثار جدل شعبي وقانوني وسياسي فلسطيني وعربي على الموقف، كون وجود وفد طبي فرنسي وحصوله على عينات من رفاة الشهيد الراحل ياسر عرفات فيه إنتهاك لمبدأ السيادة للدولة الفلسطينية ولما كان يمثله الشهيد ياسر عرفات من زعيم روحي وقيادي ثوري للشعب الفلسطيني، فكان المخرج من الخلاف هو أن يُشكل مجموعة وفود طبية محايدة من سويسرا وروسيا بالإضافة إلى الوفد الطبي الفرنسي برئاسة وفد طبي فلسطيني وأخذ عينات من رفاة الشهيد الرئيس الراحل ياسر عرفات من قبل الأطباء الفلسطينيين وبحضور باقي الوفود الطبية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا؛ في حال أصدر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق أشخاص أو قيادات في فصائل فلسطينية سواءً سياسيين أو عسكريين، فهل ستعمل دولة فلسطين على تسليمهم للمحكمة الجنائية الدولية، وتحت إشراف سلطة تنفيذية فلسطينية وفقاً للقوانين الفلسطينية النافذة (إجراءات تسليم المجرمين) حتى لا يكون هناك إنتهاكاً لمبدأ السيادة ؟!
أما بالنسبة للسيادة القضائية فهي أمر آخر، بالإستناد إلى قواعد القانون الأساسي الفلسطيني والقوانين النافذة سواءً كانت إجرائية أو غير ذلك، فقد حُددت قواعد ممارسة السيادة القضائية الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية بموجبها، فهو يعطي السيادة للدولة والمواطن، ومن خلالها تمارس كافة المؤسسات الدستورية سلطاتها وصلاحياتها، فالسلطة التشريعية تقوم بسن قوانين وتشريعات ناظمة للحياة العامة والخاصة، بينما تعمل السلطة التنفيذية على تطبيق تلك القوانين على كامل أراضي دولة فلسطين دون إستثناء، في حين تعمل السلطة القضائية على مباشرة مهامها بالرقابة على مدى صحة تطبيق القانون.
وبالتالي وطبقاً لمبدأ السيادة والصلاحية الإقليمية للدولة، يكون من حق دولة فلسطين أن تقوم بملاحقة ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها المنصوص عليها في نظام روما وفقاً لقوانينها وأمام محاكمها الوطنية وعلى أرض دولة فلسطين، وهنا يكمن التعارض بين نظام روما والقانون الأساسي، فالأخير يعطي السيادة للشعب والمؤسسات الدستورية، وهذا يعني أن كل ما يقع على أرض دولة فلسطين من قبل الفلسطينيين هو شأن فلسطيني وطني داخلي وتختص الجهات الوطنية والقضائية الفلسطينية بالنظر فيه وفقاً للقانون العقابي والإجرائي الفلسطيني.
وبالمقارنة مع مبدأ التكامل سالف الذكر؛ وعلى فرض تم محاكمة قيادات أو أشخاص فلسطينيين أمام المحاكم الوطنية الفلسطينية لحمايتهم من الملاحقة الجنائية الدولية، فإن للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية سلطة تقديرية – كما ذكرت سابقاً - في أن يقرر بصوريّة هذه الإجراءات بداعي التهرب من المساءلة أو الملاحقة الدولية، وبالتالي العودة بالإتجاه المعاكس وإلتزام دولة فلسطين بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
بمقابل ذلك فإن القانون الأساسي في المادة (28) منه؛ نص على عدم جواز إبعاد أي فلسطيني عن أرض الوطن أو حرمانه من العودة إليه أو منعه من المغادرة أو تجريده من الجنسية أو تسليمه لأي جهة أجنبية.
وعبارة أي جهة أجنبية هنا تعني المحكمة الجنائية الدولية، وعلى الرغم من توحيد قواعد المساعدة القانونية وتسليم المجرمين في أغلب الدول العربية وفقاً لإتفاقية الرياض التي إنضمت فلسطين لها، إلا أنها أيضاً تتعارض مع نظام روما، حيث نص في المواد (88) و(89) منه؛ على إلتزام الدول الأعضاء بتسليم المجرمين الذين تطلبهم المحكمة وفقاً لقوانين وإجراءات الدولة العضو، وهذا الأمر يثير الجدل، فطالما أن هناك إحتمال وارد وبقوة بأن تطلب المحكمة من الدولة تسليم أحد مواطنيها وفقاً للقوانين الفلسطينية، يرد هنا تعارض لجهة عدم جواز تسليم أي فلسطيني لأي جهة أجنبية وفقاً للمادة (28) من القانون الأساسي .
