المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.551
دينار اردني5.019
يورو4.173
جنيه مصري0.2
ريال سعودي0.947
درهم اماراتي0.967
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-08-08 03:55:27

غزة في وهم دولة

أمر قيام الدولة الفلسطينية المنشودة كأنه سر مكنون فلسطينياً وعربياً ودولياً وإسرائيلياً أكثر بالطبع، لا يعلم أحد بشيء عنه، رغم كثرة ما كتب ورسم منذ عقود. فكل ما يتعلق بموعد قيامها ومساحتها وحتى عاصمتها مجهول إلى أن يحين أمر انكشاف السر وقيامها وظهورها.
كلما ظن الفلسطينيون أنهم يزدادون اقتراباً منها (كلها أو بعضها أو حتى بعض بعضها) اكتشفوا أن أمرها لا زال مستوراً والطريق إليها لا زال طويلاً، تزداد عثراته ومطباته مع مضي الوقت، بدل أن تزال بفعل ضغط إرادتهم وتصميمهم ومسيرتهم الكفاحية المكلفة، وما قدموه على مذبحها منذ 1974 حتى الآن من تضحيات جسام في الأرواح والأفكار والمبادئ في الظروف الجيدة لاندفاعتهم الكفاحية وانتفاضاتهم وذروة حضورهم السياسي العربي والدولي. وهم اليوم إذ يمرون ويعيشون في الظروف الأسوأ يجدون أن دولتهم المنشودة تزداد ابتعاداً وانضغاطاً وتضاؤلاً، وتتم أمام أنظارهم عملية ادغام كبرى لفكرتها في أفكار ظنوا أنهم تجاوزوها سابقاً بعد أن دفعوا أثماناً غالية.
أمضى الفلسطينيون الثلثين الأخيرين من عمرهم في النكبة وهم يطرقون أبواب المجتمع الدولي، بأيد مضرجة بالدماء، وبأيد تحمل أغصان الزيتون، وأيد تحمل الحجارة، وأيد تحمل ما أصدره ولم يصدره المجتمع الدولي من قرارات ومشاريع قرارات لصالحهم، ورشوا الملح على الجرح باستمرار لمداواة آلام الصد والتهديد والوعيد في انتظار الوصول إلى بوابة دولتهم المنشودة لكنهم لم يصلوا بعد.
والأنكى أنهم يرون بأم العين اليوم أن أحوالهم وأحوال أشقائهم العرب تزداد سوءاً على سوء، وتزداد الأنفاق (التي طالما رأوا في نهايتها مآذن القدس) التي يعبرونها إظلاماً بدون قدرة على رؤية بصيص أمل في نهاياتها، ويزدادون بالتالي بعداً عن الدولة المستقلة، وحتى عن الدويلة التي يلوح بها البعض في محاولة لدفعهم للاستمرار في اللهاث خلف سراب دولة، بعد أن خرج كثيرون أو أخرجوا من المسار الصحيح الذي يقود إليها.
استكثرت إسرائيل والمتحالفين معها على الفلسطينيين الحصول على دولة على أرضهم المحتلة عام 1967، والمقطعة الأوصال جغرافياً بين ضفة في الشرق وقطاع في الجنوب الغربي من فلسطين، تفصل بينهما أطول مسافة من صحراء النقب، وفوق ذلك تحيط إسرائيل بالضفة من كل الجوانب عدا الشرق (حيث الأردن) كما تحيط بالقطاع من كل الجوانب عدا الغرب، حيث البحر الذي تسيطر عليه وبضعة كيلو مترات من الجنوب الغربي حيث رفح المصرية. وهي دولة إذا قامت لا مقومات اقتصادية لها، أهم ما تصدره هو الأيدي العاملة (وأغلبه إلى إسرائيل) وتستورد كل شيء تقريباً (وأغلبه من إسرائيل أيضاً). ومهما تشدد الفلسطينيون في التركيز على استقلالها وسيادتها، لن تستطيع ممارسة سوى استقلال وسيادة محدودتين بحكم الجغرافيا وبحكم الاقتصاد المرتبط بإسرائيل، وبحكم الأمن نظراً لإحاطة إسرائيل (أقوى قوة عسكرية وأمنية في الاقليم) بها وسيطرتها على أجوائها، وبحكم أشياء كثيرة ستتضمنها نصوص الاتفاقات بشأنها إن كان لها أن توجد فعلاً.
