2017-05-29الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.57
دينار اردني5.036
يورو3.995
جنيه مصري0.198
ريال سعودي0.952
درهم اماراتي0.972
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-03-24 05:21:48

المجتمع المدني و صنع السياسات( الخدمات الاجتماعية نموذج )

مقدمة
شاع مصطلح (منظمات المجتمع المدني) في تسعينيات القرن العشرين خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق كي تكون سلطة خامسة خارج الحكم في الدول الحديثة، وهي عبارة عن شبكات غير حكومية تتشكل من أفراد المجتمع المدني لتحقيق أهداف ترسم مسبقاً لتنمية المجتمع ورفع مستوى معيشة الشعب، وكذلك تعمل على رفع الحيف الذي يطال بعض الشرائح والفئات ففي أواخر الثمانينات وبداية التسعينات بدأت تجمعات جديدة تبرز على ساحة المجتمع المدني أطلقت على نفسها إسم الشبكات وأخذت على عاتقها طرح مبادرات تحمل رؤى وممارسات جديدة في العمل المدني والتنموي تهدف إلى دعم الجهود التطوعية لتحقيق التنمية من خلال المشاركة بين أطراف المجتمع المدني والقطاع الخاص وصناع القرار. كما تهدف إلى تجميع أكبر قدر من الخبرات والمهارات وإتاحة المعلومات والبيانات حول الهدف المشترك وتفعيل الأدوار المساندة لمؤسسات المجتمع المدني لتمكينها من اتخاذ مبادرات فعالة تجاه القضايا التنموية .
مع انهيار نظم الحكم الشمولية في أواخر الثمانينات في شرق أوروبا وبعض دول العالم الثالث وتزايد الاتجاه نحو الديمقراطية برزت الدعوة إلى المجتمع المدني كمصطلح جديد في كثير من تلك الدول، والذي لم يكن متداولا من قبل في الخطاب العام أو يحظ باهتمام الباحثين وقد تمت دراسة وتحليل المصطلح من قبل المثقفين واختلفت المواقف والآراء في هذا الشأن، وكان هناك كثير من المؤيدين ينطلقون من تأييدهم من أن التطور الديمقراطي للمجتمعات المختلفة وتحديثها يتطلب قيام تنظيمات غير حكومية تمارس نشاطا يكمل دور الدولة ويساعد على إشاعة قيم المبادرة والجماعية والاعتماد على النفس ما يهيئ فرصا أفضل لتتجاوز هذه المجتمعات مرحلة الاعتماد على الدولة في كل شيء ، وكذلك تصفية أوضاع اجتماعية بالية موروثة من العصور الوسطى وهناك العديد من المجتمعات تشهد بالفعل جهود حثيثة للتوسع في تكوين هذه التنظيمات والمؤسسات وذلك للدور الذي ستلعبه في تطور هذه المجتمعات ورقيها.
ويطلق مصطلح "المنظمات غير الحكومية" على قطاع عريض من المنظمات أو المؤسسات الأهلية والطوعية والتي لا تستهدف الربح وتعمل طوعياً في مجالات خدمية إنسانية واجتماعية، أو تنموية أو تربوية. وتزايد عدد هذه المنظمات الطوعية والأهلية في الآونة الأخيرة بصورة غطت جميع مناحي الحياة ويمكن تصنيفها كالتالي: الجمعيات الخيرية والتعاونية، وهي الأقدم تاريخيا ومتأثرة بالبنية التقليدية للمجتمعات المختلفة، المنظمات الجماهيرية (جماعات المصالح) مثل المنظمات النسائية والنقابات العمالية والمهنية، المنظمات التنموية، وغيرها.
يعتبر صنع السياسات من المهام الأساسية لأي دولة، لكن هذه العملية لا تأتي من فراغ فهي ذات طابع ديناميكي ونتاج تفاعل أطراف عديدة حكومية وغير حكومية، داخلية وخارجية، وما يتضمنه ذلك من مشاورات واتصالات وضغوطات. ، والمجتمع المدني من جمعيات أو منظمات أو نقابات أو تجمعات أو مبادرات ...الخ في المجتمع له دوراً أساسياً في عملية صنع السياسة سواء من خلال تحالفها مع بعضها البعض او صراعها مع بعضها البعض، أو مع الدولة في سبيل التأثير على عملية صنع السياسة ، أو من خلال تقديمها لأنماط عديدة من الضغوطات -المدخلات معلومات – مشاورات – خبرة – مطالب – تأييد …..الخ للنظام السياسي
والمجتمع المدني بصياغته الجديدة لم يكن إلا نتاج أزمة، ففي حين كان لأحداث أوروبا الشرقية الفضل في تسليط الأضواء على دور المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي، فإن أزمة دولة الرفاهة في أوروبا الغربية قبل سنوات مما حدث في أوروبا الشرقية هي التي أدت إلى إحياء مفهوم المجتمع المدني من جديد. وبناء على ذلك برزت أدوار جديدة وعديدة منوطٌ بها المجتمع المدني، بعضها متعلق بالتحول الديمقراطي والبعض الآخر ذو صلة بصنع السياسة.
و تحليل دور المجتمع المدني في عملية صنع السياسة العامة والخاصة، مرهون بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، هل هي علاقة تقوم علي التناقض والتعارض ؟ أم علاقة تقوم على الثقة والاعتماد المتبادل بين الدولة والمجتمع المدني؟ أم أن العلاقة ما زالت غير واضحة ويكتنفها الغموض ومازالت غير واضحة الشكل، وفي هذه الدراسة سيتم البحث في طبيعة هذه العلاقة وشكلها وأهم التحولات التي أدت إلي ظهور المجتمع المدني وتجارب منظمات المجتمع المدني في الدول العربية في صنع سياسات تقديم الخدمات الاجتماعية

أولاً: أهداف الدراسة
1- التعرف علي دور منظمات المجتمع في صنع سياسات تقديم الخدمات الاجتماعية في الوطن العربي .
2- التعرف علي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني وأبعاد وطبيعة هذه العلاقة
3- الكشف عن أهم المتغيرات التي أدت إلي بروز دور المجتمع المدني في صنع السياسات العامة والخاصة .
ثانياً: تساؤلات الدراسة
السؤال الرئيسي
ما دور المجتمع المدني في صنع السياسة بصفة عامة، وسياسات تقديم الخدمات الاجتماعية بصفة خاصة ؟
وينبثق من هذا التساؤل الرئيسي عدد من الأسئلة الفرعية وهي كما يلي :
1- ما أهم المتغيرات والأسباب التي أدت إلي تعزيز دور المجتمع المدني في سياسة تقديم الخدمات الاجتماعية؟
2- ما طبيعة وحدود تجارب المنظمات غير الحكومية في الوطن العربي في سياسية تقديم الخدمات الاجتماعية ؟

ثالثاً : مفاهيم الدراسة
تعريف المجتمع المدني
تعريف المجتمع المدني: "هو مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية وغير الربحية التي لها وجودٌ فعّال في الحياة العامة وتنهض بمسؤولية التعبير عن اهتمامات وقيّم أعضائها أو الآخرين، استنادا إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية"
تعريف "منظمات" المجتمع المدني: "هي مجموعة كبيرة من المؤسسات الغير الحكومية والغير ربحية تضم: الجماعات المجتمعية المحلية، النقابات العمالية، النقابات المهنية، المنظمات الخيرية، مؤسسات العمل الإنساني، والمنظمات الدينية "
يتضح من ذلك التعريف أن المجتمع المدني هو (مجتمع المُدن)، مؤسساته هي تلك التي ينشئها الناس بينهم في المدينة لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهي مؤسسات "إرادية" يؤسسها الناس ويعملون بها "طوعياً" أو يحلونها أو ينسحبون منها
المجتمع المدني هو المنظمات الوسيطة والمستقلة التي تملأ الفضاء الاجتماعي القائم بين الدولة والسوق والأسرة.
بمراجعة عديد من الأدبيات التي عُنيت بتعريف المجتمع المدني يمكن استخلاص عدد من العناصر التالية:

1 ـ يقوم المجتمع المدني على أساس رابطة اختيارية يدخلها الأفراد طواعية.
2 ـ يتطلب المجتمع المدني نظاماً قانونياً يحدد مجموعة الحقوق التي تكفل استقلال هذا المجتمع وتنظم العلاقة بينه وبين الدولة.
3 ـ سيادة ثقافة مدنية تقوم على أساس قبول الأخر المختلف وإقرار التعددية داخل المجتمع، والقدرة على حل الصراعات بطريقة سلمية وديمقراطية.

