المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.506
دينار اردني4.956
يورو4.19
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.935
درهم اماراتي0.955
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-09-10 05:42:28

القدس©: ماركة عالمية استعمارية

حنين نعامنة

في العام 2013 استضافت مدينة القدس سباق السيارات العالمي الشهير "فورمولا وان". باتت حلبة سباق كبيرة استقطبت الآلاف لمشاهدة الحدث المثير. فجأة أصبحت المدينة المقدسة بعمرانها وأهلها الأصليين ديكوراً لـ "عجقة" عليَّة القوم. تقدم "المدينة" لنزلائها، أصيافاً وأشتية، شتى المهرجانات الترفيهية والثقافية المنتجة محلياً أو عالمياً، حتى يخال المرء نفسه في حاضرة أوروبية لا يعكّر صفوها شيء.
خلف واجهة تحديث وتمدين متشعبة، تعمل إسرائيل منذ عقدين على إعادة إنتاج القدس في المخيلة العالمية، عبر إحالتها حاضرة كوزموبولوتية معولمة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، ووجهة سياحية اكزوتيكية، فلا تقل شأناً عن باريس ولندن وبرلين. World City. القدس كماركة تجارية عالمية ــ إسرائيلية تدرّ أرباحاً لا تنضب على رأس المال الاستعماري، كأنما لا شأن له بكونها محتلة. بذلك أيضاً تخلق خطاباً ورمزيات تمسح المدينة العربية من الأذهان وتحيلها زخرفة استشراقية لمشروع استعماري ما فتئ ينتزع القدس من أهلها وتاريخها. إنه الخراب على هيئة حداثة.

خلية النحل محروقة

ليس عجيج السُيّاح بغريب عن القدس بمكانتها الدينية، وقد زاد عليها نهضتها الحضرية منذ أواخر الحقبة العثمانية مروراً بالاستعمار البريطاني، حيث استقت العلم والثقافة والاقتصاد من حواضر عربية أخرى وتبادلت معها. وما كان لاحتلال المدينة الجديدة (الغربية) في نكبة 1948 أن يحدّ من سيل الوافدين إليها، مستفيدة من مطار القدس الذي تطور في الخمسينيات، فكان أن أصبحت "القدس ومطارها أشبه بخلية نحل" عشية عيد الميلاد عام 1960 كما أفادت جريدة المنار المقدسية. جاءها عمر الشريف وفيروز وعبد الوهاب نجوماً، وزارتها الفرق الرياضية، وكانت وجهة للرحلات المدرسية من العراق وسوريا.
قلبت هزيمة 1967 الموازين جميعها باحتلال إسرائيل البلدة القديمة: عصب القدس الحيوي. سُدّت الطريق على الوافدين العرب وقُطع امتدادها مع محيطها، ما أدى إلى تراجعها كمركز عربي، وإن حافظت دينياً على مكانتها. بات القطاع السياحي محكوماً، ككل مرافق الحياة، بالسياسة الإسرائيلية التي استولت على أغلبية المتاحف والمواقع الأثرية في المدينة. شددت اسرائيل الطوق حول الأدلَّاء السياحيين الذين مُنعوا من العمل من دون ترخيص وزارة السياحة الإسرائيلية، ما يعني التزامهم بالرواية الصهيونية كشرط للعمل. أما باعة التحف الشرقية في البلدة القديمة، والذين يمثلون ركيزة أساسية في قطاع السياحة، فقد تناقص عددهم مع مرور السنوات بسبب الضرائب الباهظة واستحواذ الباعة الإسرائيليين على "كارِهم"، إذ يوجّه الأدلاء الإسرائيليون السّياح إلى هؤلاء حصراً.
تركت الانتفاضتان والمواجهات الأثر العميق على هذا القطاع. بيد أن تقهقهر السياحة الفلسطينية يعود بالأساس لعدم قدرتها على مجاراة نظيرتها الإسرائيلية. فمثلاً تشير الاحصائيات للعام 2013 بأن قرابة المليون ونصف المليون سائح نزلوا في فنادق القدس، 88 في المئة منهم في الفنادق الإسرائيلية و12 في المئة في الفلسطينية، علماً أن هناك 5817 غرفة فندقية في القدس الغربية مقابل 1969 في الشرقية، وقرابة 90 في المئة من عائدات قطاع الفنادق مصدره تلك الإسرائيلية. غياب البنية السياحية الفلسطينية في مدينة بمكانة القدس ليس عشوائياً، وإنما مردّه لغياب سلطة واقتصاد داعميّن، إذ تعتمد السياحة على رؤوس أموال شحيحة ومؤسسات عمل أهلي مرتكزة على التمويل الأجنبي في وقت تختفي وزارة السياحة الفلسطينية من المشهد برمّته. أما الأونيسكو ودوره في القدس كمدينة محتلة، ومعلنة كموقع تراثي عالمي، فتلك تبقى ترسيمات مرهونة بواقع سياسي محكم.


