2017-03-29 الأربعاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.612
دينار اردني 5.099
يورو 3.91
جنيه مصري 0.201
ريال سعودي 0.963
درهم اماراتي 0.984
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-07-16 05:09:42

الرحلة المعجزة وهبوط القيم!

أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية وعبر إحدى منصات الإعلام الاجتماعي مؤخرا، صورة لكوكب بلوتو الأبعد عن الأرض الذي أزيح من فئة الكواكب ليصبح كويكبا قبل أعوام بسيطة، بحجة اختلاف تضاريسه وتآكلها تحت وقع ضربات النيازك المتعاقبة، التي استفادت من ضعف غلافه الجوي.
بلوتو احتل المرتبة التاسعة ذات يوم بين مجموعة كواكب المجموعة الشمسية وبقي لغزا كبيرا لطالما حير العلماء، خاصة في ما يتعلق بشكله وطبيعته وتكوينه الكيميائي، وغلافه الجوي، إضافة إلى السؤال الدائم لبني البشر حول ماهية وجود ماء على سطحه، الذي سيشكل دليلا قطعيا على وجود حياة.
الصورة التي شاهدها، مع كتابة هذا المقال، ما يزيد عن مليار شخص حول العالم كانت الأقرب في تاريخ العلاقة مع الكوكب المجهول، قبل أن تفقد المركبة "هورايزون" القدرة على اتخاذ صورة شاملة له إثر اقترابها منه، كلف الوصول إلى إصدارها إنفاق ما يزيد عن 500 مليار دولار و9 سنوات من رحلة المركبة "هورايزون"، وقطع ما يقرب من خمسة مليارات كيلومتر حتى تاريخه.
الرحلة برمتها التي انتابها شيء من الجدل، شكلت دليلا واضحا على حجم الإعجاز العلمي ومدى قدرة الإنسان ذاته على تطوير التكنولوجيا، واقتحام المجهول والوصول إلى درجة مرموقة من فاعلية الأداء وبراعة التفكير والبحث والتخطيط.
فوصول مركبة إلى هذا البعد وتمكنها من بث إشارات الاتصال وصور وأفلام ليس أمرا سهلا، بل هو أقرب إلى الخيال والتخيل.
لكن قدرات الإنسان المتطورة مع مرور الزمن برهنت على كفاءة عالية وقدرات جبارة على تذليل الصعوبات وتقديم الأفضل.
لكن بحث الإنسان عن الحياة وسبره لإسرار الكون وإبحاره في عالم الفلك، كان لا بد أن يتقاطع مع حياة كريمة يجدها الإنسان في كوكبه الحي والنابض بالخيرات، لكن رحلة البحث عن الحياة في عالم المجهول لم تعد تتناسب وغياب الحياة على الأرض اليوم ليس فقط من باب الحروب والصراعات القائمة فحسب، وإنما أيضا من باب القتل المتعمد واليومي لكوكبنا هذا، عبر انبعاث الغازات السامة وتدمير الطبيعة واستمرار الاحتباس الحراري والتلوث البيئي والتوسع المطرد لثقب الأوزون واستمرار عجلة التصنيع العشوائي المدمرة للحياة، وانعكاس ذلك على اضطراب المناخ واختلاف الظواهر الطبيعية.
إن رحلة الإنسان في عالم التكنولوجيا والعلم لا تتساوى اليوم في قيمها الكثيرة والنبيلة مع حال الحياة على الأرض، بل أن جزءا لا يستهان به من البحث العلمي ما زال يستخدم لزيادة القدرة القتالية والتدميرية للأسلحة المختلفة وقتل الروح والتجبر على الغير، وعرض العضلات المستمر.
أما حروب الدين والطوائف والسياسة فحدث ولا حرج، فالموت الذي كان أمرا نادرا ذات يوم بات سمة عادية لحياة الناس، بصورة بتنا جاهزين للتعامل معها وعدم الاكتراث بها، خاصة إن كانت بعيدة عنا.
إن توظيف العلم لإحداث تدمير في منظومة القيم البشرية كان وما زال وسيبقى الشغل الشاغل لجيش من الباحثين وعلماء الاجتماع وأصحاب الخبرة في هذا المجال.
فتشجيع مسيرة العلم والتعلم والبحث العلمي واكتشاف أسرار المجرة التي نعيش عليها أمر في غاية الأهمية، من حيث التطور الهائل لقدرات البشر وإمكاناتهم المعرفية، لكن استخدام العلم لقتل الناس والتنكيل بهم وتجويعهم والحد من تطورهم وبث الفتن في ما بينهم وتسييد الجشع والطمع والاحتلالات على حساب كرامات الشعوب، هو أمر مرفوض يوازي في زخمه الجدل الحاصل إبان اختراع القنبلة النووية وأثرها التدميري ودورها المرعب في إفناء ملايين الناس في هيروشيما ونجازاكي في اليابان إبان الحرب العالمية الثانية، بل أن نقاش البشر حول أخلاقيات البحث العلمي والمعرفة ودورها في خدمة البشر وتطوير حياتهم لطالما احتدمت مع كل محطة شهدت ابتكارا نوعيا أو حدثا علميا مهما.
إن البحث عن الحياة خارج كوكبنا أمر مهم، خاصة لما يحمله من كم هائل من البحوث التي تعود بالفائدة على البشر، لكن الأهم هو أن يستنهض العالم في وجدانه حبه للعمل الهادف والإنجاز الآدمي النوعي، الذي يعود على الناس بالفائدة في معركة الوجود والكرامة والحرية.
لذا فإن الوصول إلى بلوتو على أهميته يحتاج إلى وصول أوسع إلى الانتصار للقيم التي شكلت ذات يوم محور الحياة وهو انتصار حتمي لمعركة الحياة، لذا فالهبوط القريب على سطح بلوتو يجب أن لا يصاحبه استمرار واضح في هبوط القيم وإنما انتصار للحياة بكل مكوناتها! فهل سمعنا الأحياء أم ماتت الرسالة مع الراحلين يوميا بفعل الظلم والجور!؟
٭ كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

 



مواضيع ذات صلة