وهذا السياق يقودنا للحديث عن آلية أبرام المعاهدات الدولية، فالقانون الأساسي الفلسطيني لم ينص على آليات أو أسس معينة لإبرام المعاهدات الدولية وصلاحية توقيعها أو المصادقة عليها، إلا أن إختصاص التوقيع أو المصادقة على المعاهدات الدولية في أغلب النظم القانونية يكون لرئيس الدولة، وبالتالي فإن وجود النص الذي يجعل رئيس الدولة عرضة للملاحقة من قبل المحكمة الجنائية الدولية عن جرائم قد يُتهم بإرتكابها أو بالتحريض على إرتكابها، سيحول دون توقيعه بالإنضمام إلى نظام روما، بغض النظر عن الجهة صاحبة الصلاحية بالمصادقة، وخاصةً في ظل مبدأ إسقاط الحصانة بمجرد الإنضمام إلى نظام روما وخضوع جميع الأشخاص دون إستثناء لإختصاص المحكمة الجنائية الدولية (وهذا أمرٌ مستبعد في واقعنا الفلسطيني نظراً للإصرار الدائم لفخامة السيد الرئيس على الإنضمام إلى نظام روما والتوجه نحو المعركة القانونية الدولية سعياً لتوفير وتعزيز الحماية القانونية الدولية للشعب الفلسطيني).
وبالتناوب، فإن المادة (4) من القانون الأساسي نصت على أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي في فلسطين ولسائر الديانات السماوية إحترامها وقدسيتها، بالإضافة إلى أن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع.
إن هذا النص يشكل عقبة أخرى أمام الإنضمام إلى نظام روما، فالدين الإسلامي ومبادئ الشريعة الإسلامية تمنع محاكمة المسلم من غير المسلم (علماً أنه لا يوجد ما يمنع من ذلك في القوانين الفلسطينية).
(الأمر الذي قد يعرض موضوع الإنضمام إلى نظام روما لعرقلة ومعارضة من بعض الفصائل الفلسطينية التي تعتنق النهج الإسلامي في أعمالها وسياستها، مما يقودنا إلى عقبة سياسية وقانونية داخلية في فلسطين للتعارض مع المساعي الفلسطينية لإنجاح ودعم المصالحة الوطنية وحكومة الوفاق الوطني التي أنجزت بجهود وطنية جبارة مطلع عام 2014م).
القسم الثاني: المحاذير القانونية ذات الطابع السياسي التي قد تنتج عن إنضمام فلسطين إلى نظام روما:
كما أن هناك محاذير قانونية يجب التطرق لها ودراستها قبل الإنضمام إلى نظام روما، فهناك أيضاً محاذير قانونية ذات طابع سياسي يجب أخذها بعين الإعتبار ودراستها، أهمها :

أولاً: جريمة العدوان وعدم تعريفها في نظام روما، والجرائم ضد الإنسانية:
إن عدم تعريف جريمة العدوان في نظام روما يمنع المحكمة من تطبيقها وملاحقة مرتكبيها، إلا أنه في عام 2010م عقد مؤتمر المراجعة لنظام روما سابق الذكر، وتم تعريف هذه الجريمة، والإتفاق على إعتبارها نافذة إبتداءً من عام 2017م.
إن أغلب الدول العربية تتذرع بهذه الحجة لعدم الإنضمام إلى نظام روما كونها تعتبر نابعة من صميم النزاع العربي الإسرائيلي، فدولة إسرائيل دولة محتلة لفلسطين ومن حق المقاومة الفلسطينية الرد على أي عدوان إسرائيلي على أراضيها وشعبها وحماية سيادة الدولة، وبالتالي من حق من تكون أرضه محتلة مقاومة الإحتلال.
