2017-03-24 الجمعة
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.647
دينار اردني 5.155
يورو 3.934
جنيه مصري 0.202
ريال سعودي 0.973
درهم اماراتي 0.993
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-12-17 00:16:42

عــــزّام الشويكي .. طوبـــــــوغرافيـــــا القوة

 يَنْدُرُ أن يجسّد إنسانٌ القوة طوبوغرافيًّا كخير مطلق القيمة ومتكثّر المحلات، إلا إذا كان نبيّا أو مقاوما جامعًا للمعنى، لذلك فالقوة في هذا المَقام ليست آعتدالا بين الربا (العنف) والنقصان (الضعف) آعتدال سلام ومسالمة (لأن هذا النمط من الاعتدال في القوة إنّما هو نمط زمني متغيّر بتغير الحالة) بل هي قوة مغايِرة، عنفها فضيلة (كمقاومة المحتل أو الدفاع عن النفس في مواجهة آعتداء خارجي) ولا يأتيها الضعف أبدا. هي كطاقة الشمس مكرورة العطاء لا تنضب، تتدفّق خيرا طبيعيا لا إلزام يكرهه على الفعل ولا شيء يوقفه. هذه القوة التي ليست الاعتدال بين الربا والنقصان هي قوة مكتملة لا تحتاج لسند ولا لمتن. هي قوة أصل.

  هكذا هي قوة عزام الشويكي هذا المقاوم الذي كان جامعا للمعنى وللقيمة. قوة عزّام طوبوغرافيتها متعدّدة المواقع وحالاتها متكثّرة.

طوبوغرافيا القوة البرّانية عند عزام الشويكي

  جسد عزام هو الطوبوس (topos= مكان) الذي لا يرحم وأنّى لهذا الجسد أن يرحم محتلّ أرضه.

وفي أقبية التحقيق يتجلّى هذا الطوبوس الذي لا يرحم كبيرا شامخا ماسكا بقيمة الحق حين تكون اللارحمة ربا القوة بالفضيلة، عنفا مجيدا في مواجهة عنف صهيوني مريض وبائس، هناك حيث يقارع الجسد العنيد آلة التعذيب بالقسوة ذاتها، بل وأكثر، حين تقضم الآلة اللحم باحثة في ثنيات الجسد عن صرخة آعتراف؛ لم تُلفظ يوما.

في وجه عدوّه تقمّص عزام صفة الأرض تقاوم بثباتها وصلابتها، فهل رأيت يوما أرضا تهرب ! تماما كثباتها في وجه السماء ثباتا طبيعيًّا عزام ثابت، بل ثباته أقوى من ثبات الأرض لأن الأرض لا عقل لها لتختار به فعلها ولا جهد تبذله لتَثْبُتَ فالجاذبية سندها، لكن عزام ثابت على الحق ثبوت فعل ومقاومة ومواجهة، ثبات حياة تستخفّ بالموت فتضرب على سندانه دون آرتعاش.

جسد عزّام أرشيف لفضاعة العنف الإسرائيلي والظلم الصهيوني لكنه أيضا أرشيف لذلّ هذا الصهيوني ولآنكساره أمام هذا الجسد- الصخرة، الواسع في قوته وصلابته وجسارته.

جسد عزام الشويكي لا يعرف معنًى للإعتراف هذا الذي يلاحقه التعذيب كتوأمه الأسود، لذلك لا يمكن تزييفه ولا مغالطة نزفه حتى إن صمتَ حين تحوّل وشما في الروح قبل الجسد.

وإن جار المحتلّ على عزام فهو جِوَرٌّ، يهدر بالحق، صلب أمام الموت شديد عليه.

هو الذي قال لي يوما "حين لم أجد غير لحمي في المواجهة مع العدوّ أقسمت أن أجاهد به لآخر رمق".

لو سألتُ غرف التحقيق عنك يا عزام لآرتجفت سلاسل التعذيب من فرط إرادتك، فليس قهر الحديد مشاعا، فكم دوّن حديد الظلم من صرخات آعتراف.

