2017-11-22الأربعاء
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.509
دينار اردني4.96
يورو4.081
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.936
درهم اماراتي0.956
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-04-17 09:06:55

"جان جينيه" فِدائياً فلسطينياً!

ليس هذا إفراطاً في توصيف أحد أهم الكتّاب الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين. عرفتْ الثورة الفلسطينية، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كتّابا فلسطينيين وعربا كانوا فعلاً فدائيين، بعضهم حمل السلاح إلى جانب القلم وبعضهم شارك في العمل الفدائي من خلال صحف وإذاعات الثورة، منهم أسماء صارت أمثلة على المشاركة في العمل الفدائي من خلال الكلمة، أبرزهم قد يكون غسّان كنفاني الذي لم يرضَ أن يحمل سلاحاً، رغم إلحاح وديع حداد عليه في السنوات الأخيرة قبل اغتياله في ١٩٧٢. كتّاب عديدون شاركوا في الثورة من خلال ما كتبوه أثناءها وبعد تشتّتها في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تحوّل شكلها ومكانها وطبيعتها مع انتفاضة الحجارة، والشكل والمكان، والطبيعة مستمرّة في التحوّل إلى يومنا هذا.
ليست المشاركات "الأجنبية" في العمليات الفدائية الفلسطينية في تلك الفترة، كأفراد ضمن التنظيمات أو كمجموعات مستقلة مشاركة في العمل، عملاً تضامنياً، كما يمكن أن تكونه أعمال أخرى كالمظاهرات والمقاطعة وغيرهما، بل هي أعمال في صميم النضال الفلسطيني، في متنه، هي أعمال يقوم بها فلسطينيون كمعنيين أساسيين بالقضية وبأساليب النضال المباشرة. وبالقياس على ذلك نقول بأن الأعمال الثقافية، أدبيّة وفنّية، هي كذلك يمكن أن تأخذ صيغة التضامنيّة، كانحيازات أخلاقية وسياسية لهذه القضية، من دون أن تكون همّاً أساسياً لصاحبها. لكن هنالك ما كان، ثقافياً، عملاً تشاركياً في النضال، من داخله، زمانياً ومكانياً، كان للفدائيين في حينها هويّات وقوميّات مختلفة، وكانت أساليبهم في المشاركة في العمل الفدائي مختلفة كذلك، القلم لديهم كما السلاح لدى آخرين، أحد هؤلاء كان المسرحي والشاعر الفرنسي جان جينيه.
في الخامس عشر من هذا الشهر تحلّ الذكرى التاسعة لوفاة جان جينيه الذي رحل وحيداً في غرفة في فندق في باريس، حيث كان يعيش. وجينيه الذي كان مختلفاً ومحرّضاً في سيرته كما في أعماله ومواقفه السياسية، عاش حياة متشرّد، لقيط، مثليّ، ثوريّ، ملحد، وبالتوافق مع كلّ ذلك: كاتب تجمع نصوصه بين الحساسيّة والثوريّة والتحرّر من الأشكال والمضامين الموضوعة مسبقاً. ولأنّ الكتابة عن أحد "موضوعات" جينيه، في حياته كما في كتاباته، سيجرّ حتماً إلى غيرها وغيرها، سأحاول حصر هذه الأسطر في ما يقوله عنوانه، جان جينيه والفلسطينيون، جان جينيه مشاركاً في العمل الفدائي من خلال نصوصه.
تلقى جينيه في عام ١٩٧٠ دعوة من منظمّة التحرير لتمضية ثمانية أيام في المخيمات الفلسطينية في الأردن، لتصير الأيام الثمانية ما يقارب السنتيْن، وصفها جينيه بأنّها "المدّة الأكثر إبهاجاً في حياته". في تلك المدّة اكتشف فيها الفلسطينيين الذين قال بأنّه لم يكن يعرفهم قبل ذلك، إلا من خلال الصحافة الفرنسية. بعد هذه المدّة طُرد من الأردن لوقوفه مع الفلسطينيين في فترة صراعهم مع النظام، وارتكاب الأخير مجازر أيلول الأسود، فلجأ، كأنّه فلسطيني، إلى المخيّمات في بيروت.
كانت تلك الفترة الأولى التي أمضاها جينيه بين الفلسطينيين، أمّا الفترة الثانية فكانت في سبتمبر/أيلول عام ١٩٨٢، حيث رافق ليلى شهيد كمسؤولة في مجلّة "الدراسات الفلسطينية" إلى مخيمات لبنان، رغم إنهاكه بسبب العلاج من مرض السرطان. في اليوم التالي من وصوله قُتل بشير الجميّل، ثمّ حوصر المخيّم من قبل الدبابات الإسرائيلية وتم ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا، من قبل "القوّات اللبنانية" في منتصف الشهر ذاته. بعد ثلاثة أيام من المجزرة، استطاع جينيه دخول المخيّم مع ليلى شهيد ليرى "موتى بعيون مفتوحة وجرحى مرعوبين تُركوا بدون علاج"، احتاج جينيه لأشهر تفصله عن هذه المشاهد كي يكتب لمجلّة "الدراسات الفلسطينية" شهادته/نصّه الطويل المعروف، "أربع ساعات في شاتيلا"، النص الذي قال فيه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا بأنّ "الدفن الوحيد لهم (لضحايا المجزرة) هو نصّ جان جينيه".
