المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.619
دينار اردني 5.106
يورو 3.935
جنيه مصري 0.201
ريال سعودي 0.965
درهم اماراتي 0.986
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-10-22 05:11:52

سمات إسرائيل المختنقة

لا نسأل إن كانت هذه انتفاضة، ولا إن كانت وتيرة العمليّات والاشتباكات والتظاهرات ستظلّ على ما هي عليه. هذه الأسئلة غير ناجعة، إذا كان الهدف تشكيل صورة اجتماعيّة وسياسيّة متكاملة لما يحدث على الأرض في فلسطين، ولا هي ناجعة لتشييد إطارٍ نظريّ سياسيّ للحالة الثوريّة القائمة. لا يُجدي السؤال عن المقاومة، لأنّها ردّ فعلٍ بتعريفها. فهي تُعرّف بموجب الفعل الذي تناقضه. لذا، فالسؤال هو إسرائيل: ما هي اللحظة التاريخيّة التي يعيشها هذا الكيان؟ ما هو شكل مجتمعه اليوم؟ كيف يُمكن توصيف ورطته؟ وما هي الاحتمالات والأدوات التي يمتلكها؟ الإجابة على هذه الأسئلة من شأنها أن تشكّل صورة متكاملة للفعل الإسرائيلي على الأرض، الذي يبني الجدران والسدود القمعيّة التي تحاصر الفلسطينيين.. وعبر الثغرات في سدّ القمع تتدفّق المقاومة: ثغرات عضويّة، وجودها من وجود الجدار، هندسته تُنتجها وتتوسّع بالمقاومة.

ما وراء الأسئلة السياسيّة

إن ترتيب الأسئلة التي يجب أن تُسأل يهدف بالأساس للتحذير من الوقوع بنقاشٍ إشكاليّ مطروح بقوّة في هذه الأيّام حول شكل العمل الثوري الذي ينتهجه الشبّان الفلسطينيّون: عمليّات الطعن. فالنقاش الذي يبدأ بالجدوى وصورة المقاومة أمام العالم، ينتهي دائماً بجدلٍ أوسع حول العنف واللاعنف، واستهداف المدنيين مقابل استهداف العساكر. ما المشكلة في هذا النقاش؟ أنّه يُنعش، بغض النظر عن النوايا، الخطاب السلطوي الذي يسعى لفصل العنف عن جوهر نظام الاستعمار ومجتمعه. إنه يصف العنف كظاهرة ناتجة وليس كجوهر مُنتِج. إسرائيل، كما كل نظامٍ دمويّ، تحاول أن تصف الواقع الوحشيّ الذي يُعاش تحتها كظاهرة منفصلة عن وجودها، وتنشر فكرةً كاذبة بأن النظام الصهيوني ومجتمع المستعمرين يمكنهم أن يتواجدوا دون وجود العنف حولهم، منهم وضدّهم. الاستعمار يصوّر لنا عنف المقاومة كخيار عقلانيّ وليس كردّ فعلٍ تلقائي. إسرائيل تقول: "الفلسطينيّون قرروا استهداف المدنيين"، ونحن نناقش هذا "القرار" متجاهلين أن اتخاذ القرارات يحتاج "إرادة حرّة" حُرم منها الفلسطينيّون. ما يجب أن نتذكّره أن العُنف ليس عاملًا في الحالة السياسيّة إنما هو نفسه الحالة السياسيّة بكليّتها. وعليه فنحن لا نختاره، إنما هو الذي يُسيطر على المجتمع ويعتريه.

