2017-09-20الأربعاء
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.505
دينار اردني4.951
يورو4.214
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.935
درهم اماراتي0.954
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2014-12-29 05:17:41

مشروع النهضة.. بين النظرية والتنظير

بسم الله الرحمن الرحيم

 لربما أوقعت مقولة: «لعن الله سائس ومسوس ويسوس» إشكالات والتباسات في شرعية العمل السياسي ومشروعيته لفترة هامة في أوساط الإسلاميين تحديداً، وإن كان سياق تلك المقولة المأثورة عن الشيخ محمد عبده (رحمه الله) جاء في إطار الانكار لحالة التقصير لساسة عصره عن واجبهم الوطني، وما تلطخوا به من فساد وإفساد ممنهج باسم السياسة.   

فكان أن أقصى التيار الإسلامي نفسه عن الاسهام السياسي الجاد في فترة هامة والمنطقة بحالة سيولة سياسية، ولا سيما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وإعلان انهاء الخلافة العثمانية، فتشكل المشهد الوطني العام في ظل هذا الغياب بدوافعه الذاتية أو الخارجية

وبذلك ساءت الحالة السياسية حتى وصل الأمر إلى ظهور العديد من المؤلفات التي دعت إلى إقصاء السياسة عن الدين، وكان أبرز تلك المؤلفات كتاب الإسلام وأصول الحكم، الذي نشره شيخ أزهري يتولى منصب القضاء الشرعي: علي عبد الرازق، عام 1925م، يزعم فيه أن الإسلام دين لا دولة..!  

وقد أحدث ذلك جدلاً عميقاً وتحولاً خطيراً مما استجلب الكثير من ردود العلماء والغيورين وكان منهم العلامة بن عاشور (رحمه الله) رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة الذي قال: «إن الملك العادل الحق لا يتنافى مع الرسالة بل هو تنفيذ لها، وإن من الأنبياء من اجتمع لهم الملك والنبوة مثل داوود عليه السلام». 

وإزاء تلك الحالة كان لا بد من نهضة فكرية ترمم ما أحدثه هذا الفكر المشوه من خراب في جدار الفكر السياسي الإسلامي؛ فما حدث هو أخطر من احتلال الأرض، ونهب الثروات؛ لأنه تغييب لإرادة الفعل السياسي البناء.. إلى أن جاء الإمام حسن البنا (رحمه الله) كإمام من أئمة المدرسة السلفية المنفتحة على روح العصر بفكره المستنير ورؤيته الثاقبة ليصحح المسار ويسرع المسير ويحارب سياسة التجهيل والعطالة والارتجال

فقدَّم فهماً للإسلام فيه الشمول والتكامل والتوازن والربانية فكان للسياسة فيه أوسع الأبواب؛ لأن الإمامة العظمى في جوهرها: «سياسة الدنيا، وحراسة الدين»؛ فلهذا كان حقاً أن يُعاد الاعتبار لوجوب العمل السياسي  في الدين.. وهكذا أخذت تلك الرؤية الحية السوية المبصرة للواقع في الاتساع  والتأثير حتى نشطت في أوساط عديدة، رغم مجابهة قوى التخلف والانحطاط لها

فحققت تقدماً متدرجاً كعادة الأفكار والمبادئ - لا تأتي دفعة واحدة - فانتقلت من مرحلة إلى أخرى، فمن النكران والهجران إلى القبول تحت الضرورة والاضطرار إلى أن استقرت إلى حكمها الأصيل وهو الوجوب لما يترتب عليه من واجب الحاكمية لله أو تحكيم شرع الله، والمعلوم بالضرورة أن الإسلام نظاماً عملياً وروحياً معاً فهو دين ودولة، ومصحف وسيف، حكم وقضاء سواء بسواء.  

وقد سارت جهود الإمام البنا الطيبة طوال تلك الفترة بمسارين متوازيين، هما: التنظير لتأكيد أهمية العمل السياسي ووجوبه، والثاني الموازي: إرساء قواعد راسخة لبناء نظرية سياسية واضحة تستند إلى قواعد الإسلام الثابتة، حيث أرسى القواعد الأساسية لنظام الحكم (الدولة) في الإسلام القائمة على ثلاث مرتكزات، وهي: مبدأ مسئولية الحاكم، ومبدأ وحدة الأمة، ومبدأ احترام رأي الأمة. وقدَّم أيضا رؤية واضحة لآليات الانتخابات السليمة.  

