2017-03-28 الثلاثاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.608
دينار اردني 5.091
يورو 3.923
جنيه مصري 0.201
ريال سعودي 0.962
درهم اماراتي 0.983
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-07-20 07:27:40

"6000 ميل" للفلسطيني محمد مهيب جبر… ورحلة البحث عن الوطن

في رواية "6000 ميل" الفائزة بجائزة الشارقة 2013 للروائي الفلسطيني محمد مهيب جبر – الذي غيبه الموت قبل أيام قليلة – مقاربة تتعلق بحدود بمفهوم الوطن، والوعي به، وهذا يأتي عبر تساؤل شبه فلسفي… فهل الوطن قطعة من أرض؟ أم تلك المجاميع البشرية والدماء التي تعبره، أم هو نسق تاريخي، وكتل من الذكريات والأحلام؟ سؤال يبدو أقرب ما يكون إلى مواجهة لا يمكن أن تُنجز نظراً لصعوبة الإحالة إلى مركز إجابة واحد، بيد أن محمد مهيب جبر يرى أن الوطن قيمة معنوية، ولكنه مع ذلك لا ينفي فيزيائيته، فالإنسان يتقاطع بالمادي، وما الإدراك سوى نتيجة للوجود بتشكيله الملموس والمحسوس.

وهكذا يمكن أن ننجذب لمقاربة نستطيع أن نصوغها في ما يتعلق بعمل محمد مهيب جبر، فالوطن هو السؤال المحوري والجذري والراديكالي في رواية تتغيا إدراك الوطن، وهنا أعني الدلالة الحقيقة، وليست المجازية. إن أفق القارئ يتعلق بهذا المدلول العميق، الذي يبدو أقرب إلى بحث، ولكن بصيغة المتخيل، وهكذا يعني خلق لافتة عامة بمقاصد ومسالك ودروب التخيل، نحو فرضية وجود الوطن، وأعني مستويات وجوده وتمثله وملامحه وأطره وسماته.

يؤكد محمد مهيب جبر على بعض العناصر التي تحاول أن تشيّد الوطن، وهنا نقرأ دلالتين تجعلان من الوطن شيئاً متوسطاً بين الأسلاف والأحفاد، وهذا يعني قيمة ينبغي أن تصان من قبل أجيال ربطها حضور الوطن، ولكنه لا يلبث أن يجعل المسؤولية على الأحفاد، وكي يدرك هؤلاء وطنهم، ينبغي أن يلتمسوه ويعاينوه، وهذا لن يتحقق إلا إذا أدركوا الشيء بحضوره المادي، أولا، مسبوقا بمقدمة مرجعيات وتصورات، وهذا يحيلنا إلى أسبقية الوجود المادي على التصورات الذهنية، وكي تعرف وطنك يجب أن تراه، أي أن تشاهده وتلمسه، تشتم رائحته، وتمسك ترابه، وكي تعرف وطنك يجب أن تراه أولاً على الخريطة، ومن هنا تدرك أنه موجود، ومن ثم ينبغي أن تعايشه، وتعيش فيه.

"نحن لا نرث الأوطان من أسلافنا فحسب… بل نستلفها في الواقع من أبنائنا وأحفادنا.. ولهذا لا خيار لنا إلا أن نردها للخلف بأفضل مما ورثناه عن السلف… ولكن كيف عندما لا تعرف من شكل وطنك غير خريطة باسم آخر وحين لا تعرف لأي عائلة منه تنتمي (ص 11)".

باستخدام الراوي العليم الكلي، وبسرد يتسلل إلى مواقع النفس، وينقل حديثها، تنفتح الرواية على الشخصية المحورية التي نفاجأ بامتثالها للنسق المنهجي لبناء الشخصية، وهذا ما يشي بنسق مطمئن ومستقر لنسق ينهض على مركزية، وتسلسل الأحداث ومنطقيتها. نتعرف على "بيت مارتينيك" وهو اسم غريب، ينفي عن صاحبه ملامح هوية، تتصل بكل ما هو عربي، وهذا ما يجعل القارئ يتوجه إلى مواجهة حيلة دلالية، تتطلب كشف هذه الغريب من التكوين المبدئي في عالم نصي متخيل، فبيت مارتينيك في حوار داخلي يتساءل، وهو في سنواته الأخيرة مما تبقى له من الزمن قبل أن يموت عن ذاته، أي عما يعني.. وإذا ما انتقلنا له فإنه يتساءل "من أنا" (ص 11).