هل يختار الفلسطيني ملامح المقاومة؟

ترتبط جذور هذا الخطاب الإسرائيلي (الذي يقع في فخّه الكثيرون عن قصد أو من دون قصد) بأسسٍ فلسفيّة مثاليّة توافقت دائماً مع النزعات اليمينيّة، الفاشيّة والاستعماريّة، وفكرتها الأساسيّة (ببالغ التبسيط) أن الوعي سابق للتجربة الماديّة. وليس من باب المصادفة أن يكون أحد أخطر "نجوم" العنصريّة في إسرائيل اليوم، الذي أسس حركة "إم ترتسو" الواسعة الانتشار والتأثير، قد اعترف في مقابلةٍ صحافيّة بتأثّره الشديد بالفيلسوف الألمانيّ يوهان فيخته الذي غلّب الوعي على الذات. كتابات فيخته، لمن لا يعرف، هي واحدة من أبرز الأسس النظريّة للحركة النازيّة.
الفلسفة ليست موضوعنا هنا، إنما تطبيقاتها على الأرض التي تبدو بعيدة كل البعد عنها. على الأرض، تدّعي الفاشية الاستعماريّة بأن وعي المستعمَرين يسبق تجسّد الذات الفاعلة لديهم، وذلك بهدف تشبيههم بها وتقاسم مسؤوليّة الدمويّة بين الحاكِم والضحيّة. الوعي السياسي يسبق الأنا المُقاوِمة، يقولون، وبالتالي فإن إمكانيّات اختيار شكل المقاومة هي بيد المظلوم: الفلسطيني يستطيع أن يختار إن كانت مقاومته سلميّة أو عنيفة، شعبيّة أو عسكريّة، أن يستهدف المدنيين أو لا يستهدفهم، أن يستخدم الطعن أم يكتفي بالحجارة.. وهذا وهمٌ يجب أن يتبدد. الوعي السياسي لا يمتلك الأنا السياسيّة، إنما هو يتشكّل من إمكانيّات حركتها الماديّة. شكل السدّ الذي يُحكِمه الاستعمار هو الذي يحدد شكل الثغرات التي تتدفّق منها المقاومة. مجتمعنا الفلسطيني، مُجتمع المستعمَرين، هو المجتمع الطبيعي. بمعنى أن وجوده في أرضه غير مسبوق بقرارٍ سياسيّ، بينما مجتمع المستعمِرين، الإسرائيليّين، هو مجتمع أنشئ بقرارٍ سياسيّ. فكرته سبقت وجوده. هُندس السدّ ورُسم على الورق قبل أن يُبنى، أما النهر فلا. المقاومة لا تقرر ملامحها، إنما ترثها من القمع الأب.
هذا، بالطبع، لا ينفي أن يفكّر الناس بمقاومتهم وبتجاربهم وأن ينقدوها ويطوّروها، وأن يتم إنتاج منظومات اتخاذ قرار عقلانيّ داخل التنظيم السياسي المقاوِم (هذا في حال ترك الاحتلال للتنظيم السياسي وجوده). ومن ضمن هذا التطوير يكون الالتزام بأعراف الحرب وقوانينها الإنسانيّة الدوليّة، وهذا هام جداً. ولكن لا يمكن للفكر السياسي والوعي السياسي والقرار السياسي، مهما "تنوّر" أو تقدّم، أن يسبق الواقع الاجتماعي والمادّي على الأرض. المجتمع، دائماً، سيستخدم كل إمكانيّات القتال التي بقيت أمامه لكي يناضل ضد الاحتلال.

القدس: موسم الحصاد

لنأخذ القدس مثلًا: سدّت إسرائيل كلّ منافذ التسليح، ثم قمعت كل إمكانيّة لعمل الفصائل الفلسطينيّة التي نظّمت القتال بهرميّة اتخاذ قرارات عقلانيّة، ومنعت أي مظهر من مظاهر الاحتجاج الشعبي الطويل الأمد عن طريق زجّ اقتصاد القدس بهامش هامش الهامش الاقتصادي الإسرائيلي، ثم دمّرت كل إمكانيّة تجمّع مدني سياسيّ للناس على أساس انتمائهم الوطني، وأقفلت كل أبواب تغيير الواقع السياسي لدى المقدسيين (تُذْكر هنا وفاة فيصل الحسيني كمرحلة زمنيّة مفصليّة مع أوّل الانتفاضة الثانية)، وحتّى الاحتجاج الجماهيري المتفرِّق، تظاهرة هنا أو اعتصام هناك، قُمعوا بقوّة شديدة جداً، والجمعيّات الثقافيّة والمؤسسات الاجتماعيّة تم استهدافها، اقتحامها وإغلاقها واعتقال القائمين عليها. في هذا الظرف، لا يُمكن بأي شكلٍ من الأشكال اعتبار شكل المقاومة خياراً، فقد دمّرت إسرائيل أي احتمالٍ لتعقيل العمل عبر تدميرها للحياة السياسيّة، وهي الآن تحصد. فإن مُهندس القمع هو نفسه مُهندس إمكانيّات المقاومة. الظرف المادّي للإنسان، الذي يمارِس فيه تجربته الفعليّة، هو المحرك السابق لوعيه للنضال، لمعرفة الصحيح من غير الصحيح، وليس العكس. ووحده من لا يعيش الظرف المادّي في فلسطين، أو لا يبذل مجهوداً لفهمه وتخيّله على حقيقة تفاصيله الكارثيّة، يُمكنه أن يجادل الفلسطينيين بوسائل مقاومتهم للاحتلال. ليس لأن الفلسطيني منزهاً، ولا لأنه لا يُخطئ ولا يُجرم، لكنّ منطقياً: لا يُمكن لفاقد الإرادة الحرّة أن يختار.