رغم كل البؤس الذي يحيط بسيادة واستقلال وقدرة الدولة المنشودة على الاستمرار، ورغم كل ما قدمه الفلسطينيون على مذبحها، لا تزال دولة كهذه مرفوضة إسرائيلياً ومرفوضة من حلفائها المسيطرين في مجلس الأمن، حيث يفترض أن تصنع العدالة ويصان السلم الدوليين. وبعد أن أسقطت إسرائيل كل ما كان إيجابياً في نظر الفلسطينيين الموقعين على أوسلو للتقدم باتجاه الدولة فرضت عليهم قبل سنوات وقف التفاوض معها، حين استمرت بتهويد القدس وبالاستيطان، وذهبت أبعد حين اشترطت عليهم الاعتراف بها دولة يهودية، قبل أن تعترف هي لهم بدولة مستقلة في الضفة والقطاع. وحين سعت السلطة الفلسطينية إلى الإفلات من هذه الاشتراطات والسياسات، عبر محاولة الوصول إلى منصة مجلس الأمن طلباً لقرار منه بإقامة الدولة في غضون سنوات قلائل سارعت الإدارة الأمريكية إلى صدها وردها مدحورة، إلى مقاطعتها في انتظار التفاتة إسرائيلية أو دولية أو حتى عربية تفتح الطريق لاستئناف المفاوضات، لكن بدون جدوى فالكل منشغل عن السلطة والدولة المنشودة بحروب بدأت ضد الإرهاب والفتن الداخلية وقد لا تنتهي إلا بعد أعوام. الأسوأ على هذا الصعيد أن السياسات الانفصالية لا تزال متحكمة بين سلطتي الضفة والقطاع، رغم كل محاولات رأب الصدع والمصالحة، ورغم كل الضرورات التي تفرض عليهما العودة إلى الوحدة اليوم لا غداً، ورغم كل ما هو ظاهر وخفي من استفادة وسعادة إسرائيل من الانقسام وتوظيفه في مسار مضاد كلياً لمسار الدولة المنشودة. بعد أن تركت إسرائيل السلطة تتخبط في سياساتها وخياراتها المحدودة والمتضائلة، وبعد أن دمرت قدرات حماس العسكرية وأنهكتها وأنهكت القطاع، بفعل الحصار الذي فرضته عليه، والذي ازداد سوءاً بعد تدمير مصر للأنفاق على الحدود مع القطاع، وإنشاء منطقة مصرية آمنة تبعد رفح المصرية عن رفح الفلسطينية الملاصقة، لجأت إسرائيل إلى تشجيع سلطة حماس على المضي قدماً في الحفاظ على الانفصال والإيحاء لها بانفتاح أكثر من مسار أمامها يتيح لها الخروج من الحصار وأزماته المتفجرة، سواء عبر التلويح بإمكانية التوصل إلى هدنة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، إذا منعت أي استهداف لإسرائيل من القطاع من أي فصيل أو مجموعة مسلحة هناك، وعبر التلويح لها (كما تتحدث مصادر من سلطتي فتح وحماس) بإمكانية الموافقة لها على إقامة دولة في القطاع مفتوحة على إمكانية توسيع مساحة القطاع، عبر أراض مجاورة في النقب وفي سيناء، حسب خطة مقترحة من أحد المخططين الإسرائيليين.
كثر الحديث مؤخراً عن إمكانية موافقة إسرائيل على دولة في القطاع، مع تحويل السلطة في الضفة إلى سلطة حكم ذاتي، وتحدث البعض في رام الله عن عرض إسرائيلي قديم للسلطة لإقامة دولة كهذه، إلا أن السلطة رفضته ورفضت دولة بحدود مؤقتة. ويتردد الآن أن الدولة في غزة معروضة على حماس وقد تقبلها. ويذهب هؤلاء إلى الترحيب بها والدعوة لاستثمارها واختبارها وجعل الدولة هناك نواة الدولة المنشودة عندما تسمح الظروف، تماماً كما حصل عند البدء بتطبيق اتفاق أوسلو، عبر ما عرف باتفاق غزة – أريحا أولاً، الذي أطلق معارضون عليه اسم اتفاق غزة – أريحا أولاً وأخيراً، ثم تم تطبيقه تباعاً حتى شمل الضفة كلها.
هل عرضت إسرائيل ذلك فعلاً على حماس وهل ستقبله حماس ومعها السلطة، أم حماس وحدها بدون السلطة أم سترفضانه؟ سؤال مطروح وربما أصبح خياراً مطروحاً، ويفترض أن تكون الإجابة عليه موضع درس وبحث وتمحيص في زمن يكبر فيه السؤال تلو السؤال عن ماذا نحن فاعلون وإلى أين نحن ذاهبون؟ وتمتنع فيه الإجابة الوافية والشافية، وتبتعد الطريق إلى الدولة التي تزداد انحساراً واختصاراً وبؤساً، لتصبح مجرد غزة في وهم دولة نأمل أن تساعد على اليقظة من أحلام وكوابيس وظنون تنهش بنا.
كاتب فلسطيني

عمر كيلاني٭

 



مواضيع ذات صلة