2017-03-29 الأربعاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.611
دينار اردني 5.095
يورو 3.909
جنيه مصري 0.2
ريال سعودي 0.963
درهم اماراتي 0.983
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-10-22 21:04:55

في أن مركز فلسطين هو... ذاتها

غربت شمس الخطاب القومي عن فلسطين منذ زمن بعيد، واليوم يظهر، أكثر من أي وقت مضى، أن هزيمة “العرب” عام ١٩٦٧ كانت بداية تاريخ هذا الأفول. أما الحروب التي تلت فكانت الأبرز، بينها حرب العام ١٩٧٣، التي تبدو اليوم أيضاً، أنها كانت حرباً وطنية استظلّت راية فلسطين، لكن هدفها الرئيسي كان استعادة الأرض التي جرى احتلالها في كل من سورية ومصر، أي أنها كانت حرب الختام، حيث لم تفارقها اللهجة القومية تماماً، وبعد ذلك كان الجلوس إلى طاولة التفاوض، ومن ثم تمادى زمان الجلوس.

بعد حرب تشرين العربية، عادت الحروب إسرائيلية وفلسطينية. ميادين الحروب هذه كان ميدانها الأهم، وربما الوحيد: لبنان، في هذا البلد دارت رحى اجتياحين، الأول عام ١٩٧٨، والثاني عام ١٩٨٢. طرفا الصراع كانا العدو القومي من جهة، وأبناء القضية المركزية العربية من جهة أخرى. لم يعدل المشهد وجود الحلفاء اللبنانيين، وكانت مأساة المشهد المتوقعة والمعروفة، تمترس العرب خلف انسحابهم من المسؤولية عن الدفاع عما كانوا يطلقون عليه: قضيتهم القومية:

تزامن بدء الغروب القومي بعد الهزيمة، مع بدء تقدّم أصحاب القضية المركزية الذين أطلقوا رصاصات استقلالهم الأولى عن الوصاية القومية عام ١٩٦٥. الحرب الفلسطينية التي اختار مقاتلوها أسلوب الكفاح المسلّح الطويل الأمد، صارت هي الحرب القومية، لكن قوميتها كانت الممر إلى الإعلاء من شأن وطنيتها، ولذلك اقتصر الطلب الفلسطيني الوطني على تأمين الدعم والاحتضان من أبناء أمته العربية، مع تأكيد شعار عدم التدخّل في الشؤون الفلسطينية باستمرار. انقلبت الأدوار والمواقع، فقد مضى زمن استخدام الأنظمة القومية العربية راية فلسطين، وبات مطلوباً من الأنظمة التقدمية وغير التقدمية الانضمام إلى الخطاب الفلسطيني، الذي صار بعد الهزيمة أسلوب الرد الأنجع على كل أسباب النكبات العربية.

هكذا بدا أن المركز الفلسطيني عاد ليأخذ زمام المبادرة، وتقدم ليفرض رؤيته لكيفية إدارة شؤونه، مستفيداً من الأغلال التي وضعتها الهزيمة حول أقدام وأيدي الأنظمة القومية، الموسومة بالتقدمية، ومستنداً إلى حالة الالتفاف الشعبي الواسع الذي انتشر في المدى العربي العام، كتعبير عن رفض ما آلت إليه الحرب الخاسرة، وعن رفض المبررات التي سيقت حول الأسباب التي أدت إلى الخسارة، وعن رفض الديماغوجيا الخطابية الرسمية التي أعلنت فشل الهجوم العدواني في تحقيق أهدافه. وما الهدف؟ إسقاط الأنظمة التقدّمية، لذلك أعلن الانتصار بسبب بقاء هذه الأخيرة، وعلى رغم أنها فقدت أجزاء واسعة من أوطانها!

تباعاً، بدأت تتبلور مراكز أخرى إلى جانب المركز الفلسطيني، كان هذا إيذاناً بغلبة “الوطنيات” على قوميتها، على رغم هشاشة هذه الوطنيات التي ظلّت مشوّهة ومعطوبة. مع هذا التبلور، بدا الاتجاه البياني لكل من القومية والوطنية متعاكساً، بل إن صعود طرف كان مرتبطاً بنزول الآخر، وتقدم الواحد على علاقة مباشرة بتقهقر الثاني. كانت المصالح “القطرية” الداخلية قد بدأت تتراكم وتجتمع على نبذ ما يعكر صفوها وسلاسة انتظامها، أي أن هذه المصالح باتت في موقع صد الشغب القومي الفلسطيني، الذي يسعى هو الآخر إلى تنشئة عود وطنيته الخصوصية وتصليبه.