ونظراً لعدم إعتراف المجتمع الدولي أو أغلب الدول الغربية ذات القوة والنفوذ السياسي والعسكري بحركات مقاومة الإحتلال، فإن التخوف هنا يتمثل في إعتبار أعمال المقاومة الفلسطينية ضد دولة إسرائيل أعمالاً عدوانية، وبالتالي تعتبر خاضعة لإختصاص المحكمة الجنائية الدولية تحت عنوان جريمة العدوان عند دخولها حيز النفاذ عام 2017م، وذلك عملاً بمبدأ عدم سقوط الجرائم بالتقادم الذي تتبناه المحكمة الجنائية الدولية في نظامها.
والمسؤولية عن جريمة العدوان تطال كل من إتّخذ قراراً بالحرب أو شارك في إتخاذه وكل من عمل على التحريض له، وكل من شارك في تنفيذه، وهذا الأمر يجعلنا نُمعن بالتفكير في مصير المقاومة الفلسطينية؛ ويتجلى هذا التخوف في ظل عدم وجود جهة دولية بعيدة عن التأثيرات والإملاءات السياسية، فليس هناك نظام دولي قوي قادر على إجبار الدول على إحترام القانون الدولي دون رغبتها الحقيقية في التعاون وتنفيذ القرارات الدولية بما يحقق العدالة لجميع دول العالم دون إستثناء.
ومن صميم موضوع جريمة العدوان وعدم الإعتراف بمقاومة الإحتلال كما ذكرت، يكمن الخوف من تحوير عمل المحكمة لصالح دولة إسرائيل، فالمقاومة الفلسطينية من منظور فلسطيني وعربي هي حركات تحرر وطنية شرعية تمارس حقها في مقاومة الإحتلال، وبالمقابل من منظور الولايات المتحدة الأمريكية (راعية عملية السلام) وبعض الدول الغربية والمعادية لها، هي حركات إرهابية وقد سماها البعض من الدول بغير الشرعية، وهذا الأمر يجعل فلسطين حُكماً في موقف المتردد من الإنضمام إلى نظام روما ما بين رغبته في حماية الشعب الفلسطيني بشكل قانوني دولي وبين غيرته على مصير المقاومة والفصائل والقيادة الفلسطينية التي قد تُساءل أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويبقى الأمر كذلك (معلقاً) إلى حين الإعتراف الرسمي بشرعية مقاومة الإحتلال.
وهذا جميعه يقودنا إلى أمر جوهري، وهو تفسير نص المادة (7) من نظام روما، وهي ذات طابع أمني يتعلق بضبط الأمن والنظام العام، والتي تدخل ضمن دور وإختصاص الأجهزة الأمنية للدولة والمهام الموكلين بها، إذ في عام 2006م وقعت أحداث مسلحة في قطاع غزة بين مؤيدي حماس ومؤيدي السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح، والتي أوقعت قتلى وجرحى، عدا عن الإتهامات المتكررة لحركة حماس بقمع تظاهرات ومواجهات مع مجموعات مسلحة مختلفة أدت إلى قتلى وجرحى أيضاً، وبالتالي يكمن التخوف من مساءلة الأطراف التي كانت متنازعة عسكرياً في القطاع عن أحداث عام 2006م وإعتبارها أعمالاً خاضعة لسلطة المحكمة الجنائية الدولية وتصنيفها كجرائم ضد الإنسانية.
أضف إلى ذلك وعلى المستوى الفلسطيني الإسرائيلي هناك حالة عدائية مستمرة مع إسرائيل، الأمر الذي قد يضع فلسطين في موقف حرج لما يقدمه المجتمع الدولي من رعاية لها، وفي هذه الحالة قد يُعتبر نشاط المقاومة الفلسطينية عملاً عدائياً، أو جريمة ضد الإنسانية يخضع لإختصاص وصلاحية المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى التخوف من قيام عائلة إسرائيلية تحمل جنسية غير جنسية دولة إسرائيل تكون عضواً في نظام روما، من تقديم شكوى أو رفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد دولة فلسطين أو أشخاص أو قيادات سياسيين أو عسكريين سواءً من الفصائل أو المقاومة أو قيادات في السلطة الوطنية الفلسطينية ودولة فلسطين، بسبب مقتل مواطن مدني إسرائيلي نتيجة لأعمال المقاومة، وبالتالي تعرّض الأشخاص المتهمين للملاحقة الجنائية على كافة الأعمال كإحتجاز الرهائن المدنيين أو العسكريين الإسرائيليين أو قتلهم، أو إطلاق صواريخ المقاومة وتنفيذ عمليات فدائية إتجاه المغتصبات والمدن الإسرائيلية.

