المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.491
دينار اردني4.945
يورو4.174
جنيه مصري0.198
ريال سعودي0.931
درهم اماراتي0.951
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-08-03 22:49:58

قضية القدس وموقف المحكمة العليا الأمريكية

حسمت المحكمة العليا الأمريكية يوم 8 يونيو 2015 نزاعا قانونيا بين الكونجرس وادارة الرئيس اوباما استمر اكثر من سبعة أشهر حول مدى التزام الرئيس الأمريكى للموافقة على قيام القنصلية الأمريكية فى مدينة القدس الغربية بتنفيذ قانون الكونجرس الصادر عام 2002 والذى يطالب الادارة الأمريكية باعتبار القدس عاصمة ابدية ودائمة لإسرائيل ونقل مقر السفارة الأمريكية من تل ابيب الي القدس.

  وينصب النزاع فى هذه القضية على أن أحد المواطنين الأمريكيين المتمتع بالجنسية الإسرائيلية ويقيم في القدس الغربية أراد ان يستخرج من القنصلية الأمريكية شهادة ميلاد لطفله المولود فى المدينة يثبت فيها أن محل الميلاد هو القدس بدولة إسرائيل. ومن الواضح أن هناك مسافة فى الواقع بين الرئيس وبين الكونجرس فيما يتعلق بمجال أدارة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة  . فلم يلزم الدستور المريكى الرئيس فى هذا المجال بمواقف الكونجرس وانما مال إلى اعتبار هذا المجال من الاختصاص المحجوز للرئيس الأمريكى بالتعاون والتشاور مع الكونجرس، وأن هذا التشاور والتعاون ومقداره يتوقف على العلاقة بين الطرفين وعلى المسألة موضوع التشاور. أما فى مجال المعاهدات الدولية اوجب الدستور على الرئيس أن يرجع إلى الكونجرس طلبا للموافقة والنصيحة، ومع ذلك فهذه مساحة مرنة هى الاخرى ويتوقف على شخصية الرئيس وتكوين الكونجرس الحزبى مدى غلبة الرئيس أو الكونجرس، وعند النزاع يرد الفصل فيه إلى المحكمة العليا الأمريكية المختصة أيضا بالمسائل الدستورية ليكون قرارها حاسما وفاصلا وملزما.

وإذا كان الكونجرس فى عام 2002 قد تشكل فى أغلبيته من الحزب الجمهورى الذى ينتمى إليه الرئيس بوش الأبن فى ذلك الوقت   ، فإن الرئيس بوش رغم حماسه المعروف لإسرائيل أيد صدور قانون القدس ولكنه لم يطبقه وترك الموقف الأمريكى التقليدى على حاله  ، وهو أن القدس أراضى محتلة وأن التسوية السياسية يجب أن تقرر مصير المدينة ولا تعترف الحكومة الأمريكية بالادعاء الاسرائيلي، كما أراد الكونجرس، بالقدس كعاصمة دائمة وابدية لإسرائيل.

 

وترجع خلفية هذا الموضوع (الذى فصلناه فى كتابنا الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام2009  "حول المركز القانونى الدولى لمدينة القدس" )، إلى عام 1948 عندما اعترفت الولايات المتحدة باسرائيل بعد دقائق من اعلان حكومتها المؤقته مساء يوم 14 مايو 1948 وقررت انشاء قنصلية عامة وسفاره فى تل ابيب وان تقدم خدماتها للأمريكيين فى القدس الغربية بعد احتلال اسرائيل لها فى اواخر عام 1948. وظلت الولايات المتحدة تعتبر مدينة القدس ذات وضع دولى وفقا لقرار التقسيم ثم اكدت هذا الموقف على لسان مندوبها الدائم فى مجلس الأمن تشارلز يوست بعد احتلال اسرائيل لكل الأراضى الفلسطينية عقب أحداث يونيو 1967 وكان هذا التصريح هو أهم تفسير لأحدى فقرات قرار مجلس الأمن رقم 242 وأحد أهم الأعمال التحضيرية لهذا القرار والذى أكد أن القدس يجب أن تسوى بالمفاوضات وفقا للمبادئ الواردة فى ديباجة القرار وأهمها عدم جواز احتلال أراضى الغير بالقوة، وضرورة تسوية النزاع المترتب على حرب 1967 فى هذا الاطار أى ان القدس الشرقية والغربية هى محل التفاوض وأن استيلاء إسرائيل على القدس الغربية ثم احتلالها للقدس الشرقية عام 1967 لا يغير من الموقف الأمريكى من قضية القدس. أما الموقف الأكثر أهمية من جانب واشنطن فهو المتمثل فى قرار مجلس الأمن رقم 478 الصادر بالاجماع من مجلس الأمن فى أغسطس 1980. ذلك أن إسرائيل شعرت بالحرية التامة بعد اتفاق كامب دايفيد بأن تجنى الثمار والتحرك فى كل اتجاه فبدأت باستصدار قانون الكينسيت الاسرائيلى يعلن ضم القدس إلى إسرائيل واعتبارها عاصمة دائمة وابدية لها. ولما صدر هذا الموقف بعد عام أو يزيد على توسط الرئيس كارتر لابرام اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل فكان هذا القانون الإسرائيلى يمثل اهانة بالغة  للرئيس كارتر فقدمت واشنطن مشروع القرار إلى مجلس الأمن وضمنت صدوره بالاجماع.