الإطار النظري للدراسة
أولاً: أهم المتغيرات التي أدت إلي بروز دور منظمات المجتمع المدني
تصاعد الدور الذي يلعبه المجتمع المدني، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، بحيث إننا أصبحنا أمام "ظاهرة ثقافية واجتماعية وسياسية"، لها جذور تاريخية عميقة فى الغرب تعود لأكثر من قرنين، ولها أيضا جذور تاريخية عميقة فى المنطقة العربية (ترتبط بالوقف من جانب وبمظاهر التنظيم الحديث للجمعيات الأهلية فى الربع الأول من القرن الـ19) إلا أنه فى الوقت نفسه، ورغم ملامح الاستمرارية فى الظاهرة، إلا أنه قد لحقت بها متغيرات متعددة، أعادت طرح المجتمع المدنى بقوة، وأثرت على معدلات نمو منظمات المجتمع المدنى بشكل غير مسبوق (2) (خاصة فى المنطقة العربية)، كما أثرت على تنوع أنماطها ومجالات نشاطها وفى النهاية، فإن طرح المجتمع المدني العالمي، والذي لا يشكل كتلة متجانسة ـ كما سنرى ـ كان واحدا من أهم ملامح التطور، فى سياق العولمة.
في هذا السياق يمكن تحديد أهم العوامل التي أدت الي تصاعد دور المجتمع المدني وهي كما يلي :
1 ـ التحولات الدولية الجديدة
بدأت منظمات المجتمع المدني في التحول من نمط تقديم الخدمات الاجتماعية وسد فراغ الحكومة الي لعب دور تنموي اكبر يتمثل في صناعة السياسات العامة و الخاصة وذلك نتيجة للعديد من العوامل أهمها :
أ‌. البنك الدولي
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كانوا يقفون ضد محاولة أي دور أو شراكة من المنظمات الاهلية في علي سبيل المثال صندوق النقد الدولي والذي أبدى لفترة طويلة موقفاً رافضاً لأي دور للمنظمات غير الحكومية على اعتبار أن القضايا الذي يتناولها تتطلب قدراً من السرية، فقد اضطر أن يغير من موقفه المتعنت، ووضح ذلك في مقابلة مجلس مديري الصندوق مع العديد من المنظمات غير الحكومية لمناقشة مقترحاتهم بغية زيادة شفافية الصندوق
وعلى الصعيد المقابل كانت هناك ضغوط موجهة من منظمات غير حكومية كبيرة على بعض المؤسسات المالية الدولية لتعديل أجندتها ومنهجيتها في العمل مع البلدان النامية. فعلى سبيل المثال كان البنك الدولي يساهم في إقامة عديد من البرامج الصناعية التي تضر بالسكان الأصليين وبالبيئة في بعض البلدان. وتحت ضغوط هذه المنظمات غير الحكومية امتنع البنك الدولي عن تمويل مثل هذه المشروعات في بلدان مثل الهند وماليزيا وغيرها. بل بدأ يتعاون مع منظمات غير حكومية مثل أوكسفام وغيرها.
وجدير بالذكر أن البنك الدولي استمر لعدة عقود يرفض المطالب والأصوات المنادية بالتغيير من قبل المنظمات غير الحكومية. إلا أنه في خلال التسعينيات اشتركت أكثر من 150 منظمة غير حكومية في حملة قوية لحث البنك على مزيد من الانفتاح والشفافية وتشجيع خفض الديون واتباع استراتيجيات إنمائية أكثر عدلاً وأقل تدميراً للبيئة. وقد نجحت هذه الضغوط إلى حد كبير في دفع البنك الدولي عام 1994 إلى إعادة النظر في أهدافه وطرائق عمله. وقد وضح التغيير بصورة عملية ، فحوالى نصف مشروعات الإقراض الخاصة بالبنك تتضمن بنوداً وتدابير خاصة بمشاركة المنظمات غير الحكومية مقارنة بحوالى 6 بالمئة في الفترة من 1973-1988.
ب‌. الأمم المتحدة
حيث لعبت للأمم المتحدة دوراً أساسياً في تصعيد أهمية دور المنظمات غير الحكومية والذي تمثل في المؤتمرات العالمية العديدة التي انعقدت في التسعينيات، فقد شهد هذا العقد عديد من المؤتمرات العالمية الهادفة إلى تحقيق التنمية الاجتماعية المستدامة مثل مؤتمر البيئة والتنمية في البرازيل عام 1992 والذي عرف بقمة الأرض، والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة عام 1994، ومؤتمر القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن عام 1995، والمؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بيجين عام 1995، ومؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في اسطنبول عام 1996. وقد تناولت توصيات تلك المؤتمرات قضايا عديدة تركزت بالأساس حول التنمية الاجتماعية المستدامة، كما أشارت إلى مجموعة من الإجراءات التي يجب أن تتخذها المؤسسات الحكومية بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية. وبذلك استقر في وجدان الخطاب العالمي أن هناك طرفين مسؤولين عن التنمية هما: الحكومات والمنظمات غير الحكومية.
دارت توصيات تلك المؤتمرات حول قضايا وثيقة الصلة بالرفاهة الاجتماعية مثل تنظيم النمو السكاني، وحماية البيئة، وتوفير خدمات الصحة الإنجابية، وتعزيز الخدمات الأساسية للجميع وتوفير التعليم للجميع، والقضاء على الفقر، وتوفير مصدر عيش مستديم، وتمكين المرأة وإنجاز المساواة بينها وبين الرجل، وإيجاد بيئة ملائمة تمكِّن من تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبناء القدرات والآليات المؤسسية اللازمة لإدارة التنمية. وقد تم التأكيد في هذه المؤتمرات على أن أي سياسة توضع لمواجهة هذه المشكلات لا بد أن يشارك المجتمع المدني في وضعها. فعلى سبيل المثال في المؤتمر الدولي للسكان والتنمية عام 1994 تمت الإشارة إلى أنه ينبغي على الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية أن تتحاور مع المنظمات غير الحكومية في عملية صنع القرار. وفى مؤتمر كوبنهاغن وردت الإشارة إلى ضرورة توافر مساهمة أوسع نطاق من جانب المجتمع المدني في صوغ وتنفيذ القرارات التي تتحكم في سير المجتمع، وتعزيز قدرة المجتمع المدني على المشاركة الفعلية في تخطيط ووضع برامج التنمية الاجتماعية، وفي اتخاذ الإجراءات والوصول إلى الموارد اللازمة لتنفيذها. أما في مؤتمر بكين فقد تم التأكيد على ضرورة تشجيع التعاون في ما بين الوكالات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والمنظمات النسائية ومؤسسات المجتمع المدني من أجل وضع استراتيجية وطنية شاملة لتحسين خدمات الرعاية الصحية للمرأة والطفل .
ج. العولمة
أبرزت العولمة تطورات علي مصطلح العولمة هذا المصطلح أدى ببعض الكتّاب إلى التمييز بين مستويات المجتمع المدني على صعيد وطني وصعيد عالمي، حيث بتنا نلحظ من يميّز بين مصطلح "المجتمع المدني الوطني" وبين مصطلح "المجتمع المدني العالمي". أدى ظهور مصطلح "المجتمع المدني العالمي" كذلك إلى رفض بعض الكتّاب لهذا المصطلح وفضلوا استخدام مصطلحات أخرى، فظهرت مصطلحات مقابلة لمصطلح المجتمع المدني العالمي، مثل مصطلح "المجتمع المدني عبر القومي" أو مصطلح "المجتمع المدني الدولي". اضافة الي ظهور أدور جديدة للمجتمع المدني حيث كان للعولمة أثرها الواضح على المجتمع المدني العالمي أو العابر وذلك بظهور أدوار جديدة لم تكن مستخدمة من قبل، وقد اختلف الكتّاب على دور المجتمع المدني العالمي أو العابر وعلى مدى قوة تأثيره، فهناك من رأى أن للمجتمع المدني دورا في مقاومة السمات السلبية للعولمة وله قوة تأثير لذلك وهؤلاء الأكثر تفاؤلا، وهناك من رأى أن ليس له قوة لمقاومة السمات السلبية من العولمة. وقد ظهرت مصطلحات جديدة نتيجة لهذا الجدل وهو مصطلح "العولمة من الأسفل" و"العولمة من الأعلى". حيث اقترح الكاتب ريتشارد فولك اعتماد التمييز بين قوى السوق العالمية المعرّفة "بالعولمة من فوق" وبين مجموعة الاستجابات المعارضة من النشاط الاجتماعي العالمي والمجتمع المدني العالمي المعرفة "بالعولمة من أسفل". ويعتقد بأن الدور التاريخي "للعولمة من الأسفل" هو تحدي السمات السلبية "للعولمة من الأعلى".

وادت العولمة وإلى فتح أكثر مناطق العالم عزلة أمام شبكات الاتصال العالمية، مما فتح المجال أمام البشر أن يتحاوروا معا وينظموا أنفسهم. وربما قد يكون من الملائم هنا الإشارة إلى تظاهرات سياتل والتي شملت عشرات الآلاف من البشر من 700 منظمة غير حكومية . الجدل المثار حول المجتمع المدني العالمي أو العابر وعلاقته بالدولة وسيادتها والحكم العالمي والحدود بين الدول، غالبا ما يدور بين وجهة النظر الأولى التي تعتقد بأن المجتمع المدني العالمي يمثل حكما عالميا جديدا بلا حدود ويقللون من أهمية الدولة القومية وسيادتها وتأثيرها، وبين وجهة النظر الثانية التي تشكك بهذا الحكم العالمي وتؤكد على سيادة الدولة. ووجود بعض الكتّاب الذين يشككون بوجود المجتمع المدني العالمي أو العابر لعدم وجود حكومة عالمية لا يتعارض في أحيان أخرى مع اعتقادهم بإمكانية أن يكون المجتمع المدني العالمي أو العابر أساسا لشكل الحكم العالمي في المستقبل، وليس لحكومة عالمية، وإنما لنظام ذي ثقافة مشتركة من قيم يتقاسمها الجميع على نطاق واسع. والكتّاب من وجهتي النظر وظّفوا مفهوم المجتمع المدني العالمي من أجل إثبات صحة رؤيتهم بوجوده أو عدم وجوده، وبذلك قرروا ما ينبغي أن يكون عليه وجود المجتمع المدني العالمي أو عدم وجوده بما يثبت صحة رؤية كل منهم.