وحدهم الثابتون أمثالك من يرتجف الحديد لذكراه، ويعدّل الطليق في جلسته، حياءً وآستحياءً، حين يأتي المتحدّثون بذكركَ.

    جسد عزام طوبوس لا يرحم حين كان مطاردا من قوى الشر الصهيونية وهو المواجه ليس الهارب، وهو المطارِد لا المطارَد، هو الحق الطليق الذي يغيض العدوّ، عدوّ يخاف الحق ويرصده في وجوه الأحرار يريد قتلهم أو أسرهم حتى يخمد صوت الحق الذي يرعبه. عزام كان هذا الصوت. يفترش الجبال ويسكن المغائر ويركض في الوعر ويتلحّف السماء، كان يرى فلسطين أجمل مما نراها، وكانت تسكنه أكثر مما تسكننا أولَيس عزام وصحبه ورفاقه من ينطبق عليهم قول الله عزّ وجل { انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }.  هاهم قد نفروا حين بقي الآخرون في مساكنهم، وحين بقيت الأمة في أوكار الذلّ والجهل والخوف وحين قبّل الحكام العرب أحذية سلاطين الغرب، أَوَ النفير بالأمر الهيّن؟ لو كان كذلك لكان طريق الحق سهلا لا دماء تخضّبه ولا أشواك تكسوه. النفير لنصرة الحق ولدحر آحتلال هو المعنى الصعب والقرار القاسي حين يدخل العقل في عرك مع العاطفة، وقلة هم العقلاء، بل ربما قلة هم مجانين الخير والحرية الذين بلغوا ترف العقل.

   جسد عزام هو الطوبوس الذي لا يرحم حين كان مبعدا منفيا في مرج الزهور لا حنين يأخذ روحه للراحة والفُرش الدافئة والبيت بل كان حنينه كله لفلسطين الأرض والحبيبة. لم يهن في عراء الغدر ولم يضعف من قهر الظلم بل رَبَت اللارحمة الفاضلة في نفسه، فكيف له أن يرحم عدوّه بقبول الإبعاد. إن أي ضعف في المواجهة مع العدوّ هو رحمة له، وكان عزام أكثر الكارهين لهذه الرحمة.

هذه هي القوة التي في رِبَاهَا تحدث فضيلة العنف حين يكون مواجهة محتلّ ومقاومة ظلم. وهذه هي طوبوغرافيا القوة عند عزام حين تمتد القوة من الجبل إلى الزنزانة إلى أقبية التحقيق إلى المنفى في عزم لا يتوقف وفي طاقة مكرورة تتجدّد من قسوة الحال وضيق المكان. عزام كان أرضا في ذاته، أرضا واسعة تخصبها إرادة القوة دوما، لا تحدّها قيود المحتلّ ولا أسلاكه الشائكة، لذلك تراه كالأسد في عرينه وهو في قلاع الأسر.

 

طوبوغرافيا القوة الجوّانية عند عزام الشويكي

وإذا كانت القوة البرّانية في عزام تربو لتقاوم الظلم وتشكّل بين المحلاّت طوبوغرافيتها الخاصة فهي في داخله أكبر وأربَى.

القوة الجوّانية عند عزّام رابية بالجوهر لذا لا تعرف للنقصان سبيلا.

في داخله طاقة للعطاء عصيّ وصفها إذ هو الذي لا تراه يوما مرتاحا والسبب هم الفقراء والمحتاجين.

خارج السجن وأقبية التحقيق اللعينة -حتى وهو مطارد- لم يكفّ عن مساعدة الناس.

أذكر أنه ذات برد شديد من شتاء مثلج قاتل صقيعه وجدته بُعَيْدَ الفجر والناس نيام قائما يتجهّز للعطاء فآستغربت سائلة لما هو قائم في هذه الساعة فأجابني " كيف بي أن أبقى في بيت دافئ وهناك من يشعر بالبرد من الفقراء. لا أريد أن أشعر بدفء مادام هناك من يلسعه البرد من الفاقة". آستوقفتني كلماته حينها رغم أني لم أستغرب منه ذلك وهو الذي نذر نفسه للآخرين.

