المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.509
دينار اردني4.96
يورو4.081
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.936
درهم اماراتي0.956
الصفحة الرئيسية »
2015-01-06 07:57:51

مسئولية العمل السياسي توجب التقويم المستمر

استقر الفهم العام في عقلية التيار الإسلامي بكل مدارسه على تقدير أهمية العمل السياسي في

توجيه المؤسسة العامة (الدولة) نحو القيم الفاضلة: العدل والكرامة والحق والحرية والشورى

(...)، وغيرها من القيم التي حرص الإسلام على إقامتها في حياة الناس لتكون واقعًا معيشًا،

وهي تعني الإصلاح والاستصلاح؛ وذلك لا يتم ولا يكتمل إلا بإزالة أو دفع نقيضه أو ما يضاده،

ومن هنا يتبين أن السياسة الكاملة لا تتحقق إلا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد

ودرئها وتعطيلها

.

فقد عدَّ لهذا الإمام البَنّا العمل السياسي من الركائز الأساسية لدعوته؛ لأن السياسة بمفهومها

العام عنده هي النظر في شئون الأمة الداخلية والخارجية، ولها جانبان: الجانب الداخلي، ويعني:

تنظيم أمر "الحكومة"، وبيان مهماتها، وتفصيل حقوقها وواجباتها، ومراقبة الحاكمين والإشراف

عليهم، ليطاعوا إذا أحسنوا، وينقدوا إذا أساءوا

.

أما الجانب الخارجي فقد عني بالمحافظة على استقلال الأمة وحريتها، والسير بها إلى الأهداف

المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم، ومنزلتها الكريمة لدى الشعوب والدول، وتخليصها من

استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدًا يفصل حقوقها

جميعًا، ويوجه الدول كلها إلى السلام العالمي العام، وهو ما يسمونه "القانون الدولي

".

فإنَّ للعمل السياسي مهمتين أساسيتين كما ذكر العلامة يوسف القرضاوي، الأولى: احتشاد

الطاقـات النفسية والعملية للأمة، وتفجير مكوناتها المذخـورة؛ لتحقيق تلك الأهداف العظيمة، بالإيمان برسالة سامية، رسالة ربانية أخلاقية إنسانية عالمية، قدمت من قبل للبشرية حضارة ربطت الأرض بالسماء، ووصلت المخلوق بالخالق، ومزجت المادة بالروح، وجمعت بين الدين والدنيا. والمهمة الثانية: وجود كتلة إسلامية ضخمة، تمتد من المحيط إلى المحيط، تعمل بالإسلام، وتعمل للإسلام، وتجاهد في سبيل الإسلام، تعبر عن ذاتها، وتعيش لخير غيرها، وترضى بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالقرآن منهاجًا. وبذلك أصبح وجوب العمل السياسي لما يتوقف عليه تحقيق واجب الحاكمية لله رب العالمين طرحًا أصيلًا لدى كل التيار الإسلامي في كل الساحات، بل فرض عين على كل مسلم، ما دام حكم الإسلام غير قائم، كما ذكر سعيد حوى. ولكن بماذا يؤدى واجب العمل السياسي؟، وكيف يؤدى هذا الواجب؟، ولماذا يؤدى الواجب؟، إن الإجابة الواعية عن تلك التساؤلات، بمنتهى الموضوعية والعقلانية الوازنة التي تقدر الأمور جيدًا من قراءة عالم الشهادة، وتبتعد عن التجديف في عالم الغيب من غير علم ولا برهان ولا كتاب منير: بمزيد من الحراك والطرح المستنير في مسرح العمل السياسي تتطور نظرية سياسية محكمة وضابطة للعمل السياسي. وإلى حين ذلك نبقى في حالة من التقدم والتقهقر، والتكامل والتآكل؛ لأنه يعوزنا البوصلة ومهارة الملاحة، ولن يكون ذلك ما لم تكن إجابة حكيمة عن تساؤلات تحقيق واجب العمل السياسي (ماذا..؟، ولماذا..؟، وكيف..؟) بكل مستلزماتها، مع الأخذ في الحسبان خصوصيات الزمان والمكان. فإن الإجابة بموضوعية جديرة أن تصوغ نظرية إستراتيجية في العمل السياسي الإسلامي متعددة المراحل معلومة الأهداف ومتنوعة الإجراءات الموصلة إلى الأهداف والمحققة لها.

