2017-06-26الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.53
دينار اردني4.98
يورو3.951
جنيه مصري0.195
ريال سعودي0.941
درهم اماراتي0.961
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-08-15 07:40:01

حين يصبح الزواج المصري الفلسطيني المختلط تهمة!

 

 

زمن تردت فيه الحملات واشتدت بين "الإخوة الأعداء"؛ الصفة المنطبقة الآن على عموم العرب.. ونجوم هذه الحملات جيل إعلامي وصحافي لمع واغتنى من تأجيج المشاعر والتحريض على الاحتراب.. وانتقل كثير منهم من خواء العدم إلى بطر الثراء الفاحش في يوم وليلة.. وشدوا إليهم باحثين عن شهرة وأضواء ومال، وهم ضيوف دائمون لتزكية الفتن والولوغ في الدماء.. ونجحوا في مهمتهم إلى حد كبير.

شعرت بغصة وأنا أتابع بالصدفة لقاء رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات على قناة فضائية خاصة.. وكشف اللقاء عن تدني المدارك وهبوط مستوى تصفية الحسابات بين مسؤولين كبار في الدولة وأجهزتها.. وكان حديث رئيس جهاز المحاسبات هادئا ورزينا وباسما، ولم يتفوه بكلمة نابية.. أما الطرف الثاني، الذي يتقلد منصبا وزاريا رفيعا (لم يدع للمشاركة)، ومن ألد أعداء ثورة 25 يناير؛ تجاوز في خصومته لها كل الضوابط الأخلاقية والقانونية، وكان قاضيا عليه أن يحكم بالعدل. واعْتَبَرْت تعيينه في مقال على هذه الصفحة (23/ 05/ 2015) "فتنة" في بلد لا تنقصه الفتن.. والوقائع التي سردها رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات – لو صحت – تستوجب المساءلة.

والتهمة التي يواجهها رئيس أهم وأكبر جهاز رقابي بأنه "إخواني".. لأن قرار تعيينه صدر من الرئيس المعزول محمد مرسي.. والرجل المتهم بـ"التأخون" وجد من ينبش في ملفاته الخاصة فيكتشف أنه زوج لسيدة من أصل فلسطيني.. وكان ذلك صادما لجيل مخضرم كجيلي، بدأ حياته الوظيفية بعد التخرج بصحبة وزمالة فلسطينيين.. وكان أحدهما على ما أذكر من عائلة اللافي الغزية، وكنا نكن لهم الود ودوام الحفاوة والتعاطف.. فالفلسطيني أو الفلسطينية بالنسبة لجيلي كان أيقونة نحرص عليها ونعتني بها ونحفظها.

وأسس زمن "الأمركة والتطبيع والصهينة" للفرقة والقطيعة والاحتراب، ومصادقة العدو والاستعانة به وتحريضه على الأهل وذوي القربى.. وكنا نتوق لتحرير فلسطين؛ لكن المهمة ثقلت وتعقدت، واتسعت لتشمل الجميع، الذين أصبحوا فلسطينيين؛ في حيز ممتد؛ يشمل العراق وسوريا واليمن والصومال والسودان وليبيا.

والمسؤول المصري الرفيع متهم بأنه زوج لسيدة فلسطينية؛ ولأنها من غزة ألصقت بها تهمة "الإرهاب" والانتماء لـ"حماس".. الموضوعة على قائمة الأعداء بسبب قضية اقتحام السجون أثناء ثورة 25 يناير 2011، المعروضة على القضاء.. وهكذا تفعل الثورة المضادة بدعايتها السوداء، وبتغلغلها في أروقة الدولة، وداخل "دهاليز" الأجهزة الرسمية، وفي مقرات المنشآت المالية والاقتصادية.. واتهمها رئيس جهاز المحاسبات بتسريب معلومات خاصة بأسرته.. وطالب رئيس الوزراء ووزير الداخلية بالتحقيق في تسريبها دون إذن قضائي، وإعلان النتيجة على الرأي العام.

قال: زوجتي لها جذور فلسطينية "وتسافر إلى فلسطين بهدف صلة الرحم". وأضاف: "زرت غزة عقب 25 يناير"..وأعلن استعداده للاستقالة "حال فقد القيادة السياسية ثقتها به".. وأضاف: "إن قيادات بجهات أمنية وقضائية تعمل على التخلص منه"، و"علم من جهاز الأمن التابع للجهاز المركزي للمحاسبات منذ شهر أنه باقي له شهران ويغادر موقعه".. واتهم جهازا أمنيا بتسريب معلومات شخصية عن عائلته لوسائل الإعلام بهدف تشويه صورتهم. وعن مشكلته مع وزير العدل أشار مبتسما: "دمي تقيل عليه"!! ، وعن قانون عزل رؤساء الأجهزة الرقابية، والذي أشيع أنه صدر خصيصا لعزله.. قال: أنه لم يتصل بالرئيس عبد الفتاح السيسي لاستيضاح الهدف من وراء قانون عزل رؤساء الاجهزة الرقابية لأنه يعلم أن القيادة السياسية تثق في أداء الجهاز كل الثقة، مؤكداً أن هذا القانون لا يستهدف شخصه، و"خاب ظن من اعتقد ذلك" حسب قوله. وأضاف أن هناك "من يعمل على إحداث وقيعة بينه وبين الرئيس عبد الفتاح السيسي"!.