2 ـ ظهور دولة الرفاه الاجتماعي
على الرّغم من الاستخدام الشائع لمصطلح "دولة الرِّفاه" سواء في الخطاب السِّياسي والاجتماعي، أو في أدبيّات البحث، في الحقيقة, لا يوجد أيّ إجماع حول الدّلالة الدَّقيقة لهذا المصطلح. يمكن العثور في الأدبيّات المختصَّة على تعريفات عديدة لمصطلح دولة الرِّفاه، تعكسُ الميول النظريَّة أو المبدئيَّة للباحثين أو المميِّزات الخاصَّة للحالات التي يدرسونها. يذهبُ بعضُ الباحثين إلى أنَّ مجرَّد وجود جهاز خدمات رفاه في دولةٍ معيَّنة يكفي لتعريفها كدولة رفاه. على النَّقيض من هذا التوجّه الذي يكتفي بحدِّ أدنى من أجل تعريف دولةٍ ما كـ"دولة رفاه"، هناك باحثون آخرون يشدِّدون تحديداً على الفروق الكبيرة بين دول غرب أوروبا وبين دول شمال أمريكا التي تُسمّى عادةً دول رفاه. يزعم هؤلاء أنَّ عدم الوضوح في تعريف دولة الرِّفاه ينبع عدم وجود نموذج عالمي لـ"دولة الرّفاه"، بل هناك نماذج مختلفة في غاية الاختلاف ل"دُول الرِّفاه" في دول عديدة. على سبيل المثال: نموذج دولة الرِّفاه الإسكندنافيَّة يختلف كثيراً عن ذلك النموذج الذي يُميِّز الأنظمة الليبراليَّة كالولايات المتَّحدة وكندا، وكلاهما يختلف كثيراً عن دولة الرِّفاه المحافظة التي تُميِّزُ دُول وسط أوروبّا، كألمانيا على سبيل المثال.
دولة الرِّفاه هي ظاهرة سياسيَّة واقتصاديَّة حديثة عهدٍ نسبيّاً. كان أوَّل من استعمل مصطلح:"دولة الرّفاه" المستشار الألمانيّ فرانتز فون بابن عام 1932 في مهاجمة التَّشريع الاجتماعي الشّامل لجمهوريَّة فايمر، ولم يكتسب هذا المصطلح دلالة إيجابيَّة إلاّ في مُستَهلّ أربعينات القرن العشرين عندما أراد رئيس أساقفة كانتربري وليم تمبل أن يُقارن بين اهتمام النِّظام الديموقراطي البريطاني برفاهيَّة مواطنيه وبين روح العنف في ألمانيا النازيَّة.
اتجهت دول الغرب الرأسمالي بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 وتحت تأثير إسهامات كينز الاقتصادية، إلى الدعوة لتدخل الدولة في مجالات اقتصادية واجتماعية عديدة من أجل إنقاذ النظام الرأسمالي من أزمته. وقد نتج عن هذا التدخل نشوء ما أطلق عليه دولة الرفاهة الاجتماعية، إذ تحملت الدولة عبء تقديم الخدمات الأساسية للشعب. وقد استمر هذا الوضع طيلة فترة الانتعاش الاقتصادي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى بداية السبعينيات، حين بدأت أزمة النظام الرأسمالي والتي عرفت بأزمة دولة الرفاهة، وتجلت في ضعف الأداء الاقتصادي للدول الصناعية. في ذلك الوقت برز تيار فكرى محافظ ينسب هذا الوضع إلى التوسع في دور الدولة في الحياة الاقتصادية، وجاء نجاح حكومة ثاتشر في بريطانيا عام 1979، ثم انتخاب ريغان في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980 تأييدا لهذا التيار الذي يرغب في حكومة أصغر. ثم انفجرت كل مشاكل الدول الاشتراكية وخاصة في السنوات الأخيرة من الثمانينيات ودعمت هذا الاتجاه. وبذلك تكاتفت الظروف نحو الأخذ بأيديولوجية جديدة في السياسات الاقتصادية امتد تطبيقها لاحقاً في الدول النامية. إذ بدأ يتردد الحديث عن ضرورة تحقيق التوازن المالي والنقدي على مستوى الاقتصاد الكلي، وأيضاً الإصلاح الهيكلي الذي يتطلب الأخذ باقتصاد السوق والتخصصية وخلق المناخ الاستثماري المناسب سواء للمستثمر الوطني أو الأجنبي. وهكذا لم تلبث سياسات التنمية في معظم الدول النامية، أن تأخذ منذ الثمانينيات وبوجه خاص في التسعينيات بهذا التوجه الجديد نحو تقليص دور الدولة في الاقتصاد والحد من الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية في مجالات الصحة والتعليم وغيرها
وقد تزامن مع ما سبق أزمة أو تحول آخر أطاح بمقولات خطاب التنمية الكلاسيكي وبخاصة في الدول النامية، هذا الخطاب الذي يركز على دور الدولة في التنمية والمتأثر بالمدرسة الكينزية. فقد أدت النتائج المتواضعة التي حققتها خطط وبرامج التنمية واسعة النطاق والتي قامت بها الحكومات لتحقيق التغيير المجتمعي السريع، إلى إعادة النظر في المفاهيم الكلاسيكية للتنمية. فهذه التنمية الكلاسيكية التي كانت تعتمد على دور مركزي للدولة لم تصل أثارها للمستويات المحلية والقاعدية، ولم تتح الفرصة لقوى الإبداع أن تظهر، ولذا بدأ الحديث عن ضرورة تنمية القدرات البشرية، وتشجيع المشاركة على المستوى المحلي، والتركيز على إشباع الاحتياجات الأساسية للمواطنين. وقد برزت في هذا الإطار مصطلحات جديدة مثل التمكين والمشاركة الشعبية والتنمية المستدامة والوصول لأفقر الفقراء . كما تبلورت استراتيجيات تنموية جديدة تعتمد في صياغتها وتنفيذها على فاعلين عديدين مثل المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية.
وتدريجياً بدأ يبرز المجتمع المدني وفي القلب منه المنظمات غير الحكومية كإطار لهذه التنمية البديلة، وبخاصة بعد الدور الذي لعبه في قلب أنظمة عسكرية في أمريكا اللاتينية، وأنظمة شمولية في شرق أوروبا. بل تحول إلى الرهان الجديد لتحقيق الحرية السياسية والاجتماعية وتخفيف الفقر وتمكين المهمشين. وجدير بالذكر أنه على الرغم من اشتراك كل من الماركسيين والليبراليين الجدد في عدم رضائهم على نماذج التنمية الكلاسيكية التي تقودها الدولة، وتأييدهم لقيام المجتمع المدني بدورٍ في التنمية، إلا أن أهدافهم كانت مختلفة، فعلى حين عول اليسار على دور المنظمات غير الحكومية في تغيير منهجية التعامل مع الفقر والفقراء من مجرد تقديم المساعدات إلى إنجاز التنمية القاعدية، مما يمكن الفقراء من مواجهة القهر، فإن التيار الليبرالي نظر إلى المنظمات غير الحكومية على إنها الفاعل الجديد الذى يخفف الأعباء عن كاهل الدولة في التنمية . وعموماً يمكن القول إن تبلور دور المنظمات غير الحكومية كفاعل رئيسي، ارتبط بالسياسات الاقتصادية لليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية وغرب أوروبا في الثمانينيات، هذه الليبرالية التي مثلت تغيراً أساسيا في التنظير حول دور الدولة في التنمية. وقد ساهم في صياغة مبادئها المؤسسات المالية الدولية حينما أكدت على دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية والديمقراطية معاً.
وفي هذا الإطار بدأت حركة تشجيع تأسيس المنظمات غير الحكومية على تقديم خدمات اجتماعية للمواطنين، بيد أن هذا التشجيع شكلته رؤى مختلفة، فقد نظرت الحكومات المحافظة مثل بريطانيا الثمانينيات إلى نشاط هذه المنظمات باعتباره بديلاً عن الدولة ومستقلاً عنها، ولذلك اعتبرت التبرعات الخاصة هي المورد الأساسي لتمويل هذه المنظمات. أما الحكومات التي لم تتراجع كلية عن أسس دولة الرفاهة الاجتماعية مثل ألمانيا وفرنسا، فقد شجعت المنظمات غير الحكومية وموَّلتها على اعتبار أنها جسر يربط بين الدولة والمواطنين بحيث يمكن أن يقدم الخدمات لهم دون أن تضطر الدولة إلى التوسع في الهيكل البيروقراطي . وبالفعل زاد إسهام المنظمات غير الحكومية في بلدان عديدة مثل بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها، في مجالات الصحة والتعليم والثقافة ومساعدة الفقراء، فحوالى ثلاثة أرباع إنفاق هذه المنظمات في البلدان السابق الإشارة إليها تواً يتجه إلى الخدمات الاجتماعية بأنواعها
وهكذا تبلور لهذه المنظمات غير الحكومية والتي أطلق عليها كثير من الباحثين القطاع الثالث، دوراً اقتصادياً يحل محل الدولة والسوق معاً(القطاعين الأول والثاني) في وظيفة تخصيص الموارد بصورة أكثر عدالة وكفاءة.