بعد ذلك بأشهر، في أكتوبر/تشرين الأول عام ١٩٨٣، شرع جينيه في كتابة ما سيصير أحد أبرز النصوص الأدبيّة التي تحكي عن الثورة الفلسطينية والفدائيين، عنوانه "أسير عاشق" وصدر بنسخته الفرنسية في ٦١١ صفحة. يقول جينيه بأن "كل ما لم يكنه هذا الكتاب صار بعيداً عنه (أي عن جينيه)". سلّم مخطوط الكتاب لدار غاييمار في الأيام الأولى من عام ١٩٨٦، ليصدر بعد شهر من وفاته. في الكتاب ذكريات مختلطة عن الأشهر التي قضاها جينيه في المخيّمات بين الفلسطينيين، في الأردن في أوائل السبعينيات وفي بيروت في أوائل الثمانينيات. وفي عام ١٩٨٤ يعود إلى مخيّم إربد باحثاً عن العائلة الفلسطينية التي سكن عندها، لإتمام مقاطع في الكتاب.
لكن لم يكن كل ما كتبه جينيه فلسطينياً هو شهادته عن مجزرة صبرا وشاتيلا وكتابه الأخير، بل سبقتها نصوص عدّة جُمعت وغيرها في كتاب صدر عن دار غاييمار كذلك بعنوان "العدو المُعلَن" وهي نصوص ومقابلات مُختارة تعود للفترة ما بين ١٩٧٠ و١٩٨٣، تناولت مواضيع عدّة تخص التزام جينيه السياسي، منها نص بعنوان "الفلسطينيون" كُتب في شهر أيار/مايو عام ١٩٧١ كتعليق على صور لفلسطينيين في المخيّمات الأردنية ضمن مجلّة "زوم" المتخصّصة بالفوتوغرافي، كتب فيه عن الفدائيين والثورة الفلسطينية وأعدائها بما فيها الرجعية العربية محدّداً النظام الأردني، حكى فيه عن مشاكل أوروبا مع اليهود وإلقائها على الشعب الفلسطيني، قال بأن الفلسطينيين حملوا السلاح للعودة إلى بلادهم التي طُردوا منها، عودة قد تحتاج لثورة تعم البلاد العربيّة كي تتحقّق. هذا نص يحكي فيه الحالة والضرورة التي تَشكّل بها الفدائي الفلسطيني، كما شاهدهم وكما عاش بينهم وشاركهم يوميّاتهم في قواعدهم، ينهي النص قائلاً "غاية هذه الصور هو فهم أفضل للفلسطينيين، وتحديداً الفدائيين، وإن أردنا فعلاً فهمهم، ليست هنالك غير طريقة واحدة: النضال معهم، النضال مثلهم".
نصوص أخرى يحويها الكتاب كـ "نساء جبل حسين" الذي يحكي فيه عن أربع نساء فلسطينيات مسنّات يعددن الشاي على الفحم، مرّ بقربهن فعزمنه وجرى حديث بينهم. نص آخر يحكي فيه عن حبّه وإعجابه بالفدائيين وتحليله لهذه الظاهرة نفسياً واجتماعياً وسياسياً، عنوَنه بـ "بالقرب من عجلون" وقد كتبه إثر تنقله بين قواعد الفدائيين في عجلون بين عامي ١٩٧٠ و١٩٧١ حيث "عشنا تحت الخيم وتحت الشجر". يلحقه في الكتاب "أربع ساعات في شاتيلا" ثم لقاء صحافي طويل أجري أثناء مشاركته في فيينا في إحياء الذكرى الأولى لمجزرة صبرا وشاتيلا. ركّز الحوار على علاقة جينيه بالفلسطينيين وقضيّتهم وأسباب دعمه لهم، يقول رداً على سؤال بأنّه "لن أستطيع مساعدتهم كثيراً لأنّ رجلاً في الثالثة والسبعين من عمره لن يستطيع كثيراً مساعدة شعب فتيّ وثائر، لكن في النهاية، وضمن الحدود التي أستطيع بها مساعدتهم، سأفعل".
اقترن اسم جينيه بالفلسطينيين، كي لا أقول بفلسطين، اقترن بأهالي المخيّمات وبالفدائيين، لا بالقضيّة كمفهوم مجرّد وغائم، بل بأصحاب هذه القضيّة وأهلها الذين أحبّهم، رجالاً ونساءا متغزّلاً بكليهما، وعنوَن كتابه عنهم بالأسير العاشق، اقترن اسمه بهمومهم وثورتهم "الحديثة" و "التحرّرية" و "التنويريّة للعرب خارجها" كما قال، اقترن بهم وهو القائل بضرورة النضال لا معهم فحسب من أجل فهمهم، بل النضال مثلهم، وهذا ما فعله في المخيمات وقواعد الفدائيين، وهذا ما يجعل جان جينيه فدائياً مثلهم، فدائياً حين يُسأل عن سبب مساعدته للفلسطينيين يعلّق "يا له من سؤال غبي، هم ساعدوني كي أحيا".

إعلامي فلسطيني

سليم البيك

 



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورجلساتالحوارالفلسطينيفيالقاهرةبإشرافالمخابراتالمصرية
صورالامطارفيقطاعغزة
صورأجواشتويةماطرةفيمدينةخانيونسجنوبقطاعغزة
صورطلبةعالقونبغزةيحتجونأماممعبررفحللمطالبةبسفرهم

الأكثر قراءة