ثانياً: عدم سقوط الجرائم بالتقادم:
وفقاً لنظام روما وتحديداً المادة (29) منه، بالإضافة إلى قواعد القانون الجنائي الدولي، فإن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وهذا يتعارض مع القوانين الإجرائية والعقابية الفلسطينية النافذة، فالجرائم والعقوبات تسقط بمرور الزمن، الأمر الذي قد يعرض أشخاص أو مسؤولين فلسطينيين للمساءلة الجنائية الدولية لمدى الحياة على جرائم معاقب عليها دولياً، في حين أن هذه الجريمة أو العقوبة وفقاً للنظام القانوني والإجرائي الفلسطيني قد تكون سقطت بمرور الزمن.

ثالثاً: صلاحيات مجلس الأمن وإختصاص المحكمة:
لمجلس الأمن صلاحية لجهة إعلان ممارسة المحكمة لإختصاصها أو تأجيل قيام المحكمة بممارسة إختصاصها أو أن يطلب من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق في موضوع بعينه، وهذا ما يسمى بالإحالة من قبل مجلس الأمن، الأمر الملزم للمحكمة الجنائية الدولية وفقاً للمادة (13) من نظام روما، والذي أكده قرار مجلس الأمن رقم 122/2002 . ( والذي سنتحدث عنه في هذا الجانب بإيجاز كمبرر قانوني لعدم إختصاص المحكمة على أراضي دولة ليست عضواً وعدم إلزامها دولية بقبول الإختصاص أو التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية).
إن مجلس الأمن جسم سياسي وليس قضائي، وبالتالي فإن ممارسة المحكمة لمهامها بقرار إحالة صادر عن مجلس الأمن يكون والحال هذه ممزوجاً بالسياسة، الأمر الذي يبعد المحكمة عن الإستقلالية، فمن الممكن إستخدام هذا الجانب وتحوير عمل المحكمة الجنائية الدولية لمصلحة دولة إسرائيل بهدف تصفية حسابات مع الفصائل والمقاومة الفلسطينية، أو إستعمال هذه الصلاحية كورقة ضغط من قبل الدول العظمى ضد الدول الضعيفة كدولة فلسطين. (تماماً كما حصل في السودان، وصدور مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير والتي أدت إلى ضغوط دولية كبيرة عليه –بغض النظر عن الموقف العربي آنذاك- فكانت النتيجة التوقيع على تقسيم السودان).
فإحالة قضية إلى المحكمة الجنائية من قبل مجلس الأمن يجعل من الأخير المرجع الأساسي لتطبيق القرارات والأحكام الصادرة عن المحكمة، وبالتالي وفي حال عدم تعاون دولة معينة مع المحكمة الجنائية الدولية في القضية المحالة من مجلس الأمن يُعطي الحق للمحكمة بالرجوع إلى مجلس الأمن لفرض التعاون مع المحكمة على هذه الدولة أو ما شابه، وبالتالي يتجسد الخوف من قيام مجلس الأمن بإقرار هجمات عسكرية أو فرض عقوبات إقتصادية على تلك الدولة بذريعة عدم تسليمها لمطلوبين للعدالة الدولية (مثلاً)، وبالتالي فإننا بهذه الطريقة نكون قد ساهمنا في شرعنة عدوان دولي على تلك الدولة، وبطبيعة الحال وبإسقاط هذه المثال على التجربة الفلسطينية والواقع الفلسطيني، فإن العدوان بالعادة سيكون من قبل دولة إسرائيل على قطاع غزة، وبالتالي فإننا نعطي ذرائع قانونية ذات طابع سياسي لشن عدوان إسرائيلي شبه دولي على قطاع غزة .
