المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.622
دينار اردني5.116
يورو4.25
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.966
درهم اماراتي0.986
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-03-04 22:25:01

من الأعمال الروائية الكبرى التي تناولت القضية الفلسطينية

 رواية (مجانين بيت لحم) للكاتب أسامة العيسة، التي أُدرجت على القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد، رواية فريدة، يمكن تصنيفها مع الأعمال الروائية الكبرى التي تناولت القضية الفلسطينية. إذ تغطي حقبة مديدة من تاريخ فلسطين الحديث، فترسم وقائع الحياة في مدينة بيت لحم ومخيمها ومشفاها الشهير.

وتبدأ هكذا:" يقول الفلسطينيون" .

ثم تذهب إلى ما يقولونه عن دهيشة المجانين. فالدهيشة هي الحيز الذي تدور حوله الرواية. وهي مقر مستشفى المجانين الشهير ببيت لحم.

مدخلان مهمان. أولا: ما يقوله الفلسطينيون. وفقط ما يقوله الفلسطينيون. فالرواية ترفض أو تتبرم من كل عبور أجنبي على هذه الأرض منذ لحظة مجيء إبراهيم باشا عام 1833، مرورا بالعثمانيين والإنجليز وأخيرا اليهود.

ولكن كيف تتسع الرواية لكل ذلك؟ يظهر ذلك في المدخل الثاني: الدهيشة. المكان ومربط الحكاية. أنت ستعرف من مقدمة الكتاب أن الحديث يدور حول الدهيشة ومجانين بيت لحم. ولذلك ستحب أن تعرف أكثر عن هذا المكان. فقد طالما أثار الجنون فضول الإنسان. ولتعرف عليك أن تصبر. وأعتقد أن أي قارئ جاد سيطيق مع أسامة العيسة صبرا.

يبدو السارد هنا شخصا حكيما حكمة خرافية فهو يعرف كل شيء ولا يعرف أي شيء. وهو يسأل كأنه لا يعرف ويجيب كأنه لا يسأل. ويحكي كأنه لا يجهل أي شذرة من تاريخ هذه البلاد. ويصمت كأنه لا يعرف كيف تجري الأمور. ويريد المؤلف أن يفرق بين دهيشة المجانين ودهيشة اللاجئين. يجهد ليفعل ذلك. ويحكي قصصا عن سكان دهيشة اللاجئين. لكن القصص دائما ما ترتد إلى الجنون. يجن اللاجئون. فتاريخ المنطقة يبعث على الجنون. وأرض السلام تعيش بلا سلام.

والجنون هنا ليس جنونا نفسيا يتتبعه الروائي تتبع فرويد لمسارب النفس البشرية وانحرافاتها عبر الظواهر العصابية والذكريات المتحوصلة كالشوك في اللاوعي. الروائي يتتبع ظواهر الجنون. وفي كل قصة عن جنون أو نصف جنون يضيء جانبا من جوانب هذه الظاهرة البشرية ولكنه لا يستغرق في التحليل، حتى كأنه لا يرى في الجنون مرضا. بل استجابة طبيعية لتاريخ هذه المنطقة.

والرواية مصوغة على شكل خطاب إلى عجيل المقدسي عميد مجانين فلسطين على مّر الأزمنة ومُرّها كما يقول السارد. ولكنها فنيا تنتحل أساليب عديدة منها أسلوب البحث التاريخي، لتروي قصصا، وتوهم القارئ بحقيقيتها الكاملة.

ولكي يزيد المؤلف في التفريق بين دهيشة المجانين ودهيشة اللاجئين يجب ان نتذكر الامبراطور الالماني غليوم. الذي زار فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، وحالف العثمانيين، وبنى ميتم السريان الذي تحول إلى مشفى للمجانين عبر تحولات تاريخية وسياسية تنقل خلالها المبنى من الألمان قبل الحرب العالمية الأولى، للإنجليز بعد الحرب، للإدارة الأردنية بعد حرب الثمانية وأربعين، لليهود بعد حرب السابعة والستين، للسلطة بعد أوسلو، يسردها أسامة العيسة عبر فصول ممتعة تحكي حكاية فلسطين الطويلة في قرنين مضطربين من الزمان.