ولعل من تجليات القدر أن تخفق الحركة الإسلامية في مواطن وتنجح في أُخر، وفي ذلك دلالة واضحة أن العمل السياسي يجري وفق قانون اجتماعي باطراد مستمر، وسنة كونية ماضية ليس لها تبديل ولا تحويل، لذا إن الفشل هو إخفاق في استجماع كل الأسباب الواجب توافرها لتحقيق النجاح والفوز والمراد. ولهذا يجب عدم ترك أي من الأسباب والعوامل والشروط الواجب توافرها بحال في تحقيق المراد، وإلا فإن غزوتي أُحد وحنين ليستا عنا ببعيد، وقد أصبحتا قرآنًا يتلى إلى يوم الدين. فإذا كانت الحركة الإسلامية تصدرت المشهد السياسي العام في دول ثورات الربيع العربي، أو صُدِّرت له بفعل الرصيد الجماهيري الكبير، فإنه بعد هذا الحال الذي وصلت إليه أقطار الربيع العربي يجب مراجعة عامة وتقويم شامل. وليكن أول ما تراجعه البرامج الانتخابية التي تقدمت بها لدى الجمهور المتعطش إلى الحرية والعيش بكرامة وعدالة اجتماعية؛ فنالت بها الثقة وتقدمت نحو مؤسسات السيادية لصناعة القرار، أو قَدَّمت من وجدت فيه الأهلية من غير إطارها الحركي أو الفكري. وذلك نظرًا إلى أن البرامج التي تقدمها الأحزاب جميعًا لنيل الثقة والشرعية من الشعب هي برامج اجتماعية سياسية اقتصادية، وليس فيها أيدولوجيات فكرية؛ لأن ذلك يحسمه الدستور الرسمي للبلاد الذي يقرر الهوية الثقافية والحضارية للدولة. والسؤال المحوري: هل كانت تلك البرامج حقًّا بمنزلة عقد اجتماعي وعهود ومواثيق يجب الوفاء بكل ما ورد فيها بين المرشحين (الحركة) وجمهور الناخبين؟، أم هي ليست أكثر من شعارات فارغة من المضمون ليس لها من مقصد غير جذب الناخبين؟

ولكن قبل الجواب بالنفي أو الإثبات إنه يجب الوضع في الحسبان جملة من الأمور، وهي: إن لم تكن تلك البرامج التي طرحت بين يدي الناخبين قد بنيت على أسس علمية مهنية واقعية ووفق دراسات محكمة، وأوجدت لها بيئة حاضنة، وأعدت أيدٍ مدربة كفؤ لتنفيذها بدقة واقتدار، وأوجدت لها إمكانات واجدة لتحقيقها، وتسيرها عقول واعية، بحيث تكون عبارة عن خطة جامعة بين الأيدي والإبصار، إن لم يكن ذلك قائمًا ولا حاضرًا، ولا يوجد ضامن لتحقيق الموعود به؛ كانت تلك البرامج المعروضة غَرورة وخادعة، وعندئذ يستوي السابقون باللاحقين حالًا، إلا في اللسان والشكل اللذين ليس لهما أي اعتبار في ميزان الله. وبين يدي هذا المقال أعرج على المعركة الانتخابية في الجمهورية التونسية بشقيها النيابي والرئاسي بعد أن وضعت أوزارها، إذ تقدم في مضمار التنافس قوى صُنفت أنها امتداد لنظام ما قبل الثورة، وحلت حركة النهضة في المرتبة الثانية، بعد أن تصدرت في نتائج انتخابات المجلس التأسيس المرتبة الأولى قبل ثلاث سنوات. ولكن ليس خافيًا أن تجربة حركة النهضة السياسية فيها الكثير من الدروس والعبر؛ لما قدمته من "براغماتية" عالية في مسايرة الوقائع ومجاراة الأحداث، كيف لا وقد تقدمها حكيم الحركة الإسلامية الشيخ راشد الغنوشي ونائبه الفيلسوف عبد الفتاح مورو؟!، فإننا ننتظر لهذا تقديم طرحٍ سياسي أكثر عملية (براغماتية) في إطار نظرية إسلامية متكاملة. نعم، خطوات إلى الوراء، ولكن النظر دومًا إلى الأمام؛ لإعادة تقويم البناء وتصويب المسار بصياغة أدوات سياسية أكثر مواءمة للواقع وملاءمة له، كل ذلك في إطار نظرية تستند إلى أرضية فكرية حضارية. وليكن في تجربة شباب حزب العدالة والتنمية (غول، وأردوغان، وأوغلو) الأنموذج الأمثل، وإلا عدنا من جديد أسرى لنظرية وهمية وسمت بنظرية المؤامرة تلاحقنا بعد كل فشل وإخفاق.

 



مواضيع ذات صلة