علماً أن موضوع عرض طلب اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل المدعي العام للمحكمة يعود للسلطة التقديرية له، أي تقديم الطلب من تلقاء نفسه من عدمه، الأمر الذي يجسد فكرة النهج الإنتقائي السياسي للمحكمة في مثل هذه الحالة، ونمثل على ذلك بما هو آت:
في عام 2009م قدمت السلطة الوطنية الفلسطينية إعلاناً مسجلاً بموجب المادة (12/3) من نظام روما، والتي تسمح للدول غير الأعضاء بقبول إختصاص المحكمة الجنائية الدولية على أراضيها، إلا أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية فشل في معالجة الطلب، بداعي أن هناك إعتبارات قانونية منعته من قبوله، مثل؛ إن السلطة الوطنية الفلسطينية ليست دولة ومن هي الجهة المختصة بتعريف الدولة، وبالتالي الإنضمام إلى نظام روما أو قبول الإختصاص يكون للدول، مشيراً في قراره أن فلسطين حصلت على صفة (مراقب) عام 2012م وأنه ليس من صلاحياته تحديد هل فلسطين دولة يحق لها الإنضمام إلى نظام روما أم لا، وبالتالي قرر أن الإختصاص في ذلك يعود إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة أو الأمين العام للأمم المتحدة لإتخاذ القرار في ذلك، علماً أن هذه المشروحات أو هذا القرار قد سُمح بنشره عام 2012م.
وفي ذات العام (أي عام 2009م) صدرت مذكرة توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية في حق الرئيس السوداني عمر البشير حول جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فما يتعلق بنزاع دارفور، الأمر الذي قوبل بمعارضة قوية وموقف معادٍ من الدول العربية، فكانت النتيجة التوقيع على تقسيم السودان كما ذكرت سابقاً، وبذلك سادت وجهة نظر معادية للمحكمة الجنائية الدولية بإعتبار أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يركز على الدول الإفريقية دون بقية دول العالم الأخرى، وأن ما حدث في حالة الطلب الفلسطيني المقدم ما هو إلاَ إستمرار للنهج السياسي الإنتقائي للمحكمة.
ومن جهة أخرى، فقد قصر نظام روما العضوية على الدول فقط، والدولة بمفهوم القانون الدولي والمعاهدة الدولية هي كاملة السيادة (شعب، إقليم، وسيادة)، فقد عرفها الفقهاء بأنها " التشخيص الحقوقي للأمة " وهذا الأمر يقودنا للحديث عن الأهلية القانونية لدولة فلسطين بصفة مراقب في الأمم المتحدة للإنضمام، فالإقليم يجب أن يكون محدد، وذو وحدة سياسية (أي خضوع جميع أراضي الدولة لسلطة معينة واحدة (السيادة) ففي فلسطين حصل الإنقسام المشؤوم عام 2006م وأصبح قطاع غزة خاضعاً لسيطرة حماس والضفة الغربية تخضع لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، وعلى الرغم من إعلان حكومة الوفاق الوطني عام 2014م إلا أن فلسطين لا زالت تعاني سياسياً وأمنياً وقانونياً وثقافياً وإقتصادياً من آثار وتداعيات الإنقسام)، ولا أهمية لمساحة الإقليم في القانون الدولي، فالدولة كاملة السيادة تعني وجود سلطة مركزية ومجموعة من الخدمات السياسية والعلمية والإدارية والثقافية والاقتصادية الموحدة وغيرها، عدا عن الفصل بين السلطات الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بالإضافة إلى عنصر السيادة للدولة (السلطة العامة) والذي يعني تقييد أعمال الدولة في حدود القانون وعدم تجاوزه، وهذا يعني الإستقلالية التامة دون أي تدخل أجنبي من دولة أخرى في شؤونها السيادية أو الداخلية، وهذا ما أشارت له مشرحات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية (فيما يتعلق بالإعلان الذي قدمته السلطة الوطنية الفلسطينية عام 2009م) بعدم صلاحيته في تحديد هل فلسطين دولة يحق لها الإنضمام إلى نظام روما أم لا، خاصة أن فلسطين حصلت على صفة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012م، فهل هذا يؤهلها كدولة بالمفهوم القانوني الدولي الحقيقي للإنضمام إلى نظام روما ؟!
فمن وجهة نظري المتواضعة أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة غير كاملة السيادة وتتعرض لتأثيرات خارجية في سلطتها بإتخاذ القرارات، بدليل أنها لم تتمكن من إتخاذ قرار بنقل سفارتها من تل أبيب إلى مدينة القدس خوفاً على علاقاتها مع دول عربية)، ومن هذا المفهوم للدولة كاملة السيادة، هل تعتبر دولة فلسطين كاملة السيادة ومؤهلة للإنضمام إلى نظام روما ؟!