مفصل التسليح

يُقاس ثقل الحالة الثوريّة انطلاقاً من النقطة التي استطاعت فيها هذه الحالة أن تُغيّر بُنية القمع وشكله. حين تستطيع المقاومة (ردّة الفعل) أن تصدم القمع (الفعل) بحيث تغيّر مساره (بغض النظر عن الاتجاه)، يتحوّل حضورها محورياً ومؤثراً في حركة المشهد السياسي. التغيير الحاد الذي أحدثته الحالة الثوريّة في مجتمع الاستعمار ثَبُت في أوّل تصريح لقائد منطقة اشدود في الشرطة الإسرائيليّة حين دعا المواطنين (المدنيين) الإسرائيليين لحمل السلاح أينما حلّوا تحسباً لعمليّات الطعن. وانطلقت فوراً النداءات ذاتها من قِبل قيادات الشرطة، وزراء الحكومة، أعضاء البرلمان ورؤساء البلديّات إسرائيلية: "كل من لديه رخصة لحمل السلاح فليحمل سلاحه". ما معنى ذلك؟ في العام 2013 سُجِّل رسمياً في إسرائيل 293 ألف قطعة سلاح بيد "مواطنين"، أي بالمعدّل قطعة سلاح خاص واحدة لكل 15 يهودي/ة بالغ/ة. يجدر التنبيه أننا نتحدّث عن الأسلحة الخاصّة، أي من دون حساب سلاح مئات الآلاف من الإسرائيليين الذي يعملون في أجهزة الشرطة، مصلحة السجون، خدمات الطوارئ، الجيش والأمن الحكوميّ. هذه الأعداد المهولة من المسلّحين المنتشرين بالشوارع، إلى جانب الضوء الأخضر الذي أُعطي لهم بالإعدام الميداني لأي فلسطيني يُشتبه بأنه نفّذ عمليّة طعن، إضافةً إلى انصياع الشرطة الإسرائيليّة التام لأي مواطنٍ يهوديّ يشير بأصبعه نحو عربيّ ويقول إنه "مخرّب" فيُطلق الرصاص نحوه، مثلما قُتل الشهيد فادي علّون ومثلما أصيبت إسراء عابد. هذه صورة الوضع في إسرائيل اليوم.