ثانياً : المجتمع المدني وتشكيلاته والعلاقة مع الدولة
هناك تصورات عديدة للدولة إلا ان الفكر السياسي الحديث الممتد من هوبز إلى هيجل له ثلاثة تصورات رئيسية للدولة: الدولة السياسية بوصفها نفيا راديكاليا تلغي السلطة الطبيعية وتتغلب عليها. وهي بهذا المعنى تجديد بالمقارنة مع مرحلة التطور البشري التي تسبق الدولة(هوبز- وروسو) والدولة بوصفها حفظا وتنظيما للمجتمع الطبيعي، وهي وفقا لهذا التحليل ليست بديلا عن المرحلة التي سبقتها فقط، بل سيرورة تقوم بتنشيطها وإكمالها(لوك- كانط) وأخيرا الدولة باعتبارها حفظا وتعاليا Transcentendal لمجتمع ما قبل الدولة(هيجل)، وذلك بمعنى أن الدولة برهة جديدة لا تٌكمل البرهة التي سبقتها، ولا تكون مؤسسة على النفي المطلق.
إن الأصل في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني إنها علاقة تكامل واعتماد متبادل وتوزيع للأدوار، وليست علاقة تناقض أو خصومة، فالمجتمع المدني ما هو إلا أحد تجليات الدولة الحديثة التي توفر شرط قيامه عن طريق تقنين نظامٍ للحقوق ينظم ممارسات كافة الأطراف والجماعات داخل المجتمع. كما أن المجتمع يعتمد على الدولة في القيام بوظائفه الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية من خلال ما تضعه من تنظيمات. فالدولة والمجتمع المدني متلازمان، لا دولة من دون مجتمع ولا مجتمع من دون دولة، بل إن المجتمع المدني هو وليد قوة الدولة ومن أجل موازنة قوتها. فلم يتطور المجتمع المدني في الغرب لتقويض الدولة، لقد كان المجتمع المدني والدولة القوية حصيلة التطور المتوازي. كما أن الدولة تستطيع أن تسهم في تقوية المجتمع المدني أو في تطور مجتمع مدني صحي من خلال وضع قوانين واضحة قابلة للتطبيق لعمل هذا المجتمع، وأيضاً تقديم حوافز له. وعلى الصعيد المقابل فإن منظمات المجتمع المدني تصبح أكثر فعالية في المشاركة في عملية صنع السياسة، إذا كانت الدولة تتمتع بسلطات متماسكة قادرة على وضع السياسات وتنفيذها.
المجتمع المدني له تشكيلات عديدة مثل النقابات الصحية العمالية والمهنية واتحادات رجال الأعمال والمنظمات واتحادات الفلاحين والجمعيات الأهلية والخيرية وغيرها من التنظيمات. تقوم بعض هذه التنظيمات من أجل الدفاع عن حقوق الفئات التي تستهدفها دافع فئوي خاص بمصالح فئة مهنية معينة أو من أجل دافع عام، مثل تنمية المجتمع وتطويره والرقي به.
وقد انتشرت هذه المنظمات في العالم لتلعب دوراً في عملية التنمية المجتمعية حيث يوجد في بريطانيا مليون منظمة ذات اهتمامات وأهداف مختلفة الولايات المتحدة الأمريكية (2) مليون منظمة غير حكومية، وفي الهند مليون منظمة قااعدية، وفى أوروبا الشرقية حوالى 100.000 منظمة تشكلت في الفترة من1988-1995 . أضف الي ذلك ان في بريطانيا لوحدها يوجد مليون متطوع يعملون بشكل تطوعي في هذه المنظمات، وجدير بالذكر أنه رغم وجود المنظمات غير الحكومية منذ بدايات القرن التاسع عشر واهتمامها بقضايا مثل مناهضة العبودية، إلا أن السنوات الأخيرة هي التي شهدت تحولاً محورياً ونقلة كمية وكيفية في واقع المنظمات غير الحكومية. وقد واكب ذلك إعادة تعريف دور المنظمات غير الحكومية في خطاب التنمية، كما تم النظر إليها على أنها تمثل مقترباً حقيقياً وأصيلاً لتمثيل الجماعات المهمشة . وعلى صعيدٍ ثانٍ فهي من وجهة نظر بعض الباحثين تتمتع بمزايا نسبية عديدة تجعلها أكثر فعالية من الدولة والسوق معاً في عملية تخصيص الموارد وفي عملية التنمية. وقد عدَّد بعض الباحثين هذه المزايا، ففضلا عن إنها تمتلك أساليب أكثر فعالية في الوصول إلى الفقراء، فإن طريقة عملها تتسم بالمرونة في الاستجابة للاحتياجات التنموية للمجتمعات المحلية على خلاف البيروقراطية التي تحكمها قواعد مؤسسية صارمة. كما إنها تتمتع بمهارات أكثر إبداعاً في التعامل مع المشكلات. هذا فضلاً عن التكلفة المنخفضة لما تقدمه من خدمات، وأيضاً القدرة على جذب التمويل. وأخيراً تماسها مع الناس بطريقة مباشرة من خلال تبني منهج قائم على المشاركة القاعدية.


ثالثاُ: دور المجتمع المدني في المساهمة في التنمية وصنع السياسات
من واقع تقييم دور المنظمات غير الحكومية في مدى قدرتها على إنجاز التنمية في المجتمعات التي تعمل بها، بدأت حركة مراجعة شاملة لدورها وفاعليتها. فعلى الرغم من كثير من النجاحات الصغيرة التي حققتها هذه المنظمات في المجتمعات التي عملت بها، فإن هذه التأثيرات ظلت محدودة وجزئية، والسبب أن النظم والهياكل التي تحدد توزيع السلطة والموارد داخل هذه المجتمعات ظلت كما هي . وربما من أهم العوامل المؤدية إلى هذا الوضع إخفاق المنظمات غير الحكومية في إقامة روابط بين عملها على المستوى القاعدي، وبين الأنظمة والهياكل الأوسع التي تعد جزءاً منها، فقد ركزت في عملها على تقديم خدمات الغوث والرعاية الاجتماعية، فضلاً عن الاهتمام بالصحة الوقائية وتنظيم الأسرة. ورغم أهمية هذه المشروعات لكنها لا تخلق إلا جزر من الرفاهية النسبية في غِمار بحرٍ معاكس وبيئة غير مؤاتية، وما يعنيه ذلك من أن الآثار المفيدة للمشروعات والبرامج التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية على المستوى الجزئي غالباً ما كانت تفقد جدواها بفعل تأثير السياسات الكلية. فوفقاً لكلارك لن تتحقق المشاركة الشعبية الحقيقية إلا من خلال إدخال إصلاحات على الهياكل الرسمية، وليس مجرد مضاعفة أعداد المشروعات التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية
وبالفعل هناك اختلافات في الاقترابات التي تتبناها كل من المنظمات غير الحكومية والحكومات في عملها، فعلى الرغم من كفاءة وفاعلية المنظمات غير الحكومية في ممارستها لنشاطها في مجتمعاتها المحلية، إلا أن نشاطها محدود النطاق جغرافياً، فضلاً عن تبنيها لمفاهيم جزئية للتنمية تستجيب للمصالح ذات الطابع المحلي. وعلى النقيض من ذلك فإن الحكومات تعمل على نطاق أكثر اتساعاً وتستهدف المجتمع ككل بالمعنيين الاجتماعي والجغرافي، إلا إنها قد تعجز عن رؤية العلاقات الفعلية عن قرب، ولذلك تصل إليها المعلومات كمعلومات عمومية تنقصها الخبرة الميدانية، وهذا قد يؤدي لعدم ملاءمة قراراتها لفئات اجتماعية معينة. وما يعنيه ذلك من حاجة كل طرف للآخر.
تطور منظمات المجتمع المدني
الجيل الأول جيل الإغاثة، حيث نشطت المنظمات غير الحكومية مثل منظمة إنقاذ الأطفال الأمريكية ومنظمة الإغاثة الدولية وأطباء بلا حدود وغيرها كانت تتولى عمليات الإغاثة الطارئة في الدول التي تعاني من الكوارث والحروب وبرز دورها في تقديم الخدمات الاغاثية للمتضررين.
وما زالت هذه المنظمات تلعب دور فاعلا في اغاثة الفقراء وتقديم الدعم الصحي والتعليمي وحماية الاطفال
الجيل الثاني تطور هذا الجيل من مفهوم الإغاثة الي مفهوم ضرورة بناء القدرات والاعتماد علي الذات، فقد ظهر هذا الجيل من المنظمات غير الحكومية نتيجة عدة عوامل أهمها إدراك عدم جدوى التعامل مع أعراض المشكلة من دون أسبابها. قام هذا الجيل من المنظمات غير الحكومية (وبالتحديد في دول الشمال) بمشروعات استهدفت زيادة القدرات المحلية للمجتمعات المحلية، والسيطرة على الموارد الضرورية والمطلوبة لتحقيق التنمية المتواصلة. إن نشاط هذا الجيل من المنظمات غير الحكومية لم يركز على الضغط من أجل مزيد من المعونات بقدر تركيزه في السعي إلى إزالة القيود التي تحول دون تنمية العالم الثالث.
الجيل الثالث حيث كان لهذا الجيل الفضل في طرح فكرة ضرورة مشاركة المنظمات غير الحكومية في صنع السياسة. كما أدرك أن نجاح هذا الأمر مرهون بالقدرة على إقامة تحالفات وشبكات وليس بالعمل الفردي. وأخيراً يؤمن هذا الجيل من المنظمات غير الحكومية أن عملية الدفع الرسمية للتنمية المستدامة التي تضطلع بها الأمم المتحدة من خلال المنظمات الدولية والمنظمات الإقليمية والحكومات، لن يكون لها قيمة حقيقية من دون وجود قدرٍ أكبر من المشاركة من جانب المجتمع ومنظماته.
حيث أخذ هذا الجيل علي عاتقه ممارسة التنمية وصنع السياسات الخاصة والعامة. وقد أدرك هذا الجيل أن أي عملية إنمائية معتمدة على الذات ستكون قابلة للانهيار والاختراق إذا لم يتوافر إطار مؤسسي وسياسي يشجع المبادرات المحلية. وقد أدرك هذا الجيل من المنظمات ضرورة تطوير سياق وبيئة دافعة لتحقيق التنمية المستدامة مع مراعاة الفئات الأضعف في المجتمع. وعلى هذا فإن الإستراتيجية الإنمائية التي يطرحها الجيل الثالث من المنظمات غير الحكومية، تتطلب ديمقراطية صنع القرار والمشاركة الكاملة من جانب الأفراد في صياغة احتياجاتهم الإنمائية
وهنا بدأت عملية طرح أفكار متنوعة ومختلفة أفكار واقتراح متعددة لضمان دوراً لمنظمات المجتمع المدني في صنع السياسات العامة وخاصة والدور التنموي من اجل تطوير المجتمع