وبالفرض الساقط بأنها ذات أهلية قانونية لتكون عضواً في نظام روما، يثور تساؤل هام، أين هو الإقليم الذي ستمارس عليه المحكمة الجنائية الدولية إختصاصها ؟!
فإسرائيل دولة وجود وليس دولة حدود فلا يوجد في دستورها غير المكتوب حدود لها، ودولة فلسطين أيضاً ليس لها حدود معترف بها دولياً، ففي ظل عدم إنضمام إسرائيل لميثاق روما يثور خلاف قانوني ذو طابع سياسي حول سريان صلاحية المحكمة المكاني على دولة فلسطين أو دولة إسرائيل، الأمر الذي يقود المدعي العام والدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية للتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإتخاذ قرار فيه، تماماً كما حصل في حالة الطلب الفلسطيني الذي قدم عام 2009م (وهذا له مخاوف في ظل موازين القوى والتأثير والتجاذب والتنافر السياسي الحالي كما ذكرت).
بالإضافة إلى أن هناك دول تطلب الإنضمام إلى نظام روما وتحتاج إلى سنين طويلة للإنضمام، فالأمر ليس بالبساطة التي يتخيلها الجميع؟!
وبالعودة إلى قرار مجلس الأمن رقم (122/2002) والذي إستبق بموجبه مجلس الأمن دخول نظام روما حيز النفاذ، فقد صدر هذا القرار بعد أحد عشر يوماً من نفاذ نظام روما في حق الدول الأطراف، وهذا يعني أن مجلس الأمن قد قبل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما) والنص الذي يخوله الإحالة بموجبه ( المادة 13).
إلا أن قرار مجلس الأمن المذكور له آثار قانونية هامة قد يكون لها تأثر على واقع إنضمام دولة فلسطين إلى نظام روما لجهة مصلحة دولة إسرائيل، ومنها:
1. أكد في ديباجته أن مجلس الأمن لاحظ أن الدول ليست جميعها أطرافاً في نظام روما.
2. إعتراف القرار بقبول الدول الأطراف في نظام روما بممارسة إختصاص المحكمة الجنائية الدولية على أقاليمها، مع مراعاة مبدأ التكامل.
3. إن مبدأ التكامل ينحصر على الدول الأطراف في نظام روما فقط.
4. أعلن مجلس الأمن صراحة أن الدول التي ليس أطرافاً في نظام روما ستواصل الإضطلاع بمسؤوليتها ضمن إختصاصاتها الوطنية فيما يتعلق بالجرائم الدولية، مؤكداً بذلك القاعدة القانونية وفق القانون الدولي وإتفاقية فينا لقانون المعاهدات التي تشير إلى أن الإتفاقيات الدولية لا تُلزم غير الدول الأطراف فيها.

وبإسقاط ذلك على الواقع الفلسطيني عند إنضمام دولة فلسطين لنظام روما، وخاصةً الفقرة (3) أعلاه، ونظراً لكون دولة إسرائيل ليست عضواً في نظام روما، بإمكانها التذرع بهذا القرار بأن قانونها الداخلي قد عاقب أشخاص أو قيادات إسرائيليين على جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم إبادة جماعية، إلتزاماً بقرار مجلس الأمن رقم (122/2002) الذي بموجبه وافق مجلس الأمن على صلاحية الإحالة الممنوحة له بموجب المادة (13) من نظام روما، خاصةً أن المواد (35) و(36) من إتفاقية فينا لقانون المعاهدات قد ألزمت الدول الأطراف بأحكام الاتفاقيات التي يوقعون عليها، على إعتبار أن مجلس الأمن هو من جردها مسؤولية الإلتزام بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية بموجب قراره المذكور، كونها ليست عضواً في نظام روما، والإعلان الضمني بأن مجلس الأمن ليس من صلاحياته أن يجبر دولة معينة على الإلتزام بأحكام معاهدة دولية (كنظام روما) رغماً عن إرادتها الحرّة، هذا بالإستناد أيضاً إلى أن المحكمة الجنائية الدولية مستقلة إدارياً ومالياً عن الأمم المتحدة وتتمتع بشخصية قانونية مستقلة عن الدول والمنظمات الأخرى.

