2017-12-13الأربعاء
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.509
دينار اردني4.96
يورو4.081
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.936
درهم اماراتي0.956
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-04-11 04:19:20

سيرة في المكان: بيت لاهيا

من اسمها، وحيث لكل من اسمه نصيب، ربما نتعرف على كنه ذاتها وماضيها أو قصتها، إذا كانت كتب التاريخ أو قصص الأقدمين لا تحدثنا الشيء الكثير عنها، ولم يكن اله قديم أو حروب قد ارتبطت ذكراهم بها، كما لا يزال يشير إلى ذلك حاضرها الذي يجعل منها اليوم كما لو أنها القطعة الأخيرة من الأرض التي حباها الله برحمته، من هذا المجاز الساحلي الضيق من فلسطين، والتي تذكر الإنسان بعذرية المكان الأول، وأن هذا الساحل الذي يحاذي البحر بخضرته ربما كان في الأصل هو موطن جنة عدن، قبل أن يغزو العمران الذي لا يتوقف عن التمدد آخرَ ما تبقى من هذا المشهد الجميل، حيث تبدو هذه القرية كما لو أنها اليوم تجسيده الأخير.

هل كانت إذن موطناً لآلهة قديمة غامضة لا نعرف عنها ولو الشيء القليل، إلا ما يستدل به تأويلنا من تماهي الاسم  مع تحريف قليل بالطبيعة الساحرة للمكان، إذا ما كان لتفاحها التي اشتهرت به على مر الأزمان ووردها المشتق من الجوري البلدي والياسمين، أن يغري تلك الآلهة القديمة اتخاذها موطناً لإقامتها كما اتخذ آلهة بافوس القديمة ماخوس وأفروديت موطنهم بين كروم العنب، كي يصنع ماخوس هذا اله الخمر والحب نبيذه ويقدمه شراباً لرعاياه في معبده الذي لا تزال أطلاله باقية إلى اليوم.
ولكن هذه الآلهة ما كانت لتحب المجون والخمر، فلم تشأ أن تشيد هذه المعابد لتقيم فيها حفلات المجون، وكانت أقرب في مزاجها ومسرتها إلى التماهي مع عذرية المكان في طبيعته الخلابة ونقاء بكارته الأولى، ولذا لم تشأ أن تخدش حياءه بأن تفسد طبيعته بما تخلفه وراءها من آثار.
لقد كانوا آلهة على مزاج وخلق أحفادهم الذين واصلوا العيش والبقاء فيها بطبعهم غير المتجهم، وإنما المنبسط كانبساط أرضهم أكثر ميلاً إلى الطيبة وروح الدعابة والضحك، وقبل ذلك الكرم ومساعدة الغرباء، كتفاحهم البلدي الذي تمتزج حموضته وحلاوته بلونيه الأحمر والأخضر في تعادل متوازن ومعتدل، وعلى نحو بديع وخلاق في حسن مذاقه، قبل أن يتحولوا إلى زراعة الفراولة، التوت الأرضي الأحمر، ويصدرون منه إلى أوربا ويصبح أفضل توت أرضي مذاقاً تنبته أرض في العالم، فهل كانت بطيب أرضها ونقاء هوائها وعذوبة مائها وجمال نسائها بامتزاج كل ذلك بالنسل دلالة في تأويل ثان على أنها كانت بالأصل اسماً على مسمى ومكاناً للمسرة والفرح واللهو؟
وحيث لا يزال إلى يومنا هذا يحتفظ أهلها بنفس الطقوس القروية القديمة في فلسطين، في ممارسة أفراحهم بنصب العرائش أو الكوشات على الأرض، دون الذهاب إلى إقامة هذه الأفراح في الصالات المدينية الغزية، وحيث يشارك كل أهل القرية تقريباً والذين يعرفون بعضهم البعض ويرتبطون في علاقات اجتماعية وطيدة من المصاهرة والأنساب، وهنا تمتزج دبكات الرجال في الساحات على وقع الأهازيج الشعبية القديمة «يخلف على أبو محمد يا عم حسين».
أم كانت لاهية هذه بالأصل أُمّاً كبرى، أُمّاً أولى في زمن أقدم عصراً يمتد إلى حقبة الحق الأمومي أو الآلهة الأم وبقيت لغزاً كلغز عشتار وتعامة وأفروديت الإغريقية؟
ولكن بخلاف قريناتها، فإن لاهية تلك كانت تمثل استثناء  وخروجاً عن القاعدة، بأن قصتها لم ترتبط بذكرى الابن القتيل تموز وأدونيس، وإنما كانت خلفتها من الإناث حتى كأننا نشتق من اسمها أجزاءها الثلاثة المكونة لها: الشيماء والحطبية والمنشية، صورة عنها وعن أنثوية المكان، وقد يبدو هذا التأويل فنتازياً ما فوق الواقع، حين نتأمل في هذا التأويل أعمق قليلاً، انطلاقاً من لعبة الأسماء، كيف أن هذه القرية هي التي تحتفظ باسمها المؤنث، بينما البلدات والقرى التي تحدها تحتفظ بأسماء ذات دلالة ذكورية، كبيت حانون ودير سنيد اللتين تحدانها من الشرق والشمال.
والواقع إننا نعرف أن بيت حانون، التي تحدها من الشرق، بأن اسمها مشتق من زمنٍ أحدث ارتباطاً بحانون الذي يشير اسمه إلى أصل كنعاني، أما دير سنيد التي تحدها شمالاً فربما ارتبط اسمها بذكرى قديمة، تعود إلى زمن الصليبين، وأن سنيد هذا ربما كان راهباً أو قديساً.