وهنا ينتهي السفر الأول: سفر التكوين. مع نهاية هذا السفر ستكون قد قرأت تاريخا طويلا وحكايات عجيبة عن فلسطين وأهلها. تمهيدا للرواية التي ستبدأ حسب المؤلف مع سفر من لا أسفار لهم.

حيث تبدأ حكاية عشرات الشخصيات التي تربطها بالسارد قرابة أو صداقة أو توصية عابرة أو جيرة أو فضول، تملأ صفحات الرواية في جزئها الثاني غير أن جميع تلك الشخصيات لفحتها لوثة من الجنون.

وهنا لا يهم من هو السارد: بدل جزء من كل، أم كل من كل للروائي؟

 فأن تروى هذه الرواية بضمير المتكلم ضرورة لا مناص منها، فالرواية لا تستطيع أن تعبر إلا عن ذوي الإرادة كي تحافظ على نوعها. لا يمكن ان تكتب رواية عن شخص فاقد لقدرته على الاختيار، فعندئذ يغيب الصراع وتغيب التحولات وتصبح الرواية تكراراً لمعنى بعينه تماما كما هو العصاب دوران في حلقة مغلقة.

الأمر الذي تجاوزه أسامة العيسة بأن أدار الأحداث في وعي سارد متميز تاريخيا وأدبيا وسياسيا لكنه واحد من أبناء مخيم الدهيشة وفلسطين. ومن الممكن المرور على الشخصيات واحدة واحدة والبحث فيما يربط بينها كما يمكن أن نستل ملاحظات الروائي المتناثرة بين الفصول لنستخلص منها ملامح تجربته مع هذه الرواية وسأضرب مثالا سريعا عما يمكن ان نحصل عليه.

ففي حكاية غازي جميل وهو مجنون أخرس يتتبعه السارد ويلتقيه صدفة في مصف سرافيس الداخلية في وسط البلد بعمان ويمسكه من ثيابه ويذكره بجيرتهم في الدهيشة، وأخيرا يحصل منه على جملتين تؤكدان أنه يعرفه ثم يعود المجنون إلى صمته إلى الحد الذي يدفع السارد إلى الشك بانه سمع صوت غازي جميل حقيقة ولعل هذا الشك راود أسامة العيسة كثيرا وهو يكتب، فهل رأى وسمع حقا كل ما كتب أم أنه يخيل إليه من سحر الإلهام أنه قابل كل تلك الشخصيات؟ وهل نقل عنها حقا ما أرادت ان ينقل أم أنه نسي فقصر قليلا أو كثيرا؟ وهي تساؤلات ممضة، لعله بوعي أو بغير وعي، صاغ لها حكاية رمزية تبوح بها.

قراءة مثل هذه الرواية تثير في النفس خاطرا وهو أن القراءة في الأدب الروائي الأجنبي أقل وطأة منها في العربي والفلسطيني خاصة. ستتعاطف مع الشخصيات الأجنبية. ستتعلم التحليل النفسي أو تتشرب الحكمة. ستستمتع وأنت تقرأ أعمق المآسي الأجنبية لكن عند القراءة في "مجانين بيت لحم" سيختلف الأمر. فانت أمام عمل آسر من الناحية الفنية لكنه مستل من واقعك. الناس بين دفتي الرواية ناسك. الرواية تقول لك : "تفضل شوف" وتتابع: "تفضل افهم". ثم تبقى الجملة الأخيرة معلقة : "شفت وفهمت؟ تفضل اعمل! انقذ أحدهم من الجنون. بأسبابه العديدة المطروقة في الرواية سياسية واجتماعية وعائلية".

الأمر الذي يذكر بما كتبه طه حسين إثر قراءته لرواية محفوظ زقاق المدق من أنها مكتوبة بجهد الباحث الاجتماعي الذي يقدم تقريرا للمصلح الاجتماعي حتى يتحرك!

بقلم: نديم عبد الهادي



مواضيع ذات صلة