دلالات واقع إسرائيلي يبدو جديداً

الدلالة الأولى لهذه الحالة الهستيرية القائمة اليوم في إسرائيل تتعلّق بسؤال المدنيّة الإسرائيليّة. مجدداً: الاستعمار يسعى لفصل العنف صورياً عن جوهر نظامه ومجتمعه، لأن ما يترتب على ذلك هو تحوّل مجتمع المستعمِرين إلى مجتمع مدني دون مظاهر عسكريّة، وأن يبقى العنف بيد "سلطات الأمن" والجيش، فيُصوّر العنف ذراعاً للدولة. بيد أن العنف بالحقيقة هو الدولة بذاتِها. اليوم، أجبرت المقاومة المجتمع الإسرائيلي على أن يظهر في الشوارع على حقيقته، حاصرت مساحة الأمان التي يعيش فيها بينما هو يقهر ويقتل ويعتدي، فخلع عن نفسه أزياءه الملوّنة وانتصب بالبزّة العسكريّة التي لم يخلعها عن نفسه يوماً. أظهر حقيقة الصحافة التي لم تكن حرّة في أي يومٍ من الأيّام، وكشف عن التماسك الأمنيّ الشديد بين شركات القطاع الخاص والدولة، وبدد الفروقات كلياً بين ممارسات الإسرائيلي في الخليل والإسرائيلي في الجليل. وحين تتبدد الفوارق بين الجيش والشرطة، وبين الشرطة والمجتمع، يتبدد الخط الفاصل بين مساحة عمل الجيش ومساحة عمل الشرطة ومساحة عمل المجتمع. فلم تعد حدود العام 1967 أكثر من معطى تافه، وهذا، للتذكير، ناجم عن هندسة القمع الإسرائيلي للقدس عبر القانون الذي "ضمّها" بعد احتلالها بحيث فصلها عن الضفّة، ولكن ترك أهلها بلا مواطَنة فعزلهم عن سياق فلسطينيي الداخل. وهو واقع أحدث الثغرة التي تسمح للمقدسيين (المعرَّفين كمقيمين دائمين بحسب القانون الإسرائيلي) الوصول إلى أي نقطة جغرافيّة في داخل أراضي 1948.
الدلالة الثانية للحالة الهستيريّة تكمن في الإلغاء العمليّ لما يُسمى بالقانون الإسرائيلي "تعليمات إطلاق النار"، وتبدد قانون الإجراء الجنائي بما يتعلّق بالفلسطينيين عبر الإعدام الميداني للفدائيين (ومن يُشتبه بأنهم فدائيون)، وبأوامر واضحة وعلنيّة من جميع مستويات القرار السياسي الإسرائيلي. هذه الحالة العامّة، التي تحوّلت إلى عُرف إسرائيلي في هذه الأيّام، تضرب في صميم التناقض الداخلي للنظام الصهيونيّ. لم تعد "الدولة اليهوديّة والديموقراطيّة" قادرة، في وجه الوضعيّة الثوريّة الجديدة، على أن تدافع عن نظامها إلا من خلال تعطيل العامل الجوهري في الأنظمة الديموقراطيّة: سلطة القانون. سُحبت قوّة العقوبة من يد القانون (رغم أنه جائر بدوره) الذي يضمن التحقيق بالشبهة، تقديم لائحة الاتهام، المحاكمة، والحق في الدفاع ومن ثَمّ العقوبة. وحوّلت، أمام العالم بأسره، قوّة العقوبة إلى سلطة "من يحمل رخصة سلاح"، أي اليهود في اسرائيل. لقد استسلمت إسرائيل للتناقض بين طابعها وجوهرها. تنازلت عن الأوّل لتحمي الثاني فانفجرت حقيقة همجيّته. اندثرت صور المواطَنة وكشف الفرد الصهيوني سيادته على القانون. ما الذي نتعلّمه عن حالتنا الثوريّة عبر هذه الدلالة الإسرائيليّة؟ أن المستهدَف المُرتعِش تحت وطأة هذه الحالة الثوريّة هو النظام السياسي والاجتماعي الإسرائيلي وليست منظومة إسرائيل العسكريّة.

إسرائيل: اختناق المواطنة

إن خاصيّات القدس السياسيّة والاجتماعيّة التي أنتجتها إسرائيل، ورّطت الاحتلال بحالة ثوريّة لاـمركزيّة تستحيل مواجهتها دون توطيد بنيويّ للعلاقة بين النظام السياسي والأفراد في المجتمع الإسرائيليّ. بما أن الاقتراب يُقلّص المسافة بالضرورة، فإن الاقتراب بين النظام السياسي والمجتمع يقلّص مساحة حريّة المجتمع من دولته. تختنق المساحة المدنيّة في إسرائيل، وحين تنعدم المساحة المدنيّة تنعدم الحاجة لسلطة قانون تضبط المجتمع في ممارسة قوّته، تنعدم المنظومة الحقوقيّة، تعمّ العسكرة، ينتشي المجتمع بقوّته. يسود اليهودي الإسرائيلي حامل السلاح فوق القانون، فتنعدم قيمة المواطَنة وتبدِّل "رخصة السلاح" بطاقة الهويّة.

مجد كيّال
22/10/2015

* كاتب فلسطيني من حيفا

"السفير" اللبنانية



مواضيع ذات صلة