إلى بيت لاهيا سوف تكون محطة محمد علي الأولى بعد هجرته من قريته دير سنيد، ويقال هنا إن السنايدة مكثوا في بيت لاهيا نحو سنة؛ ليبقوا على مقربة من قريتهم على أمل العودة إليها، وظل محمد علي يروي القصة بعد ذلك، بأن المزارع اللاهواني طيب الذكر، الذي أحسن ضيافته مع زوجته وأولاده الثلاثة، ألح عليه أن يمنحه أرضاً من أرضه يفلحها ويزرعها، ويقيم بين ظهرانيهم، لكن محمد علي الذي لم يعمل مزارعاً في دير سنيد، وكان بناءً أقرب في موهبته إلى الهندسة والمعمار فضل الذهاب إلى غزة، أما سرية زوجته فإن القصة التي ظلت ترويها كيف أنها في اليوم الأول لوصولهم لبيت لاهيا، لم تذق طعم النوم حين اكتشفت بأنها نسيت في حمأة فوضى هذه الهجرة، نسيت مصاغ ذهبها في بيتهم في دير سنيد، وخشيت أن يعلم محمد علي بالأمر، وأسرت إلى إخوتها وأبناء عمومتها بالأمر، وذهب يوسف ابن عمها وأتى بالمصاغ، ولكنهم في واقعة أخرى مماثلة ذهب زوج أختها مريم ليسترجع بعض أشيائهم، ولم يعد، وظلت مريم المترملة تنتظر عودته حتى موتها، ولم تصدق بعض الروايات التي قالت، إن الإسرائيليين قتلوه وألقوا به في بئر القرية.
وفي ليلة كنا نجالس فيها ياسر عرفات، ثلاثتنا أو أربعتنا، نبيل أبو ردينة وأنا وثالث ربما لم يحضرني تذكره الآن، كان عرفات في مزاج قلق ومترقباً لنتائج الانتخابات الإسرائيلية عام 1996، ولكن مسحة عاطفية ووجدانية كانت ربما تختلط بها مشاعره، حين أخرج فجأة نظارته كبيرة الإطار في تصميمها، والتي تمتد إلى موضة قديمة تذكرك بزهد الرجل وتقشفه، مسح عدسات نظارته بطرف سترته الخضراء العسكرية، ثم واصل حديثه، كيف انه اتخذ من أحد البيوت في بيت لاهيا قاعدة ومخبأً له بعد تسلله إلى غزة مباشرة بعد حرب 1967. سألت عرفات إن كان البيت لا يزال موجوداً، فأجاب بالنفي قائلاً، إن جميع بيوت هذه القرية كانت آنذاك مبنية من الطين، سوف يذهب عرفات بين الحين والآخر بعد أن أقام سلطته هذه المرة في غزة لزيارة القرية، ويتذكر اللاهوانيون إلى اليوم كيف كان يلتقي مع رجالاتها ومن بينهم أبو نضال المسلمي، أحد القادة البارزين في حركة القوميين العرب زمن الستينيات وخطيبها المفوه في غزة، وبعد ذلك أحد قيادات الجبهة الشعبية.
لكن أخي حسن هو من سيذكرني بأن أبو نضال كان من بين مجموعة النشطاء اللاهوانيين، الذين طرقوا بيتنا ليلاً في مخيم الشاطئ، القريب من البحر خلال حرب 1967، وأذن لهم أبي بالدخول، وكانوا يحملون معهم التفاح اللاهواني، وبعد وقت استراحوا فيه من عناء مشوارهم الطويل، سارت أمامهم ليلاً سرية تكشف لهم الطريق إلى الشاطئ، ومن هناك استقلوا زورقاً تحت ظلمة الليل وتوجهوا إلى لبنان، لقد أدركوا بعد احتلال غزة أنهم يمكن أن يعتقلوا أو يقتلوا حيث كانوا نشطاء معروفين.
لم أشأ أن أذكر الرجل بهذه الواقعة حين التقيت به بعد ذلك للمرة الأولى في بغداد، ولكن الخطيب القومي ملهب الحماس قد رحل الآن وحل مكانه خطيب آخر، ولكن هذه المرة بعد الخطيب القومي العروبي من آل مسلم المزارعين، الخطيب الإسلامي الحماسي من آل المصري كما رحل عرفات ومحمد علي وحلت مكان البيوتات الطينية البيوت الحجرية، ولكن البلدة رغم هذا التغيير لا تبدو كما لم تكن من قبل معقلاً لحماس أو حتى لأي فصيل آخر. إذ ينشغل المزارعون من آل مسلم وأبو حلوب وغيرهم من العائلات اللاهوانية، كل مساء، حين يجتمعون في عرائشهم بإحصاء ما ألحقته الحرب الأخيرة من خسائر في مزارعهم، ويفكرون بما هو الأنسب من ثمار وفواكه لزراعتها في الموسم القادم .
وبينما فضل محمد علي الإقامة في غزة فإن وائل حفيده الذي تزوج من نسيبة اللاهوانية، وأنجبا معاً هدلاء وجهاد، قررا البقاء فيها، وإلى هناك لا تتوقف روحي عن اللهفة في الفرار إليها هروباً من زحمة وضجيج المدينة، كي أعاود الحنين إلى صباي بالجلوس على الرمل تحت ظل أشجار لا تزال هناك تظلل بفيئها عناء الروح، وبينما ننهمك في لعبنا على الرمل أنا وهدول حفيدتي كأطفال صغار، تبدو ضحكات النساء والرجال المجتمعين من حولنا حول كؤوس الشاي كأنما هو الصدى الأخير المنبعث من فرح المكان الأول.

حسين حجازي
11 نيسان 2015


مواضيع ذات صلة