2017-06-27الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.511
دينار اردني4.956
يورو3.962
جنيه مصري0.194
ريال سعودي0.937
درهم اماراتي0.956
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-05-10 03:03:31

استخلاصات أساسية من الانتخابات البريطانية

قبل أيام جرت الانتخابات العامة في بريطانيا في الموعد المُقرر، بعد خمس سنوات على وجود حكومة ائتلافية جمعت حزبي المحافظين والليبراليين الديمقراطيين، وكانت برئاسة ديفيد كاميرون.

وككل انتخابات في الدول ذات الأنظمة السياسية الديمقراطية، وبريطانيا أعتقها، جرت الانتخابات بشكل انسيابي يسير: حملة انتخابية منتظمة وهادئة، يوم انتخابات سار كالعادة بشكل انسيابي بدون مشاكل، وإعلان نتائج بصورة رائقة وراقية، واستمرت الحياة على وتيرتها قبل وأثناء وبعد هذه الانتخابات، رغم نتائجها المثيرة.
وقد يُستخلص من هذه الانتخابات، ومثيلاتها في دول ديمقراطية أخرى، بعض الدروس التي يمكننا الاستفادة منها، وتبرز خمسة دروس رئيسية يمكن باقتضاب شديد تلخيصها بالتالي:
أولاً، تقبّل تغيّر الخارطة السياسية: يوجد قناعة عامة مستتّبة في النظم الديمقراطية أن الانتخابات هي الوسيلة ليس فقط لتشكيل النظام السياسي، وإنما أيضاً لإعادة تشكيله، لذلك، عند حدوث انقلاب في الخارطة السياسية، كما حدث في الانتخابات البريطانية (فوز حزب المحافظين بالأغلبية، تراجع حزب العمال وخاصةً في أسكتلندا، حيث خسر 40 من 41 مقعداً حصل عليها في الانتخابات السابقة، انهيار حزب الليبراليين الديمقراطيين من 57 إلى 8 مقاعد، واكتساح حزب القوميين الأسكتلنديين للمقاعد في أسكتلندا من 6 إلى 56 مقعداً).
يجري تقبّل النتائج بكل أريحية، لا مظاهرات احتفالية استفزازية، ولا مظاهرات احتجاجية، ولا إطلاق نار، أو وعيد وتخريب وتشكيك وتخوين، فالانتخابات في هذه النظم ليست حدثاً يمكن أن يكون منقطعاً، وإنما عملية تتكرر بمواعيد ثابتة لا يستطيع أحد التلاعب بها، لذلك الرابح والخاسر لا يتأبدان في موقعيهما، بل هناك دائماً جولات قادمة، وإمكانية التغيير والتبديل.
يتم "استخلاص العبر" من الانتخابات الحالية، والاستعداد للانتخابات القادمة، وتجري الحياة السياسية بانسيابية.
ثانياً: عدم التعويل على استطلاعات الرأي المسبقة: أثبتت انتخابات عديدة، آخرها الانتخابات البريطانية، التي كانت تدلل دائماً على وجود تقارب شديد بين الحزبين الرئيسين، أن استطلاعات الرأي المسبقة ليست موثوقة، ولا يجوز الاعتماد عليها كأساس لاتخاذ قرارات بالتوجه نحو الانتخابات من عدمه.
في الرأي العام، يوجد دائماً "أغلبية صامتة" لا تعرب عن توجهاتها الانتخابية، وهناك دائماً المترددون حتى آخر لحظة، لهذا السبب، لا يجوز توقع نتائج أي انتخابات بالاستناد إلى مثل هذه الاستطلاعات، ولا يجوز أيضاً بناء الموقف من اجراء الانتخابات بناء على التوقعات الاستطلاعية. إن الاستطلاعات المفيدة في استقراء النتائج هي الاستطلاعات اللاحقة، والتي تجري على بوابات الخروج من المراكز الانتخابية للناخبين بعد الإدلاء بأصواتهم.