سياحة بلا سيادة؟


شكّل الاستيلاء على مطار القدس واحداً من أوجه تهاوي السيادة، إذ فُقدت السيطرة على نقاط الدخول والخروج إلى فلسطين. أدى ذلك الى خراب بالغ بطبيعة الحال للقطاعات المعيشية المختلفة في القدس، عززه لاحقاً عزل المدينة عن فلسطين مرة ثانية بموجب اتفاقية أوسلو وما تلاها من سياسات اسرائيل. استقت هذه من المنظومة العالمية النيوليبرالية صنعة تحويل الدول لمدنها الرئيسية "سلعاً تُباع وتُشرى"، وفقاً لدافيد هارفي. تشكل السياحة سوقاً أساسية لاستهلاك هذه المدن/السلع، والتي عادة ما تُنتج ما يتلاءم ورفاهية الوافدين على حساب أهل المدينة.. بل والمدينة ذاتها.
هكذا وأينما يولِّي المرء وجهه في القدس اليوم، يجد الرافعات وأسفلها اللافتات التي تشير إلى مشاريع عمرانية كبيرة، من شقق فخمة ومجمعات تجارية عملاقة مروراً بحدائق "قومية" ومتاحف إلى قطارات وجسور حداثية. تعتمد هذه المشاريع على منطق الخصخصة والسوق الحرة التي تتيح لرأسمالية محلية وعالمية أن تستثمر في مشاريع ضخمة تغير من ملامح المدينة ومن بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وذلك تحت غطاء ربحي حيادي الطابع يشددّ على كونه غير سياسي. وفيما ترتئي النيوليبرالية ابراز دور الدولة كلاعب حيادي بلا نيات قومية، إلا أنها فعلياً وتحديداً في مجتمع استعماري كإسرائيل تُخضِع حركة السوق لقيمها وأهدافها التمددية، وهي الممسكة بزمام سلطة التنظيم والبناء وإقرار المشاريع من عدمه وفق اعتبارات سياسية محضة.
وقد يكون المشروع المدعو "القدس 5800" من أبلغ هذه المشاريع التي تتيح فهم الماكينة التي تحرث القدس. يقدم المشروع، الذي أُطلق في العام 2011 بتمويل خاص من رجل أعمال يهودي استرالي استثمر في السابق في بناء مستوطنات في قلب القدس "الشرقية"، تصُوّراً مُفصّلاً للمدينة كوجهة سياحية عالمية يُراد لها بحلول العام 2050 استقطاب عشرة ملايين سائح أجنبي ومليونين محليين. تقارن هذه الخطة ما بين القدس وروما كمدن سياحية عالمية، وتدفع بالأولى لتصير مثل الثانية. ولذلك يعد العدة لاقامة مطار يصل القدس بالعالم مباشرة على مقربة من البحر الميت. إلى جانب ذلك، يُنتج المشروع القدسَ كحاضرة كبرى ستشمل بيت لحم ورام الله وأريحا والمستوطنات التي تحوطها "على حدّ سواء".
مردّ العنف التأسيسي المتأصل في هذه المشاريع العمرانية الضخمة هو تلك المخيلة الامبريالية الخصبة، التي تغطي الواقع بخرائط تلغي السكان والتاريخ والبنيان والثقافة، وتخطط قافزة فوق هذه "المعوقات". هكذا، تتخيل مشاريعهم أنفاق تحت البلد القديمة لقطار تحتي ومصاعد زجاجية عملاقة، وتعد لبنائها، وتبغي تحويل كل المناطق حول البلدة القديمة إلى فنادق وإغلاقها أمام حركة السير، بما يعنيه ذلك من قتل لنمط الحياة الفلسيطينية والملامح التي تجعل من القدس العربية ما هي عليه. وفي وقت تبشر به أهل المدينة جميعهم برفاهية وغنى، يمعن الفلسطيني في الغرق في الفقر والانبلاع في قلب منظومة عملاقة لا تتوقف عن سحب البساط من تحت قدميه يومياً.

