2017-09-19الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.507
دينار اردني4.957
يورو4.211
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.935
درهم اماراتي0.955
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-03-11 03:59:46

الفلسطيني الإرهابي والغرب الكافر

حصل خلاف مع صديقة وزميلة جامعية ألمانية قبل عام حول قضية سياسية "غير عادية". كانت الزميلة تُعِدُّ ورقة بحثية حول "المسألة الفلسطينية". وكان محورَ الورقة سؤالٌ عما إذا كان تهجيرُ الفلسطينيين من أرضهم عملًا مخططًا، أم أنه من تداعيات حربهم مع "اليهود في فلسطين والقادمين منهم إليها" (وفق تعبيرها) أو "الحركة الصهيونية" (بحسب تعبيري).
ونظرًا لطبيعة البحث الأكاديمية، كان لزامًا علينا التقيّد بمناهج "علمية" في النقاش، تقوم أساسًا على البيّنات والبراهين. وكانت الزميلةُ أميَل إلى تصديق فرضية أن التهجير حصل بفعل الحرب، وأنه لم يكُن نتاج تصوّرات معدّة سلفًا، برغم محاججتي القائمة على ما تيسّر من أقوال موثّقة، تُفيد بنِيّة قادة "الحركة الصهيونية" إفراغ الأرض من أهلها وإحلال سكّان مكانهم.
على أن توافر النية لم يكُن، وفق المعيار المتشدّد للزميلة، دليلًا دامغًا على وجود تخطيط، والوثائق المتاحة لم تكُن بنظرها كافية لتأكيد فرضية التهجير المُعدّ بشكل مسبق. فما كان منّي إلا أن قاربت الموضوع بصورة مختلفة، معتبرًا أن الأدلة القاطعة على "المحرقة النازية" مثلًا، ما كان ليُكشف عنها كاملة لولا هزيمة النازيين واعتراف قادتهم بها ونشر ملفاتهم السرية. لكن، برغم ذلك، فقد كان سلوكهم وخطابهم وأدبياتهم السابقة للكشف عن أدلّة دامغة، تفيد بوجود "نيّة متعمّدة" للتطهير العرقي، تمامًا كما هو الحال في القضية الفلسطينية محور النقاش.
وقد أُقفل الجدل يومها بعدما استغربَت الزميلة مقارنة الصهيونية بالنازية، وبعد اعتباري أن القيود التي يفرضها استغرابُها على النقاش، ذات منبت "تربوي - ثقافي" أملته "عقدة الهولوكوست" في ألمانيا، وأني غير مضطر، لدواعٍ "علمية" أيضًا، للالتزام بحدود مصطنعة للحوار. ثم انتهى الأمر بأن تفهّمتُ حساسيتها من المسألة (إثارة الهولوكوست)، فيما سلّمت هي، في المقابل، بأن محاججتها مكبّلة بقيود "ثقافية" قد تحتاج إعادة نظر.
تذكرتُ هذه الحادثة وأنا أقرأ خبرًا عن فرضٍ منزليٍّ كُلّف به تلامذة لا تتجاوز أعمارهم 11 عامًا في مدرسة "نورث لاناركشاير" باسكتلندا. يُفيد الخبر الذي تناقلته وسائل إعلام بريطانية قبل أيام بأن شرحًا مكتوبًا قُدِّم للتلامذة حول الإرهاب، ينص حرفيًّا على أن "الفلسطينيين يشعرون بأن لهم حقًّا باستخدام الإرهاب ضد الإسرائيليين"، فـ "الفلسطينيون الذين يعيشون في إسرائيل يعتقدون أنها أرضهم"، و "الحروب بين إسرائيل والفلسطينيين لطالما انتهت بهزيمة الأخِيرِين، وهو ما دفعهم للجوء إلى وسائل إرهابية على مدى أكثر من 30 عامًا". ثم يطلب الكرّاس من التلامذة الإجابة على جملة من الأسئلة، من بينها "شرحُ مثالَين عن أعمال إرهابية يقوم بها فلسطينيون".