زمن الافتراق القومي عن الوطني بدا حاداً بعد احتلال العاصمة اللبنانية بيروت، وبعد وقوف الأمة العربية موقف المتفرّج على الدمار اللبناني، ومن ثم على الخروج الفلسطيني من قاعدة الارتكاز اللبنانية، التي كانت حاسمة في تبلور استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، في السياسة وفي الميدان. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الإفصاح الفلسطيني عن مدى وطنيته، جوبه بإفصاح العرب عن مدى نكوصهم القومي، وعن السعي إلى مصادرة الشخصية المستقلة للشعب الفلسطيني، لتوظيفها مجدداً في منظومة المصالح القطرية الخاصة، وهذه المرة من بوابة التخوين والتفريط، وبدعاوى الصمود والممانعة وما الى ذلك من صيغ التضليل الوطنية هذه المرة، مباشرة ومن دون أقنعة أيديولوجية. بذلك، دشّن الفلسطينيون وبعض العرب سياسة اصطدام الوطنيات، في تكرار لنسخة الأردن عام ١٩٧٠، ووفقاً لنسخة متجدّدة كتب سطورها النظام السوري، الذي سبق له وكتب فصولاً عديدة من رواية الصدام المموّه مع الشعب الفلسطيني.

كان الداخل الفلسطيني ملاذ القضية المركزية، أي أن التوجه السياسي نحا منحى حل إشكالية الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال إعادة زخمها إلى أرضها، فلا تبقى حركة خارج الجغرافية الخاصة بها، وتغادر وضعية القتال من خارج الحدود، متخلّية عن نظرية تثوير المنطقة، وربما بعض الأنظمة العربية. لقد فاوض الفلسطينيون وكان لهم اتفاق أوسلو، بعد أن سعى “النظام العربي” الى جعلهم فدية لسلامه مع الذين اغتصبوا أرضهم، أي أن هذا التظام حاول شراء هدوء وطنياته بثمن ما كان اسمه قضيته المركزية. كل نقاش خارج هذا السياق، سياق التخلي العربي وتهاون الأشقاء ومهادنة الخصوم والأعداء، هو نقاش تضليلي، لذلك فإن الممارسة السياسية الفلسطينية بعد أعوام الكفاح الطويلة، أفضى إليها الصمود الفلسطيني في الجوانب الإيجابية، فيما جعلتها سياسات الخصومة العربية مع فلسطين ممراً يكاد يكون إجبارياً في الظروف التي أحاطت بالممارسة السياسية الفلسطينية العامة.

اليوم، يتابع الشعب الفلسطيني سياسة استقلاله عن سياسات التخلّي العربي، وهو إذ يتمسك بالرفد العربي ويشدّد عليه، فإنما يفعل ذلك من ضمن سياسة تثبيت الوطنية الخاصة فوق أرض فاسطين، ويعتقد، وهو مصيب في اعتقاده، أن ثبات هذه الوطنية يشكل مساهمة في تثبيت كل الوطنيات العربية الأخرى. هل من تناقض في ذلك؟ كلا ، هذا إذا ما تمسكنا برؤية سياسية ترى في مسألة الصراع ضد إسرائيل مكوناً داخلياً من مكونات كل وطنية عربية.

لقد خاض الشعب الفلسطيني غمار انتفاضتين شعبيتين عظيمتين، وهو زاوج بين أساليب كفاحية عدة في كل انتفاضة، وكان الأمر جلياً أكثر في الانتفاضة الثانية، عندما حاول الرئيس الشهيد ياسر عرفات، رعاية سياسة انتفاض مزدوجة تجمع بين الهتاف السلمي والأسلحة الحربية. جاءت نتيجة المزاوجة بنتائج كارثية على الفلسطينين، من تفاعلاتها وتداعياتها، وبسبب تراكماتها السلبية سياسياً ووطنياً، يبدو الشعب الفلسطيني على أبواب انتفاضة ثالثة.

من دون استباق للأمور السياسية والميدانية، لا بد من التنبيه إلى عدم الوقوع السهل في إغراء الشعارات القديمة. في طليعة هذه الشعارات، شعار الكفاح المسلّح، ومعه الاكتفاء بترداد التمسّك بالسلمية كيفما كان. لعل الشعب الفلسطيني أمام ضرورة ابتكار وسائل كفاحية عديدة، والتنقل بين أساليبها، وذلك كله من ضمن سياسة دقيقة تحدّد المناسب وغير المناسب من الأعمال والعمليات، بالارتباط مع الظروف العامة المحيطة بكامل الوضع الفلسطيني.

ما زلنا نتعلّم من الشعب الفلسطيني، فهو الرائد في ميدان الصراع، وهو صاحب الاستعداد الكفاحي الأعلى. لعلّ من مقدمات الغضب الشعبي العارم “سياسة السكاكين”، هذه السياسة أقل ضجيجاً، وأشد فتكاً، والمبادر إليها فلسطيني يعرف معنى الفداء. وسنكون مع فلسطين المظلومة. فلسطين التي لا تستطيع أن تكون ظالمة، هي التي احتلّ ظلم العالم وظلامه أرجاء ترابها، منذ عقود وعقود

أحمد جابر .

* كاتب لبناني

 



مواضيع ذات صلة