رابعاً: محددات نجاح المنظمات غير الحكومية في التأثير على عملية صنع السياسة
كما هو مستقر عليه في أدبيات السياسة المقارنة أن أي سياسة هي مخرج نهائي لعملية ضغوط وضغوط متبادلة. تؤثر المنظمات غير الحكومية على عملية صنع السياسة من خلال عدة وسائل وآليات مثل تقديم المشورة والخبرة الفنية، وبناء تكتلات وتحالفات للضغط على صنَّاع السياسة، و تنظيم حملات دعوى، وأيضاً حملات إثارة لوعي الجماهير بقضية ما. فضلاً عن طرح المطالب مباشرة وكذلك مراقبة الحكومات . كما برزت في الآونة الأخيرة فكرة الشراكة بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية، هذه الشراكة التي تبدأ من مراحل مبكرة في صنع السياسة وقبل أن تلتزم الحكومة بأي التزامات. والأمر المثير للانتباه الاهتمام المفرط في هذه البلدان من قبل الباحثين والنشطاء على السواء بوضع أسس ومعايير لهذه الشراكة. فنجاح عملية الشراكة يتطلب أمور عديدة منها إقامة شبكات وتحالفات بين المنظمات غير الحكومية وبعضها البعض، بغية تسهيل تبادل المعلومات والخبرات مع مراعاة إشراك المنظمات القاعدية في هذه الشبكات. كما يشترط لنجاح الشبكة تطبيق ديمقراطية اتخاذ القرار. ومن ناحية ثانية فإن الشراكة الناجحة تتطلب توفير إطار مؤسسي يحدد أسس التعاون بين الدولة والمنظمات غير الحكومية مع مراعاة مراجعة هذا الإطار باستمرار في ضوء التغيرات التي تطرأ على المجتمع. قد يأخذ هذا الإطار شكل اتفاق بين الحكومة والمنظمات غير الحكومية أو استراتيجية قومية للتنمية يشارك فيها الطرفان أو أي شكل أخر. وفي هذا الاتفاق ـ فضلا عن تحديد أسس التعاون ـ تقر الحكومة بأهمية الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية. فضلاً عن الالتزام باحترام استقلاها وحقها في ممارسة أية أدوار دفاعية يبتغيها، وحقها في توجيه الانتقادات إلى الحكومة بل ورفضها التعاون معها. فالشراكة الناجحة تقوم على أساس الثقة المتبادلة بين الشركاء واحترام استقلال كل طرف وتوفير آليات للتعاون.
إن الوصول بالشراكة إلى هذا المستوى يعني إقرار الحكومات بعدم قدرتها على إنجاز المهام المطلوبة منها بكفاءة وفعالية في ضوء تزايد هذه المهام بدرجة غير مسبوقة. ففي السويد مثلاً هناك إقرار أن المنظمات غير الحكومية جزء من النظام السياسي والإداري للدولة. وفي فرنسا تشارك المنظمات غير الحكومية في صنع السياسات وتنفيذها، وأيضاً في تخصيص الموارد وتحديد الفئات المستهدفة من خلال لجنة التعاون التنموي والتي تضم ممثلين من الحكومة والمنظمات غير الحكومية.
إن قدرة المنظمات غير الحكومية في التأثير على عملية صنع السياسة يتطلب أموراً عديدة؛ أولها متعلق بالدولة، والثاني متعلق بالمنظمات غير الحكومية، والثالث متعلق بالعلاقة بين الطرفين.
في ما يتعلق بالدولة، إن نجاح المنظمات غير الحكومية في التأثير على عملية صنع السياسة مرتبط بالإطار القانوني التي تضعه الدولة لتنظيم وجود ونشاط هذه المنظمات، بمعنى هل هو إطار قانوني منظم أم مقيد؟ كما يرتبط الأمر نفسه بمدى استجابة الدولة بمؤسساتها المختلفة للمطالب والضغوط القادمة من المجتمع ومؤسساته.
تتعدد المحددات الحاكمة لقدرة المنظمات غير الحكومية على التأثير على عملية صنع السياسة. أول هذه المحددات ما تتمتع به هذه المنظمات من قدرات إدارية ومؤسسية ( بناء الهياكل التنظيمية – تنمية روح العمل الجماعي- مهارات الاتصال – التخطيط الإستراتيجي) أو ما يطلق علية عملية بناء القدرات، هذه المهارات المرتبطة بالجيل الثالث للمنظمات غير الحكومية . أما المجموعة الثانية من المحددات فترتبط بالقدرة على بناء رصيد للقوة والتأثير من خلال النجاح في إقامة تحالفات وشبكات في ما بين المنظمات الحكومية وبعضها البعض، وأيضاً مع كافة الأطراف الفاعلة فى عملية التنمية سواء على المستوى الوطني أو العالمي.
وأخيراً مدى قدرة المنظمات غير الحكومية على تحديد احتياجات مجتمعاتها المحلية، وهذا يتطلب إشراك هذه المجتمعات في تحديد المشروعات والتخطيط لها وتدبير التمويل وتنفيذها ومتابعتها. وهذا الأمر ليس هين إذ يحتاج إلى مهارات خلق جسور مع المجتمعات المحلية وبناء للثقة بين هذه المجتمعات والمنظمات غير الحكومية. وجدير بالإشارة إن مصدر شرعية أي منظمة غير حكومية استنادها لقاعدة شعبية.
تتعلق المجموعة الثالثة من المحددات بطبيعة العلاقة بين الدولة والمنظمات غير الحكومية، وهي في الواقع قضية مرتبطة بكل المحددات السابق الإشارة إليها تواً. وعلى أية حال هناك أكثر من سيناريو، فإما أن تكون هذه العلاقة تعاونية وتستند للاعتماد المتبادل وتوزيع الأدوار، وفي هذه الحالة من المتوقع أن تقوم علاقة شراكة ناجحة وفعالة بين الدولة والمنظمات غير الحكومية في عملية صنع السياسة. وعلى النقيض يأتي السيناريو الثاني إذ يشوب العلاقة بين الدولة والمنظمات غير الحكومية الصراع ويحكمها الخصومة، فأي مكسب تحققه المنظمات غير الحكومية يكون على حساب الدولة والعكس صحيح. وعلى أية حال من الصعب في الواقع المعاش افتراض وجود أي من العلاقتين بشكل مطلق، فالمجتمع المدني وفي القلب منه المنظمات غير الحكومية مجتمع غير متجانس في الرؤى والمصالح وبالتالي العلاقة بالدولة.