تنفتح الرواية على سؤال الوجود، ولكن ليس هذا فحسب، إنما يطال الزمن التي يتبدى حين الوجود، ويبدده، فبيت مارتينيك في الخمسين من عمره كما يتضح من السرد التفسيري، حيث نخلص إلى حيثيات مارتينيك، فهو شخص توفيت والدته قبل عامين، وله ولدان يافعان، يعيش مارتينيك في المهجر. وهنا ينبغي التأمل في معنى الوطن الأول، فهو يحيل إلى وطن الأب… الوطن الذي تعود جذورك له، وهذا يصنع مفهوما للوطن الثاني، وهو الوطن الذي عشت فيه وارتحلت له، ولكنه يبقى معلقاً غير منجز، فأنت دوما خارج السياق الذي ينبغي أن تألفه، ولكن في حالة مارتينيك، فإن الوطن يبدو في جانب آخر، حيث يتحدد بإشكاليات، تتعلق بالهوية، ولا سيما في الطارئ من المكان، فليس هنالك من قضايا يمكن أن تطفو على السطح في غربة وتشظي مارتينيك، غير أن تساؤلاته تنطلق من ذلك الإحساس الداخلي، لا من واقع خارجي، ولكن لنا أن نفهم توفر أبناء مارتينيك بوصفهم أبناء فلسطيني، يحملون هوية مهجنة ومتشظية، وذلك لكونهم من أم مارتينيكية، وهم يحملون أسماء ليست عربية… (بالدوين وأندرين) . .

إن غياب الوطن بوعيه لا يقتصر على الأب مارتينيك، ولكن يشمل أيضاً الأحفاد، وهذا ما يجعل مفهوم الوطن متطابقاً تماماً من حيث الإطار الثقافي، فحين تبدو المعرفة حاجة ملحة لإدراك الأنا، فالوطن الذي يبعد "6000 ميل"، وفي الجانب الآخر من الكرة الأرضية. مارتينيك في سعيه للبحث عن ذاته يحمل والده هذه الخطيئة، فلا ورقة تدل على هويته، وهذا يحيل بدوره إلى قيمة الكتابة، ورمزية الوثيقة في تمكين، وتشكيل الهوية، وتحديدا ثباتها واستقرارها، ولكن ليس هذا فحسب، إنما يطال ذلك إدراك المكان الذي أتى منه والده، الذي كان مقاتلا معتقلاً، خرج بعملية تبادل أسرى، تقوده الظروف إلى جزر الكاريبي، إذ يذكر لنا الراوي ما كان يكابده والد مارتينيك من مشاعر الحنين، والذكرى في بداية ارتحاله إلى أوطان المهجر.

بيت مارتينيك الذي توفي والده مبكراً، أدرك أن هنالك فلسطين بفعل عملية الأخبار الذي اضطلعت به والدته، وهذا يذهب إلى أن إدراك الوطن للفلسطيني الذي ولد في المنفى، يبدأ من رحم هذه العملية، ومن هذه النقطة بالتحديد، تبدأ كرة الثلج حين يواجه الإنسان ذاته، ليدرك حدودها ومنشأها، وهو في هذا يشابه الإنسان الذي يدرك أناه الفردية، أو ما يسمى الحالة المرآوية، ولكنها هنا تنسحب على الذات الجمعية، وإن كانت الممارسة على الذات الفردية، فبعيد رحيل والد بيت مارتينيك تمارس الأم دور الذاكرة، ولكنها ذاكرة مشتتة، غير مكتملة، فكل ما تدركه بعض الحكايات والذكريات التي تحدث بها زوجها عن شاطئ يافا (ص13). وبرحيل الأم يفقد مارتينيك هذه العلاقة مع المكان الغائب لتتعإلى إشكالية الأنا التي تستشعر بعدم الانتماء، أو بالقلق تبعاً لغياب مرجعية ما. وفي محاولة منه لإيجاد وطنه على الخريطة يواجه ذلك الإحلال العلاماتي، والثقافي لفلسطين، حيث يصطدم بكلمة إسرائيل، وهو يتتبع موقع فلسطين على الخريطة (ص13)، وبذلك تتحول فلسطين إلى مكان عجيب غرائبي، وغامض، ومن هذا المنطلق بالتحديد، يبدأ فعل التشييد لمفهوم الوطن، ومحاولة جمع شتاته عبر ما تبعثر منه في الذاكرة أو على الخريطة، أو في الحكايات. وبهدف التخلص من هذا الإحساس، وبالتضافر مع وعي جمعي قوامه العائلة، يقرر مارتينيك الارتحال إلى وطنه، وجذوره للبحث عن شيء ما يقوده إلى عائلته، ولكنه لا يملك أدوات تمكنه من تحقيق هذا الهدف، ومع ذلك يقرر أن يذهب لفلسطين وتحديدا على طائرة للخطوط الفرنسية تحطّ في مطار يحمل اسم بن غوريون سنة 2008.