يقول ابن عربي في رسائله "الطرق شتّى وطريق الحق مفردة والسالكين طريق الحق أفراد"، فالحق نور لا يُبْصَرُ في الكثرة ومساره صعب وطريقه وعرة لا يسلكها غير الثابتين الأقوياء، وكذا عزام آستعلى على الكثرة وبالتوحّد والفرادة، توحّد قوة ترتدّ إليها وتربو حتى تساند ضعف الآخرين دون أن ينقص منها شيء، فكلما أعطت رَبَتْ. عزام آستعلى على الكثرة بالتوحّد توحّد جوهر وأصل ثابت لا يحتاج لمكمّل.

حين تنظر قوة العقل فيه تعتقد أنه جبل لا عاطفة له، لكنه من يملك في روحه وسع الأرض محبّة وعطفا وودّا ورحمة. ومن صفاته الفُضلى أيضا أنه عادل، كريم، سخيّ حدّ أن يعطي قوت يومه.

له في الإسلام رؤية ندرت كأنما هو من زمن الأنبياء. إذا جالسته تستمع لحديثه وجدت ضالّتك في الإسلام الثوري المحمدي حدّ أن خطبه في السجون كان تجمع حوله رجال اليسار قبل اليمين. وحدّ أنه أقام مسجدا في الخليل ربما هو المسجد الوحيد في الأرض العربية بتلك الصفات. كان يريد إقامة مسجد بالمقاييس المحمدية الإسلامية الأصيلة أي مسجدا لا تكون الصلاة فيه إلا واحدة من الأعمال المتكثّرة للمسجد. ففيه مكتبة ("مكتبة فتحي الشقاقي") وعيادة ("عيادة مرج الزهور") ودار لتحفيظ القرآن ("دار الشهيدة هنادي جرادات لتحفيظ القرآن") وديوان لتدارس شؤون الناس وقاعة للإطعام.

عزام مشروع جهاد مكتمل داخل إنسان. أعطى حياته لوطنه كأندر ما يكون الفعل المقاوم وقارع حلمه بإقامة صرح لإعلاء كلمة الحق وإحياء مفهوم المسجد النبوي.

من يعرف عزام الشويكي لابدّ سائلا: من أي زمن أتى إلينا هذا الرجل؟

كنبيّ ترحّل عن زمنه كان يقاوم زمن أمة تجتمع على الضلالة، كنبي غريب يمتطي صهوة الجهاد الحق كان يتقن كبرياء التمشي على الجرح ملحا.

كنبي غريب عن قومه كان يتقمّص بمنتهى العلوّ الوطن المصلوب على جدران القيامة.

في طوبوغرافيا القوة عند عزام الشويكي لك أن تقول ما أكذب الخارطة وما أصدق الطوبوس العزّامي. فلسطين على جدارية عزام أجمل من فلسطين التي يُطنب المولعون بها (من غير المقاومين) في وصفها.

فالوطن أجمل ما تراه في نفس المقاوم القوي العنيد وأصدق ما تتحسّسه على كفّه.

الطوبوغرافيا الجوانية عند عزام محلاتها غير محلاّت الطوبوغرافيا البرّانية الموجّهة لمقاومة العدوّ فمحلاّت القوة الجوانية هي النفس والإرادة والمَلَكَاتُ التي تنضح بالخير، وهي مواقع الفعل الخيّر ونفوس الفقراء والمحتاجين (والمحتاجون ليسوا فقراءَ دوما).

ومن صفات الجمال في نفس عزّام القوية أنه غير مُرَاءٍ، وأنه يكتم أسماء المحتاجين.

  عزّام الشويكي جوهره القوة، وأُسْطُقُسُّه الخير. الخير الذي ينعكس في كل فعل وفي كل قيمة، والقوة تساند القيمة وتخصب الفعل. لذلك كان عزّام قوة تنعكس على المحلات والمواقع وتترك أثرها في الأرض كأقدام الأنبياء ذاكرةً ليست للنسيان.                                               

 

  بقلم: غادة زقروبة (تونس)

          



مواضيع ذات صلة