وقد أثار الموضوع استنكارًا تُرجم بحملة على وسائط التواصل الاجتماعي، والأهم من ذلك، برسائل احتجاج للمجلس المحلي في منطقة "نورث لاناركشاير" المحاذية لمدينة غلاسكو، كبرى مدن اسكتلندا، خصوصًا أن الكرّاس كان صادرًا عن المجلس، أي عن سلطة محلية، لا عن إدارة المدرسة أو أحد أساتذتها. وانتهى الأمر بتقديم المجلس اعتذارًا، وبسحبه المادة المذكورة من التعليم.
ليس في اسكتلندا عقدة من المسألة اليهودية كما هو الحال في ألمانيا، بل على العكس من ذلك، فللبلاد علاقة قديمة بالقضية الفلسطينية، حيث شهدت واحدة من مدنها رفع أول علم فلسطيني على مبنى رسمي في أوروبا (بلدية دندي بعد توأمة المدينة بنابلس) في العام 1980، أي حين كانت "منظمة التحرير الفلسطينية"، في قاموس معظم الغرب الرسمي، موصومة بالإرهاب.
على أن الحادثة، كما النقاش المذكور (وهما مثالان بسيطان بطبيعة الحال)، يفيدان في الإضاءة على مسألة مهمّة تتصل بدور مناهج التربية والتعليم في صوغ الفهم، بل وحتى في تحديد قواعد الجدل.
والمسألة تلك، إذا ما قُرئت من زاوية عربية وإسلامية، تُبرز وجهًا آخر للمعزوفة إياها، حيث يُشيطن غير المُسلم (أو المسلم "المختلف")، في أدبياتٍ تنخر المناهج التربوية في عديدٍ من الدول والمؤسسات الإسلامية، تحديدًا في بعض دول الخليج والجمعيات الدينية المرتبطة بها حول العالم، فيصبح "الكافر" وفقًا لها، في أحسن الأحوال، في مأمنٍ بانتظار أن تدق ساعة "الفتح المبين".
هكذا، تُعبّد الطريق أمام إعطاء "الكُفّار" صفتهم تلك وما يستتبعها من أحكامٍ قيَميّة ومبررات إلحاق دوني (كأهل ذمّة في ديار الإسلام)، عبر مناهج تربوية تستولد من رحمها، في الحالات القصوى، انتحاريين "في سبيل الجنة" (علمًا أن "التكفير" حرية تعبير لو لم يقترن بمسوّغات عنف أو تمييز، تمامًا كوصف "الإرهاب").
وفق أسس تربوية مشابهة أيضًا، تحلُّ مفردة "يهودي" بدلًا من "صهيوني" لدى تناول القضية الفلسطينية في خطاب كثير من العرب والمسلمين، مثلما تحلّ المفردة في خطاب ألمان لأسباب مختلفة تمامًا.
ففي الحالة الألمانية، يتّصل استبدال المصطلح بشعور جمعي ألماني عميق بالذنب، وبالرغبة في تثبيت صورة الضحية للجماعة المذكورة (على اعتبار أن اليهود، بصفتهم كذلك، هم ضحايا "الهولوكوست").
بينما في الحالة العربية والإسلامية، يُماهى بين التعبيرَين (اليهودية والصهيونية) استنادًا إلى نصوصٍ دينية مفصولة عن سياقاتها التاريخية، فيصبّ ذلك في مصلحة دعاية إسرائيل، وتأكيد حقها بحماية اليهود من "محرقة" جديدة، ويتكامل هذا في مفاعيله مع وصم الفلسطيني (كما في مثال مدرسة "نورث لاناركشاير") بالإرهاب.
ووفق مناهج دراسية مشابهة في ديارنا أيضًا، فإن الغرب "الكافر" لا يقفُ سوى على مرمى حجرٍ من "دولة إسلامية"، ما لبث بنيانها أن قام من صفحات كتب التراث، فأخذت شكلها الراهن في العراق والشام، وهدد مقاتلوها في آخر مآثرهم من ليبيا... بفتح روما عبر المتوسط.

بقلم/ربيع بركات
rabie.barakat@assafir.com



مواضيع ذات صلة