المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.628
دينار اردني 5.13
يورو 3.925
جنيه مصري 0.201
ريال سعودي 0.968
درهم اماراتي 0.988
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-09-10 19:54:34

الحملات الأمنية.. تحميل الأمن ما لا يتحمله

أصبح مفهوم "حملة أمنية" دارجاً في مجتمعنا هذه الأيام، ورغم انه يصعب وضع تعريف محدد لمعنى المفهوم بسبب تداخل عوامل ومتغيرات كثيرة في عملية التعريف، إلا أنه بات متداولاً أن المفهوم يشير الى جملة من الأنشطة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية لضبط حالة الأمن وفرض القانون والنظام، سواء كان ذلك على مستوى محافظة أو أكثر من محافظات الوطن، أو حتى على مستوى تجمع جغرافي محدد في إحدى المحافظات. لعل هذه الحالة تنطبق تماماً على الوضع القائم حالياً في محافظة نابلس تحديداً، حيث تتحدث وسائل الإعلام، فضلاً عن المسئولين وصناع القرار على مستوى المحافظة، عن حملة تستمر لمدة غير محددة بزمن الى أن تنتهي الأجهزة الأمنية من تحقيق هدفها في فرض القانون والنظام.

شهدت الأشهر الأخيرة خصوصاً تراجعاً في حالة الأمن والأمان عبرت عن نفسها في سلسلة من الأحداث التي أشرت بمجملها الى هذا التراجع ومنها على سبيل المثال لا الحصر: إزدياد ملحوظ في المشكلات الإجتماعية وخاصة الشجارات التي حصدت العديد من الأرواح، إزدياد ملحوظ في انتشار تعاطي المخدرات والسرقات والإبتزاز والتهديد والإحتيال.. وغيرها من الظواهر، وإزدياد ملحوظ أيضا وخاصة في ظاهرة إطلاق الألعاب والأعيرة النارية في المناسبات المختلفة. وهي بمجملها أدت الى تراجع الشعور بالأمن والأمان لدى غالبية مواطني المحافظة، وتراجع الثقة بقدرة السلطة وأجهزتها المختلفة عن توفير الأمن، وهو بدوره إنعكس بصورة سلبية أكبر على سلوكيات وتصرفات المواطنين وميلها أكثر الى اللجوء الى سبل ووسائل تشكل بإعتقادهم بديلاً لهذا الدور، وربما توفر على الأقل شعوراً أفضل بالأمن والأمان.

وبدون الدخول في كل تفاصيل هذا المشهد، وربما من هذه التفاصيل فإنني أود التركيز على القضايا التالية:

أولاً: بشكل عام هناك إرتياح لدى غالبية مواطني المحافظة من هذه الحملة والأهداف المعلنة لها على لسان أكثر من متحدث ومسئول. وهذا الإرتياح منبعه هو الحاجة الملحة لدى الغالبية الى الشعور بالأمن، والرغبة في ممارسة الحياة والانشطة الحياتية المختلفة دون قلق أو خوف أو التهديد على النفس أو الممتلكات. وتعزيز حالة سيادة القانون والنظام.

ثانياً: هناك حالة من القلق ترافق الإرتياح. والقلق نابع أيضاً من عدة تجارب سابقة في نفس الإطار. حيث القلق إما من عدم المساواة في تطبيق القانون والنظام، بحيث يشمل الجميع دون محاباة أو محسوبية أو تمييز بين خارق للقانون وآخر. وليس تطبيق القانون فقط على من جرت العادة العامية على تسميتهم "اللي ما إلو ظهر". في حين يفلت كل من كان له مصدر دعم أو سند من حالة العقاب والحساب على خرق وإختراق القانون والنظام. أو القلق من عدم تحقيق الأهداف المعلنة، او التحقيق المؤقت للأهداف، أي العودة الى نفس الحالة بمجرد إانتهاء الحملة الأمنية.

ثالثاً: التركيز المبالغ به على دور الأمن والأجهزة الأمنية في معالجة كل القضايا والإشكاليات الموجودة، وإعتبار الأمن وكأنه "العصا السحرية" التي سنضرب بها حالة الفوضى وقلة الأمن فنعالج بذلك كل قضايانا ومشكلاتنا. هذا لا يعني مطلقاً تجاهل أو التقليل من دور االأجهزة الأمنية في متابعة ومعالجة ظواهر خرق القانون والنظام، بل بالعكس هو التأكيد على اهمية دور الأجهزة الأمنية، وتعليق آمال كبيرة عليها في تحقيق ذلك، بدون ان يعني ذلك المبالغة في هذا الدور وتجاهل أو تناسي العوامل والمتغيرات الأخرى قد يقودنا الى مربع الصفر في هذا الموضوع.