لابد أن المواجهة مع الآخر، وأعني اليهودي أوري ليفي حيث التقى به مارتينيك بالطائرة، مارتينيك يتعامل مع أوري ليفي من منطق فكرة التمثيل المسبق، ولا سيما عبر ما وقع عليه من معلومات حول اليهود، ولاسيما رفضهم للأغيار الذين لا يمتثلون لفكرة نقاء اليهودي (ص28). وهذا يتطلب عدم البوح بالهدف من الرحلة، ولكن ذلك لم يمنع من إجراء حوار مع أروي حول مركزية وجود الإسرائيلي على حساب وجود الآخر الفلسطيني، فأوري يتحدث عن وطنه، ولكن ليس وطن مارتينيك الذي يمتلكه في خياله، ويحمل اسما غير الاسم الذي يكرره أوري، فخريطته لم تشوه من قبل المطابع والكتب.

تبدأ رحلة مارتينيك للبحث عن ذاته، وفي مسعاه، هذا يمارس فعل المشاهدة، وهذا يتضح عبر ذلك التمركز السردي، ووجهة النظر التي يعاين القارئ من خلالها المكان، وانطباعات المقتلع حين يمتلك فضاءه المسروق، ولكنه بزاوية المحايد غير القادر على التداخل والتفاعل، وهنا يُقرأ المكان بواسطة الانطباع الأول، ولكنه مجزوء، إذ يقرأ تحولات المكان، لا كما شاهده، كونه لم يكن هنا، وإنما كما شيّد ذهنيا عبر تصورات، ومعلومات استجلبت من هنا، وهناك. في مدينة تل أبيب تظهر ملامح لا تنسج مع الطبيعة الحقيقة للمكان، إنها نموذج أوروبي، وهنا تأتي الأمكنة بوصفها علامة على مركزية ارتباط المنفي عن أرضه عبر مئذنة مسجد حسن بيك، وبرج كنيسة القلعة، أو محطة القطارات القديمة، فكثير من الملامح الجغرافية تبددت، إذ تم محو التاريخ، وإحلال هوية جديدة، أي بشكل جديد، فاللغة استحالت إلى عبرية، وبدت الأمكنة في فضاء مشوه بين الأرض والإنسان واللغة.

في مواجهة ومكاشفة الحقيقة مع الآخر، وهنا نعود إلى أوري ليفي حيث تحضر مواجهة ذات اليهودي مع جريمته، خاصة مع رجل يبحث عن جذوره، في مكان ليس لأروي فيه جذور، ولهذا يدهش أوري كون مارتينيك يبحث عن جذور في مكان تغير، وتبدلت ملامحه عبر آليات يهودية، ولكن مارتينيك جاء يبحث عن وطن كما هو اسمه "بيت"، التي تعني بالعبرية وطناً (ص61)، ولكن على ما يبدو، فإن تقادم الزمن قد يقارع عملية استعادة الهوية، فستون عاما من وجهة نظر أوري كفيلة بتبديد هذه الجذور.

في الأفق تبدو رحلة مارتينيك للبحث عن جذوره، التي جاءت استجابة لحالة التبعثر، وحالة نفي الذات عن ذاتها، أشبه بنسق مستحيل، ولكن مارتينيك يرغب في سبر أغوار ذاته، عبر التماثل مع المكان، والاستغراق فيه، ولهذا تقوده الرحلة إلى مواقع، ودروب حيث يقع على نماذج كثيرة، ولا سيما من فلسطينيين آخرين يسعون إلى هذا النهج، وهنا يقابل مارتينيك فتاة أمريكية فلسطينية، تبحث عن آثار جدها، فهي تحصل على الإحداثيات من رجل على الهاتف، يرصد من بعيد علاقته بالمكان، حيث يسترجع من ذاكرته ما غادره منذ زمن، وهنا نشهد ذلك التضامن والتكاثف مع هذا الوعي لدى الأحفاد في البحث عن حدود الوطن الغائب.

لم يجد مارتينيك ما كان يبحث عنه، ولكنه أدرك أشياء، وهنا يتلخص موقفه عبر مهاتفته لزوجته التي يخبرها بأنه وجد أشياء أخرى، ولا سيما في قلب المرأة اليافوية السمراء، وفي عين الفتاة التي كانت تعفر تراب قبر جدها، وفي وجه الرجل العاجز في المخيم، وفي وجوده كل أفراد العائلات الفلسطينية في فلسطين، ولذلك سوف يعود إلى وطنه الآخر… كي يخبر ولديه عن فلسطين، سيعود إلى المكان الذي عاش فيه، ليكافح مع رفاقه من أجل العودة إلى فلسطين … وهو يحمل رفات والده ليدفنه هنا، أو ليموت ذات يوم هناك… (ص140).

وفي الختام نقرأ عبارة تشي بقيمة رحلة مارتينيك لمواجهة الطابع العنصري إنسانياً حيث يقول: "إن الذين يميزون أنفسهم كعرق متميز عن بقية البشر لا تنتظر منهم غير الغربة في سحق غيرهم للمحافظة على نقاء عنصرهم.. هكذا فكر النازي، وبذلك يؤمن الصهيوني (ص159)".

كاتب فلسطيني ـ الأردن

رامي أبوشهاب



مواضيع ذات صلة