واخيرا، يجب أن نميز بين موقف الحكومة الأمريكية الرسمى حول القدس وهو لم يتغير حتى الان ، وبين موقف الكونجرس فى هذا الموضوع، لأن موقف الحكومة الأمريكية لا يزال ينسجم مع قرارات مجلس الأمن فى أن القدس كلها أرض محتلة ولا تعترف واشنطن بأى مساس بهذا الموقف.وهو نفس موقف الاتحاد الاوروبي وكذلك الامم المتحدة .  غير أن الدلالة الواضحة لحكم المحكمة العليا الأمريكية تنحصر فى تأكيد سلطة الرئيس فى ادراة العلاقات الخارجية وفقا للدستور ولا علاقة لهذا الحكم بالموقف الأمريكى لقضية القدس.

أشارت الصحف الأمريكية إلى المبررات التى تضمنتها مذكرة الادارة الأمريكية أمام المحكمة العليا وأهمها المحافظة على حياد الولايات المتحدة فى الأزمة مما يسمح لها بالاستمرار فى الوساطة من أجل التسوية السياسية للنزاع، وهو دور لم تتوقف الولايات المتحدة فيه يوما. أما المبرر الثانى، فهو أن الاخلال بهذا الموقف عن طريق تطبيق قانون الكونجرس حول القدس يلحق ضررا بالولايات المتحدة لايمكن أصلاحه وبذلك دافع الرئيس عن سلطته فى مواجهة الكونجرس وليس عن موقف حكومته من قضية القدس.

واذا كان الموقف الامريكي الرسمي من القدس هو موقف الادارة وليس الكونجرس ، الا ان الادارة لم تنجح في وقف الاستيطان في القدس وكذلك المحكمة العليا الاسرائيلية ، وهو ما يعني ان الموقف الرسمي صار غطاءا لتاكل الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة . فواشنطن متمسكة بموقفها من القدس واسرائيل تضم ارض المدينة بالتهويد وطرد سكانها الفلسطينيين.

واذا كان الرئيس قد دافع عن سلطته ازاء الكونجرس في السياسة الخارجية، وعن موقفه في القدس حاليا غليس هناك ضمان لتغير موقف الادارة اذا انتهي السببان اللذان دفعا الادارة الي التمسك بهذا الموقف ورفضها تطبيق قانون القدس الذي اصدره الكونجرس عام 2002، ويتم التغير في الموقف الامريكي  اذا شعرت واشنطن بان لعبة التسوية السياسية قد انتهت وهذا ما يبدو الان بعد ان اعلن نتانياهو ان حل  الدولتين لم يعد واردا مما يعني انتهاء الدور الامريكي ولكن من المفيد التظاهر باستمرار رغبة واشنطن في السلام حتي يستمر التهويد تحت هذا الغطاء . من ناحية اخري ،فان الاضرار بالمصالح الامريكية لم يعد متصورا حيث ضمنت واشنطن مصالحها جبرا في العالم العربي ، خاصة مع ازدهار اسرائيل التي تحمي هذه المصالح.

مما سبق يجوز للفلسطينيين ان يطربوا لموقف اوباما ولكن لايجوز ان يبالغوا في الثناء عليه.الطريق مفتوح امام الادارة للاستجابة لقانون الكونجرس حول القدس في الوقت المناسب للادارة .

د. عبد الله الأشعل

خبير في القانون الدولي



مواضيع ذات صلة