وحتى تتضح الصورة أكثر فإنه لا بد من الإشارة الى أن هناك جملة من الأمور التي تلعب دوراً هاماً في فرض النظام وإستعادة هيبة القانون. الحلول الأمنية بإعتقادي غير كافية، ربما تعالج بعض الظواهر وتتمكن من الحد منها، لكن المعالجة الجذرية لكل الإشكالات والقضايا تتطلب تعاوناً وتضافراً وشراكة بين كل الهيئات والمؤسسات المجتمعية، الرسمية والشعبية والجماهيرية. خاصة إذا علمنا مسبقاً أن هناك أسباب ومسببات عديدة لإنتشار مثل هذه الظواهر كالأسباب الإقتصادية والسياسية والإجتماعية. والتساؤل هنا يكرر نفسه عن الفائدة مثلاً من الجهد الأمني في ملاحقة مروجي المخدرات وإعتقالهم إذا كانوا سيحصلون بعد بضعة أيام على إفراج بالكفالة؟! وفي إنتظار المحاكمة التي قد تستمر سنوات قد يعودون خلالها لممارسة نشاطهم الهدام. وكذلك الأمر بالنسبة للمحتالين والنصابين والسارقين وتجار المنتجات الفاسدة... وغيرهم من خارقي القانون والنظام. ومن ناحية ثانية ما فائدة ملاحقة مطلقي الأعيرة النارية في المناسبات المختلفة إذا لم نتمكن من محاربة جوهر العادات والتقاليد التي قادت الى فكرة أن إطلاق الأعيرة النارية عادة محببة ومرغوبة وتعكس مضامين تعبر عن القوة والهيبة والنفوذ لمن يقوم بها؟!

لمن لم يرى الصورة واضحة بعد فإنه يكفي نظرة واحدة سريعة على مجمل العادات التي أصبحنا نتفاخر بها جميعاً في مناسباتنا المختلفة، ونتسابق في تحقيقها حتى لو أضافت علينا عبئا وحملاً ثقيلاً لسنوات طويلة قادمة، ونقوم بها ليس لأي سبب كان، بل من أجل التفاخر والتباهي وإظهار النفس بمظهر القوة والمنعة والغنى وعلى قاعدة المقولة العامية "نحب الإرتفاع ولو على خازوق". وإذا كان أحد أهم أسباب إنتشار ظاهرة إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات الإجتماعية مثلاً هو مجاراة الآخرين، وإظهار النفس بمظهر القدرة والقوة، فإن نفس الفكرة ونفس

الأسباب تكمن خلف ظاهرة كإقامة الإحتفالات والولائم التي تكلف مبالغ مالية طائلة في المناسبات الإجتماعية كالخطوبة والزواج والنجاح والتخرج والمولود الجديد ... وغيرها. وهنا السبب أيضا هو اظهار النفس بالقوة والقدرة، وبإختصار أن كل منا يريد القول بأنه "ليس أقل من الآخرين". أما الفائدة والمضمون الحقيقي لكل ذلك فانه لا أحد يتساءل، أو حتى يرغب في التساؤل عنه. وهذا بالمناسبة ظاهرة إجتماعية عامة ولا تنحصر في محافظة محددة أو موقع جغرافي معين.

جوهر الموضوع يقوم بإعتقادي على فكرة أن معالجة الظواهر ذات الطبيعة والأسباب الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والقانونية والسياسية بجرعة علاج واحدة او بدواء واحد ربما لن يكون مجدياً في النتيجة النهائية، ويتوجب علينا البحث بصورة أوسع وأعمق عن حلول ذاتي طابع يناسب أسباب وجذور المشكلات، وليس تعليق كل ذلك في رقبة الأمن رغم أهمية دوره. لأن تعليق كل ذلك على شماعة الأمن والحلول الأمنية إنما هو هروب أو تهرب من الحقيقة. وهو بالمناسبة قد يقود الى حالة من الإحباط أكبر في كل مرة، وهذه نتيجة خطيرة من الممكن أن نصل إليها في حال إستمرارنا في تحميل الحلول الأمنية كل قضايانا ومشكلاتنا، وتهربنا من مواجهة إستحقاقات ترسيخ الأسس الصحيحة والسليمة لحالة من الهدوء والأمن والإستقرار، وتهربنا جميعاً من الدور والواجبات الملقاة على عاتقنا كأفراد ومجموعات وجماعات مختلفة، وتحملنا للمسئوليات الملقاة على عاتقنا في نبذ وتغيير كل العادات والتوجهات السلبية التي نمت وترعرعت فيها مجمل الظواهر التي نشكو منها جميعاً، لأنها أصبحت خطراً يهدد ليس فقط أمننا وإستقرارنا، وإنما يهدد تماسك ووحدة مجتمعنا.

نبيل دويكات

رام الله-10 أيلول 2015



مواضيع ذات صلة