واجتهد لإزالة التناقض الموهوم بين دوائر الانتماء الثلاثة: الوطن (الوطنية) والقوم (القومية) والإسلام (الإسلامية) حتى تجاوز بما قدمه في ذلك حالة الخلط والتضارب بينها.   

وفي الوقت ذاته أعد الجهاز الخاص لقاتل الانجليز في القناة، وإرسال المقاتلين من الإخوان إلى فلسطين فقدموا أروع الأمثلة من البطولة والفداء في معارك 1948م

وغير ذلك الكثير مما أرساه بالفكر والممارسة في إطار ترسيخه لقواعد النظرية السياسية التي عمل جاهداً لتكون واقعاً عملياً، غير أن رصاصات الغدر قد حالت دون اكمال ذلك المسير المبارك

ولكنَّ المؤسف أن انتكاسة أصابت مسار ترسيخ النظرية في مشروعه الفكري؛ فتعطل لأكثر من خمسة عقود، وبقي التنظير في مساره منفرداً

لذلك استمر الجدل حول جواز المشاركة في البرلمانات للأنظمة ذات الدساتير الوضعية طوال تلك الفترة، مع أن الإمام البنا بعقليته النقدية البنَّاءة المنفتحة على كل جديد قد تجاوز تلك المراوحة من خلال مشاركته الفعلية للعملية السياسية بخوضه الانتخابات البرلمانية عن دائرة الإسماعيلية في عام 1942م

وكان نتيجة ذلك تأخر إدراك الضرورة الوطنية للمشاركة السياسية، بل والشراكة مع كل المكون الوطني العام في إدارة شئون البلاد

وكذلك تأخر البناء على القواعد التي أرسها الإمام البنا في إطار بناء نظرية سياسية متكاملة تضبط مسار العمل السياسي، تتطور وترتقي في ضوء الفهم السليم للنص الثابت، والفهم الدقيق للواقع، بحيث تكون صالحة وفاعلة لقيادة مشروع النهضة في كل الظروف والأحوال وفي كل مراحله كذلك دون تعلل أو تبرير.  

ولذلك فإن التقهقر الذي نجده اليوم في أكثر من ساحة وصل إليها مشروع النهضة كان نتيجة طبيعية؛ لعدم امتلاك آليات محددة في إطار النظرية السياسية المحكمة، وإن كان إدراك حقيقة ذلك الغياب لم يتضح إلا بعد تصدر مواقع صنع القرار وإدارة الشأن العام؛ ليجد المشروع نفسه محاصراً بحالة من الارباك والتردد التي أعطت انطباعاً بالعجز والفشل

لما في الواقع من التباسات وتباينات في المواقف، وتعقيدات تفرضها ضرورة الواقع نفسه، وكذلك التضارب والتعارض في المصالح بين الداخل والخارج بين القطر والاقليم وبين الاقليم والدولي.. وغير ذلك الكثير من التزامات العمل السياسي

ولكي يواصل المشروع النهضة المسير بقوة واقتدار، يتوجب على قيادته الفكرية أن تعيد النظر من جديد في كل الممارسات والمسلكيات التي سلكها خلال فترة الاختبار القصيرة، ولكنها هامة وجديرة فعلاً بالقراءة العميقة؛ وذلك لتطوير النظرية السياسية المستندة إلى أصول حكم ثابتة تراعي الجدية والأصالة، وإن ذلك كائن بحول الله وقوته.   

مع ضرورة الابتعاد كلياً عن التجييش العاطفي الانفعالي، والإغراق في دائرة التَّلاوم أو جلد الذات أو الهروب نحو المكابرة والمعاندة بغير الحق، فإن نتيجة الواقع جراء تولي مشروع النهضة للحكم أو المشاركة فيه لا يجب بحال أن تُبرر بالمؤامرة؛ فهذا تبرير الضعفاء، والمصلحون دوماً يتحلون بالقوة والشجاعة والجرأة بل والمبادأة والمبادرة في كل الساحات

وعليه؛ فإن مواجهة الحقيقة كما هي من غير تهوين ولا تهويل ضرورة فكرية قبل أن تكون سياسية؛ لصناعة الحياة الكريمة وإن تطلب ذلك الموت بشرف في ميادين العطاء، تحت شعار.. لنعيش سعداء أو نموت شهداء!  

الكاتب: أ. عبد الله العقاد 

فلسطين- غزة  



مواضيع ذات صلة