خامساً: منظمات المجتمع المدني العربية
تشكل المنظمات غير الحكومية في الوطن العربي أو ما يطلق عليها الجمعيات الأهلية العربية، العمود الفقري للمجتمع المدني. ورغم نشأة هذه المنظمات في كثير من البلدان العربية منذ زمن بعيد، فإن العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت صحوة ملحوظة ونمو غير مسبوق في تأسيس المنظمات غير الحكومية. وقد كان ذلك في الواقع نتاج متغيرات عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية بعضها له سمة عالمية والأخرى محلية. يمكن تحديد ثلاث مجموعات من العوامل أسهمت في هذه الصحوة: أولها السياسات الاقتصادية التي اتبعتها معظم البلدان العربية منذ منتصف الثمانينيات والتي تمثلت في التحرير الاقتصادي وتخلي الدولة عن جزء كبير من الدور المحوري التي كانت تشغله اقتصادياً واجتماعياً. وقد كان وراء ذلك تفاعل الضغوط القادمة من المؤسسات المالية الدولية مع الأزمة الاقتصادية التي أمسكت بخناق غالبية الأنظمة السياسية العربية، حيث وصلت سياسة التصنيع بإحلال الواردات إلى سقفها، وازداد استيراد الطعام من 2 بليون دولار في الثمانينيات إلى 20 بليون دولار في التسعينيات. ناهيك عن ارتفاع الديون الخارجية من أقل من 5 بليون دولار في عام1970 إلى 200 بليون دولار في عام 1990. أدت سياسات التحرير الاقتصادي التي اتبعتها معظم الدول العربية غير النفطية إلى خفض الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية وبرامج الرفاهة الاجتماعية
أما المجموعة الثانية من المتغيرات فمرتبطة بالتحولات الديمغرافية والاجتماعية التي شهدتها تلك البلدان مثل تزايد عدد السكان وما يفترضه ذلك من احتياجات جديدة فضلاً عن النمو الحضري الذي لم يواكبه تنمية اقتصادية وغيرها من تحولات
تدور المجموعة الثالثة من المتغيرات حول الدور الذي لعبته المؤسسات المالية الدولية والذي تجاوز مجرد الضغط من أجل تطبيق برامج التحرير الاقتصادي والتكيف الهيكلي إلى البحث عن فاعلين جدد غير حكوميين يتم التعامل معهم. وبالفعل اتجهت هذه المؤسسات إلى التعامل بشكل مباشر مع المنظمات غير الحكومية بغية سد الفجوة التي تركتها الدولة وإنقاذ ضحايا التحرير الاقتصادي. ولا يفوت في هذه النقطة الإشارة إلى الدور الذي لعبته أيضاً منظمة الأمم المتحدة في مؤتمراتها المختلفة من خلال تأكيدها على ضرورة مشاركة المنظمات غير الحكومية في صنع السياسات وصياغة خطط التنمية.

كل هذه المتغيرات مهدت الطريق إلى تحولات جذرية على مستوى الكم والكيف في أوضاع المنظمات غير الحكومية العربية. فقد تزايد عدد هذه المنظمات بنسب كبيرة في بعض الأقطار العربية مثل مصر واليمن وتونس والجزائر والمغرب. يقدر عدد المنظمات غير الحكومية ـ وفقاً إلى التقرير الذى أصدرته الشبكة العربية للمنظمات الأهلية عام 2003ـ بـ 230 ألف منظمة في عام2002 .
لم تقتصر التحولات على النمو الكمي في أعداد المنظمات غير الحكومية، لكن تجاوز ذلك إلى تحول كيفي يتعلق بأنشطة وفعاليات هذه المنظمات. فقد برز جيل من المنظمات الدفاعية التي تقوم بدور تنويري ونشط في مجال حقوق الإنسان والمرأة والطفل والفئات المهمشة. إلى جانب ذلك وضح الاهتمام بمكافحة الفقر وتبني منهجٍ جديدٍ للتعامل مع هذه المشكلة، يستند إلى فكرة التمكين وليس مجرد تقديم المساعدات الخيرية. كما احتلت قضية مكافحة البطالة مكانة أساسية في بعض الدول العربية مثل مصر والأردن والمغرب من خلال تركيز المنظمات غير الحكومية في هذه البلدان على التدريب والتأهيل والمشروعات الصغيرة. كما ظهرت أنماط جديدة من المنظمات التي هدفت إلى ملء الفراغ الذي تركته الدولة وخاصة في مجالات الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات الاجتماعية (مصر – الأردن). بالإضافة إلى ذلك نشطت منظمات أهلية جديدة في مواجهة ظواهر اجتماعية سلبية مثل عمالة الأطفال وأطفال الشوارع والإدمان، بل وسعت إلى وضع هذه القضايا على أجندة الحكومات في بلدان مثل مصر والسودان والمغرب
خلاصة القول أن هناك مؤشرات إيجابية تمثلت في النمو الكمي في أعداد المنظمات غير الحكومية والنقلة الكيفية في مناهج واقترابات هذه المنظمات في التعامل مع الواقع.
وجدير بالذكر أن هذه التحولات صاحبها خطاب سياسي داعم لهذه المنظمات ودورها في التحول الاقتصادي. بل بدأت إرهاصات بناء شراكة بين المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، والتي كانت أبرز تجلياتها قيام الحكومات بإسناد عديد من المشروعات للمنظمات غير الحكومية لتنفيذها.
ورغم كل ما سبق من تطورات فإنها لا تمثل توجهاً عاماً ولكن مجرد حالات أو استثناءات لم تصل إلى حالة القاعدة العامة، فما زالت التوجهات الخيرية لها الغلبة على نشاط المنظمات الأهلية العربية، فـحوالى نصف المنظمات غير الحكومية العربية يعمل في الأنشطة الخيرية في المتوسط ( في لبنان 53.3 بالمئة وفى سوريا 80 بالمئة والكويت 78.2 بالمئة والسودان 70 بالمئة). في حين لا تزيد المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال التنمية والتي تتبنى فلسفة التمكين عن الربع.
ويمكن القول إن العلاقة المتوترة بين الدولة والمجتمع على مر التاريخ قد لعبت دوراً في تكريس هذا الاتجاه، فالعمل الخيري نشاط لا يثير الحكومات ولا يؤدي إلى مصادمات مع الأنظمة السياسية. وعلى صعيد أخر فهو نشاط يصب في صالح استقرار الأوضاع القائمة من خلال تسكينها والحد من قسوتها. كما أنه لا يرتبط برؤية نقدية لواقع المجتمع وخريطته الطبقية، على عكس الحال في المنظمات الدفاعية والحقوقية وبدرجة أقل المنظمات التنموية والتي تطرح رؤية نقدية للواقع وتسعى لإصلاح السياق السياسي والمؤسسي الذي تعمل فيه وفقاً لاستراتيجيات الجيل الثالث من المنظمات غير الحكومية.
ومع ذلك يمكن رصد بدايات لدور تلعبه المنظمات غير الحكومية في صنع السياسة وبالتحديد السياسات المتعلقة بالرفاهة الاجتماعية.