وعاد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات إلى الفترة التي كان فيها وزير العدل الحالي رئيسا لنادي القضاة، ورفضه خضوع مخصصات نادي القضاة للرقابة المالية للجهاز.. وخضوع الأندية للرقابة المالية من قبل المركزي للمحاسبات "حق قانوني للجهاز"، وقال: "لا يوجد ثأر شخصي بيني وبينه.. الموضوع أبسط من هذا وأنا قاض قبل أن أكون رئيس جهاز.. وضد استثناء شخص أو مؤسسة أو ناد من الخضوع للقانون "حتى لو كان هذا الشخص قاضيا أو مستشارا جليلا". ووصف التهم التي تلاحقه بالخيانة والتخابر على أنها "كلام خايب واتهامات ملفقة" ولا يخشى في عمله إلا الله، وذكر أنه حقق في تهم طالت قامات وطنية مثل "فتحية العسال ولطيفة الزيات ومحمد عبد السلام الزيات واسماعيل صبري عبد الله"، خلال حكم السادات.

وأردف: "من لديه مستندات في مجال عملي عليه تقديمها".

وما كان مصدر فخر واعتزاز لجيلنا أصبح تهمة وعارا في هذا الزمن، والأقدار التي ساقت والد رئيس جهاز المحاسبات للعمل في قطاع غزة.. هي نفسها التي ساقتني للعمل في أسوان وزاملت فيها فلسطينيين في بداية حياتي الوظيفية.. وهي نفسها التي جعلتني زميلا لشاب فلسطيني داخل "قبو" من أقبية مباحث أمن الدولة في لاظوغلي في كانون الاول/ديسمبر 1989…

بذرة التفرقة والكراهية وضعها السادات وتطورت حتى ذلك العهد البغيض الذي "ارتقى" فيه حاكم مصر الأسبق (المخلوع) إلى مستوى "الكنز الاستراتيجي" لتل أبيب؛ حسب تصريح شهير لبنيامين بن أليعازر وزير الصناعة والتجارة الصهيوني الأسبق في 2010.. ولم يمر العام بعد هذا التصريح إلا وكان "الكنز الاستراتيجي" قد ولى.

ومنذ أن غابت دراسة التربية الوطنية؛ والعلاقات الداخلية والبينية تقوم على المن والتشفي والاحتراب والتخوين.. وتغذيها أساطير وأفكار انعزالية تعشش في أروقة السياسة والتجارة والمال جعلت أجيالا جديدة لا تعرف أنها تعيش في إقليم حضاري متكامل؛ ممتد من حدود إيران إلى سواحل الأطلسي.. وتقع مصر ومحيطها السوداني ومنابع النيل، مرورا بفلسطين وباقي الشام، وصولا إلى الصحراء الغربية يقعون في قلب هذا الإقليم.. وهو محاط بحزام حضاري من تخوم تركيا وإيران وآسيا الوسطى، نزولا إلى شواطئ اليمن على المحيط الهندي، حتى سواحل المغرب العربي.. مما خلق خصوبة ثقافية وتنوع حضاري متميز؛ تم طمسه وتجفيفه..

في هذا الإقليم ظهرت حضارات مصر القديمة. ولها فضل اكتشاف الزراعة والمياه، فاستقر الإنسان على ضفاف النهر، فأنشأ القرى، وأقام الأسواق، واستخرج المعادن، وصنع منها أدوات وآلات الزرع والحصاد، والنقل النهري والبحري والبري، بجانب تنظيم المجتمع وإدارته.. فتقدمت العلوم الفنون والفلك، وازدهرت الهندسة والعمارة، وبنيت السدود والجسور. وفي بين النهرين ظهرت حضارات السومريين والبابليين والآشوريين.. وفي الشام كانت حضارات العموريين والفينيقيين والآراميين وتفوقت في التجارة وركوب البحر.. وحملوا حضارتهم إلى بلاد بعيدة.. وفي الجزيرة العربية ولدت ممالك عربية، وفي اليمن ظهرت حضارات لا تزال آثارها باقية. ولماذا لا يكون مصير هذا الإقليم ومستقبله واحدا؟!

والمشكلة هي في التعامل المعاكس والمقلوب مع هذه الحقائق المؤكدة.. ويدعي مسؤولون مصريون أن الأمن القومي العربي جزء من أمن مصر "القومي".. كيف هذا والعكس هو الصحيح؟!، فالأمن الوطني المصري مهما كانت قوته وتأثيره جزء من الأمن القومي العربي.. وإلا ما دعا الرئيس السيسي إلى تشكيل قوة عربية مشتركة دفاعا عن الأمن القومي العربي ضد الأخطار.

إذا كان الهدف الراهن هو استعادة مصر لمكانتها الإقليمية والتاريخية فلا يتم ذلك بعيدا عن إحياء الذاكرة الوطنية، حين كانت فلسطين حافزا للوحدة والتماسك.. وليست باعثا على التفتيت والشقاق.. واستئناف مصر لدورها المأمول لا يتم بمعزل عن دوائرها التي تنتمي إليها.. وبدلا من أن تكون فلسطين شوكة في خاصرتها يجب أن تكون سندا والعكس بالعكس.. وتعاد صياغة العلاقات بما يضمن الأمن والسلامة للبلدين، وقتها لن يروج إعلام المن والتشفي والاحتراب والتخوين، ولن يمتد الخلاف مع "حماس" إلى كل غزة، وغزة نفسها ليست كل فلسطين.. فالعلاقات الرسمية والفصائلية عابرة، والعلاقات الوطنية والقومية؛ فمصيرية وعميقة وراسخة.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب



مواضيع ذات صلة