سيميائية الاستعمار

على مدى أسبوع كامل، كل حزيران/يونيو، وما أن يسدل الليل ستاره على القدس حتى تبدأ مولدات ضوء عملاقة تعكس أشكالاً وصوراً على أسوارها ومبانيها الأثرية. هو "مهرجان الأنوار" الذي تنظمه بلدية القدس تقليداً لشبيهيه في ميلانو وأمستردام (وغيرهنًّ)، والذي لطالما أثار جدلاً في فلسطين لاستحواذه على الحيز العام الفلسطيني ولعرضه أشكالاً تهويدية على أسوار المدينة العربية. تُستقى هذه التصويرات الضوئية من منطق أوسع يعتمد فكرة عن مدينة "لا تتناقض مع تاريخ(ها) فحسب بل مع واقعها المعيش، وتحويلها إلى ما يبدو واقعاً مركزياً موحداً (وأبدياً) في حياة اليهود في العالم"، كما كتب ادوارد سعيد عام 1995 في مقالته "تصوير القدس" ((Projecting Jerusalem.
كان صاحبُ الاستشراق وابن المدينة وفاقدها قد تنبّه باكراً إلى دور الخيال والسيميائيات في عملية إنتاج القدس كمدينة اسرائيلية: التصوير أولاً ومن ثم البناء والتهجير لاحقاً.. وبدايةً النكبة، مستحضراً بذلك شقّ المدينة المحتل عام 1948 والمُغيَّب كجزء من المدينة المحتلة. تناول نصه مهرجان "القدس 3000"، الذي استمر لخمسة عشر شهراً احتفاءً بمرور 3000 عام على احتلال الملك داود القدس! اعتمدت المدينة مذاك الملك داود رمزاً متنامياً في الحيز العام المقدسي، بما أسماه بعض الباحثين بظاهرة "داودية" القدس. حمل عدد من الفنادق والشقق الفاخرة اسمه وأقيمت "مدينة داود" المتخيلة على هيئة بارك سياحي ضخم في حيّ سلوان الطريد. وحُوّلت قلعة القدس المملوكية الواقعة في الجدار الغربي لسور المدينة إلى متحف "قلعة داود". كما أطلق اسم "برج داود" على أحد أبراج القلعة الذي بات يعلو العديد من الدعايات التسويقية لمشاريع عمرانية ولمهرجانات، كأنما يُراد به القول أنه "لدينا نحن أيضاً برج.. كبرج إيفل"!
يتوازى إنتاج الرموز الاستعمارية بالاستيلاء على الأخرى الأصيلة، الراسخة في المخيلة العالمية والعربية، وأهمها قبة الصخرة المذهَّبة والبلدة القديمة بأسواقها المزدحمة والتي لا تنضب حركتها برغم الخنق الإسرائيلي. تُدفع هذه لتكون مجرد ديكور لمشاريع حداثية دونما أي التفات لمخزونها التاريخي، فنرى قبة الصخرة تظهر في الشريط التسويقي لـ "فورمولا وان" كرمز منزوع السياق. ليست السياحة سوقاً مادية استهلاكية فقط إذاً، وإنما هي مُفسَحاَ لخلق خطاب وقصّ حكاية من دون غيرها.. إنها ممارسة فذّة لسلطة معرفية استعمارية. لذلك كله، أُفردت هيئات سياحية متخصصة للبحث والتحليل وإجراء استطلاعات رأي لاستبيان أي المهرجانات والتسليات من شأنها أن تلائم صورة القدس كمدينة اسرائيلية عالمية، معتمدة بذلك على أحدث التكنولوجيات لبناء ثقافة مفبركة، من دون أن تلغي غيبيات تتمسك بها كعاقر برِجل وليّ صالح.

المدينة المُصادرة

يبيع بعض أصحاب محال التحف الفلسطينية المتبقية في البلدة القديمة تذكارات تحمل رموزاً إسرائيلية مثل الشمعدانات والقمصان المطبوع عليها بالعبرية، إلى جانب تلك التي تحمل كلمة فلسطين. وإن تكن المدن بطبيعتها أماكن تجمع أضداداً تتنافر وتتصالح، إلا أن ما تشهده القدس هو تخريب للمدينة كحالة وكفكرة، إذ يصادر الاستعمار المدينة من الفلسطينيين ويفقدهم مقدرتهم على صياغة جماعية لمعنى وسبل العيش فيها، وعلى حمايتهم لمورثات اجتماعية وثقافية لطالما كانت لبّ علاقتهم بمدينتهم.. تعطيهم ويعطونها. ما عادت القدس متاحة لاسترزاق أهلها، بل باتت طاردة لهم، فعلياً ومعنوياً، إذ لا يمكن فصل هدم البيوت وطرد السكان عن المشروع العام في قتل القدس كحاضرة عربية وإنتاج أخرى إسرائيلية مكانها.
أزمة القدس كانت دوماً مرتبطة برمزيتها المفرطة.. من الأطراف جميعها. بيد أن هناك في المدينة حياة تصوغها معرفة استعمارية تحتاج إلى معرفة مضادة، تُفكك الرمزيات وتُحضر الإنسان إلى واجهة مدينته المحتلة. معرفة ترمم المدينة كلما حفروا في السور أو تحت الأرض أو في تاريخ يستحيل برغم كل شيء أن يصادره أحد.


* محامية وكاتبة فلسطينية/ صحيفة "السفير" اللبنانية


مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورمتابعةخطابأبومازنفيالاممالمتحدةبالميادينالعامةفيفلسطين
صورمخيمالشاطئللاجئينفيمدينةغزة
صورسامريونيصلونداخلكنيسعلىقمةجبلجرزيمفينابلسفيليلةرأسالسنةالعبرية3656حسبالتقويمالسامري
صورافتتاحمعرضالجوافةالقلقيليةفيالبيرة

الأكثر قراءة