سادساً: دور منظمات المجتمع المدني العربية في تقديم الخدمات الاجتماعية
بدايات تشكيل منظمات المجتمع المدني تختلف في نشأتها بين دول أوروبا ودول العالم الثالث وبناء على ما سبق ذكره أن هناك اهتمامات وليدة بقضايا الفقر والتهميش الاجتماعي من قبل المنظمات غير الحكومية العربية، يلاحظ أن هذه المنظمات تعمل في مجالات الرفاهة الاجتماعية أما بمفردها وبمعزل عن الدولة تماماً من خلال ما تقوم به من مشروعات مستقلة، أو من خلال شراكة مع المؤسسات الحكومية.
من ضمن الأمثلة الدالة على الحالة الأولى الدور الذي تقوم به المنظمات غير الحكومية في تقديم الرعاية الصحية للمواطنين في بلدان مثل مصر والأردن ولبنان . ففي فلسطين نشطت منظمات المجتمع في تقديم الخدمات الاجتماعية المختلفة في مجال الصحة و التعليم ومكافحة الفقر وخففت نوع ما عن كاهل السلطة الفلسطينية بعض المسؤليات فعلى و في لبنان، فإن المنظمات غير الحكومية تسهم في خفض التكلفة الصحية ما بين 30 بالمئة و40 بالمئة، وفي الأردن تغطي المنظمات غير الحكومية 60 بالمئة من خدمات الرعاية الاجتماعية، وفي مصر يعتمد 14 بالمئة من السكان على الخدمات الصحية التي تقدمها الجمعيات الأهلية . بيد أنه كما سبقت الإشارة في موضع سابق أن هذا النوع من النشاط لا يسعى في الأغلب الأعم إلى إحداث تعديل جوهري في السياق العام سياسياً ومؤسسياً.
أما في الحالة الثانية وهي حالة بناء الشراكة، فإن الأمر يختلف، فالشراكة في أحد أبعادها الأساسية هي إسهام مباشر في عملية صنع السياسة من جانب أطراف عملية الشراكة، كما أنها تسعى إلى تغيير السياق السياسي والمؤسسي العام.
برزت في الآونة الأخيرة نماذج وتجارب للشراكة بين المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية في مجالات عديدة في الوطن العربي، مثل تنمية العشوائيات والتعليم ومكافحة الفقر والتنمية الريفية ومواجهة البطالة وغيرها. فعلى سبيل المثال في قضية مكافحة الفقر أصدرت دول عربية عديدة استراتيجيات لمكافحة الفقر شارك في إعدادها ممثلون عن المجتمع المدني. كما خصت هذه الإستراتيجيات المنظمات غير الحكومية بأدوار محددة.
ففي مصر ظهرت في عام 2003 مبادرة قومية لرعاية الأطفال بلا مأوى (أطفال الشوارع)، حيث تأسست شراكة بين المجلس القومي للطفولة والأمومة وهو مجلس شبه حكومي، وشبكة الجمعيات الأهلية المعنية بوضع استراتيجية متكاملة للحد من الظاهرة. وعلى المنوال نفسه قامت شراكة بين المجلس القومي للمرأة وحوالى 300 جمعية أهلية في مصر لمساعدة المرأة المعيلة لأسر.
سابعاً : تجارب منظمات المجتمع المدني العربية
1 ـ قضية التعليم
لعبت منظمات المجتمع المدني العربية (جمعيات خيرية، ومنظمات غير حكومية، ومؤسسات أكاديمية، الاتحادات والنقابات) دوراً رئيسياً في العملية التنموية و ما زالت قضية التعليم تشكِّل مع مطلع الألفية الجديدة تحدياً ضخماً سواء على مستوى القيد في التعليم الأساسي، أو تكافؤ الفرص بين الجنسين، أو على صعيد مواجهة مشكلات التسرب من التعليم وتحسين نوعيته. تحظى هذه القضية باهتمام عديد من المنظمات غير الحكومية في بلدان عربية مثل مصر ولبنان والسودان وتونس والكويت.
في تونس دخلت بعض الجمعيات الأهلية في شراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة شؤون المرأة في مجال محو الأمية وتعليم الكبار. ففي عام 2000 تم البدء في برنامج وطني برعاية وزارة الشؤون الاجتماعية، يطمح في تخفيض نسبة الأمية الأبجدية من 27 بالمئة إلى 20 بالمئة في عام 2004، وتم تنفيذه من خلال 24 جمعية جهوية و60 جمعية محلية.
في فلسطيين يساهم القطاع الخاص (ويشمل الأهلي) في التعليم الرسمي بنسبة 6.2% من مجموع التعليم في فلسطين إضافة إلى القطاع الحكومي (الذي يساهم بالنسبة الأكبر 68.1%) ووكالة الغوث الدولية – الأونروا (25.7%) كما يساهم القطاع الخاص في الإشراف على التعليم والتدريب وتوفيره في القطاعات التالية بجانب القطاع الحكومي والأونروا، دور الحضانة ورياض الأطفال، ويقتصر هذا القطاع على القطاع الخاص فقط، التعليم الأساسي، التعليم الثانوي الأكاديمي، والمهني، التعليم التقني، التعليم الجامعي، التدريب المهني، التعليم شبه الرسمي.
بدأت في مصر تجربة شراكة بين وزارة التربية والتعليم وبعض الجمعيات الأهلية العاملة في مجال التعليم (174) جمعية بهدف مواجهة مشكلات التعليم المتعددة. هدفَ نموذج الشراكة إلى تحسين العملية التعليمية في المناطق الفقيرة وإشراك الأهالي والطلاب في تحسين بيئة التعليم. ولكي تؤطر وزارة التربية والتعليم هذا النموذج، أُنشئت إدارة بالوزارة للجمعيات الأهلية العاملة في مجال التعليم عام 1999. اضطلعت هذه الإدارة المذكورة بمهام رئيسية من أبرزها إنشاء قاعدة بيانات للجمعيات الأهلية النشطة في مجال التعليم والتنسيق بين هذه الجمعيات وصنَّاع السياسة التعليمية. كما شكلت الوزارة لجنة تنسيقية تضم في عضويتها ممثلي الوزارة وممثلي الجمعيات الأهلية، وعقدت اجتماعاً موسعاً يحدد ملامح هذه الشراكة.
واللافت للانتباه صدور قرارات وزارية تيسر من مهمة الجمعيات الأهلية وتمهد الطريق لها مثل القرار الوزاري رقم 613 لسنة 1998، والذي تم بمقتضاه تعديل تشكيل مجالس الآباء والمعلمين بحيث تضم في عضويتها ممثلاً عن الجمعيات الأهلية النشطة في مجال التعليم، وأيضاً القرار الوزاري رقم 300 لسنة 2000 بشأن مشاركة الجمعيات الأهلية في دعم وإنشاء مدارس الفصل الواحد ومدارس المجتمع. وخلال السنوات القليلة الماضية انعكست هذه الشراكة على المجتمع بوضوح حيث قامت الجمعيات الأهلية في الأحياء الفقيرة والعشوائية بالتعاون مع الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين باستكمال البنية الأساسية لمئات من المدارس ورفع شعار مدرسة جميلة نظيفة متطورة. كذلك قامت مجموعة من الجمعيات بتنفيذ مشروع رفع كفاءة العملية التعليمية في مائة مدرسة حكومية في عدد من المحافظات والتي استهدفت المعلمين في هذه المدارس، فضلاً عن الإمداد بالحواسب الآلية.

2 ـ مكافحة الفقر
بدأت منظمات المجتمع المدني العربية في لعب دور أساسي في مكافحة الفقر والبطالة في العديد منالدول العربية ففي فلسطين تم إنشاء اللجنة الوطنية لمحاربة الفقر وتضم في عضويتها ممثلين عن المجتمع المدني الفلسطيني والوزارات الفلسطينية المختلفة والقطاع الخاص وبعض ممثلي الجهات المانحة. قامت اللجنة بإصدار أول تقرير فلسطيني عن الفقر بدعم من البنك الدولي، ثم قامت بعد ذلك وبدعم من الحكومة البريطانية بإجراء بحث واسع عن الفقر في فلسطين، وتم إصدار تقرير البحث والذي تضمن تقارير جزئية عن الفقر من وجهة نظر الفقراء في 16 محافظة فلسطينية، بالإضافة إلى التقرير الشامل. كما تم تنظيم عديد من ورش العمل في مختلف المناطق الفلسطينية لعرض نتائج التقرير. يُعَد إصدار هذا التقرير عملية مهمة ساهمت في إجراء نقاش جدي بين مختلف الأطراف المؤثرة في عملية التنمية حول الموضوعات الأساسية المتعلقة بالفقر, والأهم من ذلك تم من خلاله وضع أسس إستراتيجية فلسطينية لمحاربة الفقر. ما زالت اللجنة الوطنية لمحاربة الفقر تقوم بعملها للتأكد من أن وزارات السلطة الفلسطينية تأخذ بعين الاعتبار توصيات التقرير وتحاول أن تدمجها في سياساتها العامة وخاصة وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والصناعة والاقتصاد.
وجدير بالذكر أن هناك عديد من الجمعيات الأهلية النشطة في لبنان في مكافحة الفقر وتسعى إلى توفير شبكة تأمين للفقراء ومشروعات مولدة للدخل. كما تتفق الجمعيات الأهلية مع الحكومة في تحديد بعض معوقات التنمية في لبنان، ولكنهما تختلفان في تحديد الأسباب والمسؤوليات والخطوات الواجب تنفيذها. وفي محاولة لتعزيز التقارب بين القطاع الأهلي والمجلس النيابى، يجرى دورياً تنظيم ندوات في البرلمان اللبناني تحت عنوان ترتيبات التعاون بين مجلس النواب وهيئات المجتمع المدني. وتهدف الندوات إلى تعزيز علاقة المواطنين بمجلس النواب وإتاحة الفرصة أمام الجمعيات الأهلية في طرح المشكلات . وقد شهد عام 2003 في بيروت إطلاق تقرير لبنان حول الأهداف الإنمائية للألفية من مبنى الأمم المتحدة هناك. هذا فضلاً عن عدد من أوراق العمل والمنتديات والأنشطة التي نظمتها وكالات الأمم المتحدة العاملة في لبنان والمؤسسات الحكومية والقطاع الأهلي للإحاطة بموضوع التنمية والفقر، ووضع خطوات واستراتيجيات واضحة للتعامل مع هذه القضية.

في تونس – ووفقاً للقانون الأساسي رقم 67 لسنة 1999- والمتعلق بالقروض الصغيرة، سمح لعديد من الجمعيات التونسية في إطار علاقة شراكة مع البنك التونسي للتضامن إسناد قروض صغيرة للفئات ضعيفة الدخل من أجل تحسين ظروف حياتها. ويبلغ عدد الجمعيات الحاصلة على تراخيص من وزارة المالية لتنفيذ هذا البرنامج 69 جمعية تستهدف مناطق متعددة من الجمهورية التونسية.