 الخاتمة،،،
قلد عالجت المذكرة القانونية المحاذير الرئيسية والذرائع التي تمكنت من الوصول لها من خلال مجموعة من الدراسات والأبحاث والكتب والقرارات الدولية ذات العلاقة، حتى توصلت إلى مجموعة محاذير قانونية، وأخرى قانونية ذات طابع سياسي قد تمس أشخاص أو قيادات أو فصائل فلسطينية، وقد تمس مصالح وطنية عليا إذا ما إمتزجت بالسياسة، هذا في حال إنضمام دولة فلسطين إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي هذا الصدد، ومن وجهة نظري المتواضعة أعتقد بضرورة عرض هذه الورقة على مجموعة قانونيين وأكاديميين وسياسيين ذوي خلفية وخبرة عملية في موضوع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وخاصة المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما، والتي قد توصلنا إلى مجموعة محاذير أخرى تمكن القيادة الفلسطينية من الإسترشاد أو الإستئناس بها لإتخاذ قرار الإنضمام إلى نظام روما من عدمه.
وأشير هنا، أن هذه الورقة تتحدث عن محاذير قانونية (جوانب سلبية للإنضمام لنظام روما) ولم يتم التطرق إلى النتائج أو الإيجابيات أو بدائل الإنضمام لنظام روما التي يمكن إستغلالها والإستعانة بها لمحاكمة مجرمي دولة إسرائيل، فغالبيتها معروفة دولياً ووطنياً، الأمر الذي دفعني إلى تسليط الضوء على جانب واحد (المحاذير القانونية) والذي هو أهم من وجهة نظري الخاصة.

والله ولـي التوفـيـق
تحريراً في: 6/8/2014م
اعداد/
إيهاب جلال شحادة
مساعد قانوني/وحدة التعاون القضائي الدولي
وزارة العدل/رام الله
 المصادر والمراجع:
1. القانون الأساسي المعدل لعام 2003م.
2. النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما).
3. إتفاقية فينا لقانون المعاهدات.
4. د.صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة القانون الدولي العام، أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي، جامعة القاهرة.
5. ورقة موقف حول نطاق إختصاص المحكمة الجنائية الدولية على الوضع في فلسطين (آب/أغسطس 2013م) قدمتها مؤسسة الحق والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى مكتب المدعي العام.
6. المحكمة الجنائية الدولية والدول العربية، العواقب القانونية والدستورية والسياسية أمام مصادقة هذه الدول على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية/أحمد صبوح سليمان، بيروت 2011م.
7. الآليات القانونية المتاحة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين وفقاً لنظام روما / مساواة 2009م.
8. رسالة ماجستير، إجراءات القبض والتقديم أمام المحكمة الجنائية الدولية (دراسة تحليلية مقارنة)/ملاك تامر ميخائيل/إشراف د. فضل عبد الله طلافحة/الأكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك/ كلية السياسة والقانون/ الدراسات العليا 2013م.
9. رسالة ماجستير، مدى تفعيل منظمة الأمم المتحدة للمحكمة الجنائية الدولية (علاقة مجلس الأمن بالمحكمة الجنائية الدولية) أ.دالع الجوهر، إشراف: د.محمد ناصر أبو غزالة 2011/2012م.
10. تقرير مركز حماية حقوق الإنسان/ورشة عمل التداعيات القانونية والحقوقية لقبول فلسطين عضو مراقب في الأمم المتحدة/غزة.
11. القرار RC/Res.6 الصادر في 11 حزيران 2010م في مؤتمر المراجعة (الاستعراضي) لنظام روما، والذي إعتمد بموجبه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314/(د-29) المؤرخ في 14 كانون الأول 1974م بشأن تعريف جريمة العدوان.
12. قرار مجلس الأمن رقم (122/2002) بقبول صلاحيات مجلس الأمن المنصوص عليها في المادة (13) من نظام روما.
13. مشروحات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بشأن الإعلان المقدم من السلطة الوطنية الفلسطينية المقدم عام 2009م حول الجرائم المرتكبة من دولة إسرائيل في حق قطاع غزة عام 2008-2009م.
14. أحكام الدولة وجوانبها في القانون الدولي العام/فاروق يونس أبو الرب/هيئة التوجيه السياسي والوطني– دائرة الإعلام والتعبئة الفكرية- مجموعة مقالات في أحكام القانون الدولي العام/2000م.