ثالثاً، تحمّل مسؤولية خسارة الانتخابات: في النظم الديمقراطية الحقيقية تتحمل القيادات خسارة أحزابها للانتخابات، وتتنحى لتفسح المجال أمام قيادات جديدة تحلّ محلها، فترميم الخسارة لا يتم من قبل الخاسرين، بل من خلال تغييرهم، وهذا التغيير لا يحتاج إلى انقلاب أو ثورة عليهم، لأنهم هم الذين يُحملّون أنفسهم مسؤولية ضعف نتائج أحزابهم، ويستقيلون.
الأحزاب هي الثابتة، وقياداتها متحركة، وليس العكس، رئيس الحزب هو في خدمة الحزب، ويستمر طالما يحقق الانتصارات لحزبه، وليس الحزب في خدمة رئيسه الثابت والمستمر دائماً.
لقد أطاحت نتائج الانتخابات البريطانية بثلاثة رؤساء أحزاب بشكل فوري، فلم يمض على إعلان النتائج سوى سويعات حتى خرج علينا الثلاثة، وعلى رأسهم إد ميليباند زعيم حزب العمال، بكل كياسة معلنين استقالاتهم، ليس من أحزابهم، وإنما من ترؤسهم لهذه الأحزاب.
لا يجد مثل هؤلاء أي غضاضة من البقاء في أحزابهم، والجلوس في المقاعد الجانبية، وحتى الخلفية، وترك المجال لغيرهم ليقود. لا تأبيد للزعامات في الديمقراطيات.
رابعاً: الاعتماد على القيادات الشابة: تُستخدم الانتخابات في النظم الديمقراطية وسيلة لتجديد الحياة الحزبية، وبالتالي لتجديد الحياة السياسية بشكل عام، وضخّ قيادات جديدة، لا يُتخوّف من أن تكون من عناصر شبابية، فحياة الأحزاب هي من حياة قياداتها، وهي تشيخ إن شاخت قياداتها، وتنشط مع شبابية هذه القيادات.
لقد فازت بالانتخابات البريطانية شابة في مقتبل العمر، عمرها عشرون عاماً، وهي طالبة علوم سياسية لم تحصل على شهادتها الجامعية بعد، إذ لا يزال عليها تأدية امتحاناتها النهائية، ولم يتوانى حزبها، الحزب القومي الأسكتلندي، عن الزّج بترشيحها لتواجه في دائرتها الانتخابية مرشحاً من أهم قيادات حزب العمال وأكثرهم خبرةً وباعاً في الشؤون السياسية، والذي لو قُدر لحزبه النجاح لأصبح وزيراً للخارجية.
هذه حالة ليست استثنائية، فديفيد كاميرون أصبح زعيماً لحزبه ولمّا يبلغ الأربعين من العمر، وأصبح رئيساً للوزراء وعمره 43 عاماً، أما إد ميليباند فأصبح زعيماً لحزب العمال وعمره 41 عاماً.
وخامساً: الديمقراطية ليست انتخابات فقط: إن اختزال الديمقراطية بإجراء الانتخابات يُشكل نظرة مبتورة لمعنى ومغزى النظام السياسي الديمقراطي، وهذا من الأخطاء الشائعة، وقد يكون مقصوداً، في العديد من البلدان. فالديمقراطية نظام سياسي أشمل وأعمق من أن يُختزل بإجراء الانتخابات فقط، فالانتخابات هي وسيلة، وليست غاية بحدّ ذاتها، وتُستخدم كآلية معتمدة لتغيير اللاعبين السياسيين، كما وحيثيات نظام الحكم، لذلك، لا تُنتج الانتخابات نظاماً ديمقراطياً بالضرورة، ولكن النظام الديمقراطي يُنتجها ويستخدمها كوسيلة فعّالة لاستمرارية وفاعلية حياته.
تقوم الديمقراطية على معتقدات راسخة تتعلق بتحديد العلاقة ومداها بين الأفراد والمجتمع من جهة، والدولة من جهة أخرى، يُفّصل فيها حقوق وواجبات كل طرف على الآخر في علاقة متكافئة ومتوازنة، ينبثق عن هذه العلاقة منظومة قيمية فاعلة عند الأفراد، وعند الدولة ونظام الحكم أيضاً، لذلك، المسألة الديمقراطية هي أعمق من مجرد إجراء انتخابات، فهي قناعات وقيم وتصرفات مبنية عليها.
قد يكون مفيداً استخلاص العبر والدروس من الانتخابات البريطانية، ومن غيرها، لتعميق ليس فقط ممارستنا للديمقراطية، وإنما فهمنا لها بالأساس.

د. علي الجرباوي

10 أيار 2015


مواضيع ذات صلة