3 ـ الصحة
في فلسطين يمتلك قطاع الجمعيات الأهلية العديد من المستشفيات والمراكز الصحية التي تقوم بتقديم خدمات الرعاية الصحية للمواطنين وقد كانت تجربة رائعو لهذه الجمعيات في تحمل جزء مهم في تحمل تقديم خدمات صحية ذات جودة عالية نوع ما،و في لبنان 700 مركز صحي من أصل 800 موجودين على الأراضي اللبنانية. وترى وزارة الصحة أن التعاون مع القطاع الأهلي لتنفيذ البرامج الوقائية قد أثبت فعاليته، مما يعني أهمية تعزيز هذا التعاون واعتبار العلاقة المتجسدة بعقود مع مراكز المؤسسات الأهلية بادرة تستحق الدعم.
وفي إطار تعزيز التوجه الجديد لوزارة الصحة بالانخراط في استراتيجية الرعاية الصحية الأولية أقرت الوزارة عام 1996 وبالتنسيق مع البنك الدولي إجراء عقود مع المؤسسات الأهلية، فأطلقت الاستراتيجية الوطنية للإعاقة الصحية الأولية بمشاركة مختلف القطاعات الصحية الوطنية الرسمية والأهلية والخاصة. وتم إجراء عقود مع 30 مركزاً صحياً منها 20 مركزاً تابعاً للقطاع الأهلي و10 تابعة لوزارة الصحة. وفي مصر تنتشر المئات من المراكز والمستشفيات ودور الرعاية الصحية في مختلف المحافظات المصرية وهذه الخدمات الصحية المقدمة من هذه الجمعيات تصل خدماتها الي 25% من اجمالي الخدمات التي تقدمها وزارة الصحة. وقد أتبث هذه المنظمات فعاليتها في تقديم هذه الخدمات للمواطنين مما خفف علي الحكومة جزء كبير من هذه الخدمات.

خاتمة
بدأت كثير من الحكومات بإسناد جزء من مشروعاتها للمنظمات المجتمع المدني، وتدريجياً بدأت إرهاصات بناء شراكة، ولكنها ما زالت قليلة ومحدودة وتفتقر إلى الإطار المؤسسي المنظم لها، والذي يجعل دور منظمات المجتمع المدني يتجاوز مجرد تقديم الخدمات إلى فاعل أساسي ومحوري في عملية صنع السياسات وتنفيذها وتقويمها وقد بدء المجتمع المدني بالقيام بعديد من الوظائف وعوضت انسحاب الدولة من عديد من مجالات تقديم الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والصحة ومواجهة الفقر والبطالة وغيره. بل تدريجياً. كما أن هذا الإطار المؤسسي يجب أن يعترف باستقلال المنظمات غير الحكومية ويقبل تمثيلها في أجهزة صنع السياسة.
أدت التغيرات العالمية الي بروز دور جديد للمجتمع المدني في صنع السياسات العامة والخاصة وكان مم أهم هذه التغيرات ظهور دولة الرفاهة الاجتماعية والعولمة والمنظمات الدولية الكبري، وأيضاً بما طرأ من تحولات على الدولة الرعائية في الوطن العربي وبخاصة منذ الثمانينيات، وما صاحب ذلك من إعادة النظر كلية في مفاهيم التنمية الكلاسيكية وأيضاً في دور الدولة.
كما كانت التغيرات الجذرية التي لحقت بالنظام العالمي من حيث هيكله وديناميات عمله وطبيعة العلاقات بين الفاعلين المختلفين، لها تأثيراتها الضخمة على إعادة النظر في أدوار كل من الدولة والمجتمع المدني.
وقد امتدت هذه التأثيرات إلى العالم الثالث ومنه العالم العربي في الوقت الذي كان فيه هذا العالم غير مهيأ للتفاعل مع هذه التحولات. فقد تلقى العالم العربي هذه التأثيرات والضغوطات وهو يمر بأزمة خانقة اقتصادياً وخاصة في دوله غير النفطية، وفي ظل عدم قدرته على حسم إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.
في هذا السياق كله برزت المنظمات غير الحكومية كفاعل رئيسي في التنمية على الصعيد العالمي. وقد التزمت دولياً كثير من أقطار الوطن العربي بضرورة إشراك المنظمات غير الحكومية في صنع السياسات العامة خاصة الاجتماعية.
لم تكن الدولة العربية هي الوحيدة التي تواجه مأزق التفاعل مع هذه التحولات، بل أيضاً المنظمات غير الحكومية التي وجدت نفسها فجأة وبدون تمهيد مطالبة بسد الفراغ الذي انسحبت منه الدولة في مجالات الإنفاق الاجتماعي. فهذه المنظمات في أغلبها خيرية إحسانية، فضلاً عن ضعف الأطر المؤسسية والقدرات والمهارات التنظيمية لدى هذه المنظمات. فلم يكن موجود إلا القليل من المنظمات غير الحكومية التي هي على دراية بالتغيرات التي طرأت على مفاهيم وآليات التنمية. وعلى صعيد أخر فقد كانت الأطر القانونية (وما زالت في كثير من أقطار الوطن العربي) مقِيدة لحركة المجتمع المدني ومنظماته الحكومية نتيجة أزمة الثقة القائمة بين الطرفين. فالعلاقة بين المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في الوطن العربي لم تقم أبداً على أساس الاعتماد المتبادل. اذن فالعلاقة تقوم علي عدم الثقة بين الطرفين نتيجة لعوامل عدة منها لم يتطور مستوي إدراك طبيعة و أهداف العلاقة بين الطرفين وجزء كبير منها يعمل بمعزل عن الآخر ولم تترسخ إضافة الي أن جزء من هذه المنظمات يعمل تحت تأثر قوي وأحزاب سياسية رافضة لسياسات الحكومة وبعض هذه المنظمات ما وال يعمل بالمفهوم القديم في الاغاثة والإحسان ولم يتبلور المفهوم التنموي لهذه المنظمات .

المراجع والمصادر
1- محمود الفاتح العبيدي، منظمات المجتمع المدني النشأة الآليات وأدوات العمل وتحقيق الأهداف ، الحوار المتمدن، العدد 2724.
2- مصطفى كامل السيد، مفهوم المجتمع المدني والتحولات العالمية ودراسات العلوم السياسية، سلسلة بحوث سياسية (1995)، القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية، 1995
3- هويدا عدلي، المجتمع المدني العربي والتحول الديمقراطي، فصلية الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، صيف 2002
4- التحول الديمقراطي في بولندا في مصطفى كامل السيد (محرر)، شرق أوربا بعد انتهاء الحرب الباردة، تحولاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة القاهرة، مركز بحوث ودراسات الدول النامية، 2004

5- عبد الرحيم أحمد بلال، منظمات المجتمع المدني وتحديات التنسيق والتشبيك ( مسودة للنقاش)، مركز المرأة للسلام والتنمية، قاعة المؤتمرات وزارة الرعاية الإجتماعية، الخرطوم ، السودان 26 – 02 – 2009

6- د.أسامة بدير وسامى محمود ، منظمات المجتمع المدنى وتنمية الريف، مركز الأرض لحقوق الانسان سلسلة المجتمع المدنى العدد رقم (24) القاهرة ابريل

7- اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، دور المنظمات غير الحكومية العربية في تنفيذ توصيات المؤتمرات العالمية وفي المتابعة المتكاملة لها، الأمم المتحدة، نيويورك، 2000
FISHER, OP.CIT
15- أسامة عباس، المجتمع المدني والتنمية، مؤتمر التنمية افاق وطموح،جامعة اليرموك، ورقة عمل مقدمة لدور المجتمع المدني في التعليم النظامي في دمشق، 2001، ص8 نسرين سعد الله المرأة والعمل التطوعي في المجتمع المدني، رسالة دكتورة، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1999، ص87.
17- لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، كيف تؤثر المنظمات الأهلية في السياسات عن طريق البحث والضغط والدعوة، القاهرة، مركز البحوث العربية

18- عزمي بشارة، المجتمع المدني، دراسة نقدية مع إشارة إلى المجتمع المدني العربي، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، ص 14-15
19- ياسمين عبد الحميد، دور المجتمع المدني المصري في تحقيق التنمية والمشاركة الاجتماعية، رسالة دكتورة منشورة، جامعة القاهرة 203، ص212
20- محمد نهرين، دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية الشاملة في الجزائر،،جامعة بسكرة، ا2006 ، ص8
21- علياء شكري شكري، الامم المتحدة ودورها في تصاعد المجتمع المدني، ورقة علمية مقدمة لمركز دراسات المرأة العربية،جامعة المنيا 1998،ص 12.
22- محد حسان، العولمة والاعلام طريق مجهول، المركز العربي للدراسات والابحاث، دمشق،2002، ص 5
23- سلمي حسين، المجتمع المدني مفهوم تنموي، تجربة منظمات المجتمع المدني التونسي في تحقيق التنمية، تونس، 1997، ص88
24- سمير حسين، العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني تناقض ام تكامل تجارب العالم العربي، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة ام القري، السعودية، 2001، ص 177
25- مني ابو يوسف، دور المجتمع المدني في صنع السياسات الاجتماعية، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الاسكندرية، كلية الاداب 1996، ص 211
26- سليم عبد الله، دولة الرفاهية الاجتماعية، السويد نموذج، مقالة في الحوار المتمدن،2007.


الدكتور
أدهم عدنان طبيل



مواضيع ذات صلة