القسم الثالث: ملخص المذكرة القانونية:

تتلخص أهم المحاذير القانونية من إنضمام فلسطين إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما) فيما هو آت:
1. تختص المحكمة الجنائية الدولية بالجرائم الواقعة بعد تاريخ توقيع الدولة المعنية وإنضمامها إلى نظام روما (المعاهدة)، إلا إذا قبلت الدولة المنضمّة سريان الصلاحية المكانية للمحكمة على أراضيها قبل تاريخ الانضمام، بمعنى قد يُساءل الجميع على المستوي الوطني بما فيها الفصائل الفلسطينية عن كافة الأعمال المرتكبة بعد عام 2002م فقط، في عام 2002م دخل ميثاق روما حيز النفاذ بإنضمام (60) دولة له، وما قبل ذلك غير مختصة.
2. جريمة العدوان، لا تنظر فيها المحكمة إلا بعد عام 2017م نظراً لعدم وجود تعريف قانوني لها في نظام روما، ولأن مؤتمر المراجعة لنظام روما الذي عقد عام 2010م روما قد أقر بذلك وعرفها.
3. تسقط جميع الحصانات الممنوحة لرئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء والدبلوماسيين وكافة المسئولين بمجرد التصديق على ميثاق روما (مبدأ عدم الاعتداد بالصفة الشخصية).
4. تلتزم الدولة المنضمّة بتسهيل مهمة عمل المحكمة الجنائية الدولية على إقليمها (إنتهاك لمبدأ السيادة للدول)، بمعنى في حال صدرت مذكرة توقيف من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بحق أي شخص، تلتزم هذه الدولة بتسليمه فوراً دون أي تأخير.
5. يمارس الإختصاص الشخصي للمحكمة على كافة الأشخاص تبعاً لجنسية المتهم وليس جنسية الضحية.
6. إذا رفضت الدولة مساعدة المحكمة وتسليم شخص صدر بحقه مذكرة توقيف من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، حينها يحق لها التوجه إلى مجلس الأمن لإصدار قرار ملزم للدولة الرافضة.
7. لا تسقط الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) وما بعدها من ميثاق روما بالتقادم .
8. نص ميثاق روما على المسؤولية الشخصية، ولم يتوقف عند ذلك بل شمل كل شخص يقوم بأعمال الإغراء والتحريض، سواءً بوسائل الإعلام أو بخطابات أو منشورات وغيرها.
9. في العادة لا تأخذ المحكمة الجنائية الدولية بمبدأ التكامل المنصوص عليه في ميثاق روما، بداعي أنه من الممكن أن تقوم الدولة بمحاكمة شخص صورياً لغايات عدم تنفيذ قرارات المحكمة أو تهربه من العقاب.
10. إن ميثاق روما يتعارض كلياً مع القانون الأساسي الفلسطيني (الدستور) وخاصة المادة (53) و(4) و(28).
11. نظام روما يتعارض مع أبسط مبادئ الشريعة الإسلامية على إعتبار أن الدين الإسلامي هو الدين الأساسي في فلسطين (المادة (4) من القانون الأساسي) فمبادئ الشريعة الإسلامية تُحرِّم محاكمة المسلم من غير مسلم (علماً أن القوانين الفلسطينية النافذة لا تمنع من ذلك).
12. هل دولة فلسطين مؤهلة قانونياً ووفقاً لأحكام القانون الدولي لتكون عضواً في نظام روما ؟! ولهذه الغاية هل الدولة كاملة السيادة كناقصة السيادة؟! وهل تنطبق شروط وخصائص الدولة المعترف بها دولياً على فلسطين بعد الحصول على دولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012م؟! وهذا يعني ضرورة مرتجعة قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بخصوص الإعلان المقدم من السلطة الوطنية الفلسطينية عام 2009م، وربط ذلك بقرار مجلس الأمن رقم (122/202).
 



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورمتابعةخطابأبومازنفيالاممالمتحدةبالميادينالعامةفيفلسطين
صورمخيمالشاطئللاجئينفيمدينةغزة
صورسامريونيصلونداخلكنيسعلىقمةجبلجرزيمفينابلسفيليلةرأسالسنةالعبرية3656حسبالتقويمالسامري
صورافتتاحمعرضالجوافةالقلقيليةفيالبيرة

الأكثر قراءة