2017-03-28 الثلاثاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.61
دينار اردني 5.092
يورو 3.924
جنيه مصري 0.201
ريال سعودي 0.963
درهم اماراتي 0.983
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2015-12-26 03:17:31
هذا هو الإسلام

((( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )))

صلوات الله ربي وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله ، يا أعظم الخلائق وأشرف النبيين ، صلوات ربي وسلامه عليك أيها الحبيب المصطفى ، يا من أنار للبشرية طريقها برسالة التوحيد ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } الأحزاب 45-46 ، فأخرجها من الظلمات إلى النور ، من ظلمات الجهل والجهالة والضلالة إلى نور العلم والهداية ، ونقل الأمة من الحضيض إلى القمة ، إلى الوسطية والخيرية ثم الريادة والسيادة ، فقد ولد صلى الله عليه وسلم في وقت ساد فيه الظلم والظالمون ولم يُعرف فيه العدل والإنصاف ، وكانت الإنسانية ـ وبالأخص العرب ـ في مرحلةٍ من أحطِّ مراحل تاريخها ، حتى لقد صار الظلم والقهر والتعسُّف والاستبداد والاستعباد من أبرز ملامحها وأوضح معالمها ، ولا مكان للخير والرحمة فيها ، فكان أعظم مولد على ظهر الأرض ، تهاوت به أركان الظلم وعروشه ورموزه من عليائها ، وانتشر العدل في أرجائها .
في ذكرى مولد الهادي البشير صلّى الله عليه وسلّم التي غمرتنا فيها النفحات الروحانية والمشاعر الإيمانية قبل يومين حري بنا أن نحتفل بهذه المناسبة الشريفة حق الاحتفال : بصدق الحب وبكمال الاقتداء والاتِّباع ، قال تعالى { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } آل عمران 31 ، فهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه غير صادق في ادعائه حتى يتبع الشرع النبوي في أقواله وأفعاله وسائر نهج حياته ، والآية تخاطب كل من ادعى محبة الله تعالى مسلماً كان أو غير مسلم .
وفي شهر نزول الرحمة الإلهية بالولادة المحمدية حري بنا أيضاً أن نقيم المولد الحقيقي في أرواحنا وجوارحنا ؛ في مساكننا وأماكننا ، وأن نجعل أعمارنا وأيامنا كلها ربيعاً ؛ يولد فيه حبّه صلى الله عليه وآله وسلم عملاً وقولاً ومنهاجاً . فقد قام صلّى الله عليه وسلّم بأمر الدعوة إلى الله عز وجلّ بالحكمة والموعظة الحسنة والعمل الدءوب ، ففتح لها مغاليقَ النفوس ؛ ومكّن لها في الأرض ، وهذه سيرتُه العطِرةُ الشاملة بين أيدينا حافلةً بالجهاد والمجاهدة ؛ والصبرِ والمصابرةِ ؛ وممارسةِ الحياة تحصيلاً للآخرة ، فما أحوجنا في هذه الأيام العصيبة ؛ أيام الفتنة حالكة السواد التي نرى فيها الحليم حيراناً إلى القيام على أمر الدعوة إلى الله تعالى ودينه وشرعه على النهج النبوي والسنة النبوية والسيرة النبوية .
وجدير بنا كذلك الاستجابة لأمره وطاعته التزاماً بقوله تعالى { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } الأحزاب 36 ؛ فهذا النهي يعم كل تشريع صادر عنه صلى الله عليه وسلم ، فإذا حكم فليس لنا أن نختار لأنفسنا غير حكمه فينا ، أما رفض قضائه ومخالفة أحكامه وتعاليمه فمعصية وضلال أعاذنا الله عز وجل وحذرنا منها لأنها صفة المنافقين ؛ الذين يأبون طاعته وتنفيذ حكمه فوصفهم بقوله { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } النساء: 61 ، فالإيمان الراسخ يوجهنا إلى السمع والطاعة ؛ قال تعالى { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } النور 51 ، كيف لا نفعل ذلك وهو الرحمة المستقرة الراسخة ، قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } الأنبياء 107 ، الرحمة الربانية التي أهديت إلينا فعمت جميع الأزمان والأكوان والأحوال ، بل وعمت جميع الناس أيضاً ، روي عنه صلى الله عليه وسلم قوله { أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس ، و أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم أو يكشف عنه كربة ، أو يقضي عنه ديناً ، أو يطرد عنه جوعاً ، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد ـ يعني مسجد المدينة ـ شهرا ، ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام ، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل } رواه الطبراني وحسنه الألباني .
اعتاد المسلمون في معظم بقاع الأرض على مدى العقود الماضية أن يحيوا ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم بالاستعراضات الكشفية أو بالمحاضرات والندوات والأعمال الأدبية وغيرها من المظاهر الاحتفالية ، فهل هذا هو المطلوب منهم لإرضاء ربهم ونيل شفاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم ؟ إن الاحتفال الحقيقي بهذه المناسبة العزيزة يكون بفقه سيرته العطرة والتأسي به ، فالاقتداء به صلى الله عليه وسلم أكمل ما يكون الاقتداء ليس من المندوبات والنوافل فقط ، بل هو فريضة من فرائض الدين وأصوله ، قال تعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } الأحزاب21 .
فواجب علينا أن نقتدي به في عبادته ومداومته على طاعة الله تعالى وإكثاره من التضرع والدعاء إليه ، ونقتدي به في رضاه وغضبه ، وفي ثباته على دعوته وتمسكه بها وعدم تنازله عنها على الرغم من كل الضغوطات والإغراءات والمساومات التي مورست عليه وعلى أهله وأتباعه ، نقتدي به صلى الله عليه وسلم في حبه أصحابه وحرصه عليهم ، فقد كان يتفقدهم ويهتم بشؤونهم ويؤثرهم ويسأل عنهم حتى أن أحدهم ليظن أن ليس من هو أكرم منه عليه أو أحب منه إليه ، فقابلوا حبه هذا بحب إيماني عميق راسخ في القلوب لا يتزعزع ويهون أمامه الموت ، فافتدوه بالمهج والأرواح في مواقف الشدة والضراء والبأساء ، وهانت عليهم نفوسهم وهم ينافحون عنه ويَذُبُّون الخطر في مواطن الحرب والجهاد ، فآثروا حياته على حياتهم ونجاته على نجاتهم إلى الحد الذي أذهل الأعداء ، فهذا أبو سفيان يقول بعد أن رأى هذا الإيثار بنفسه [ ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ] .
نقتدي به صلى الله عليه وسلم في تأكيد القيم الروحية والتربوية والوجدانية والشعورية التي هي أصل العلاقات الإنسانية ، وفي تأكيد السلوك الإيجابي البناء لإعمار الكون وتعميره وعمارته ولو عند انقطاع الأمل في الحياة ؛ فلا يأس مع الحياة أبداً ؛ قال صلى الله عليه وسلم { إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل ] رواه أحمد والبخاري في الدب المفرد . فالدين ليس عزلة عن الحياة بل هو الحياة التي يتكامل فيها العمل والعبادة ؛ بل يكون العمل فيها عبادة ، فهذا السلوك اهتداء بقوله تعالى { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ اْلآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ... } القصص77 .
نقتدي به صلى الله عليه وسلم في التقوى وحسن التعامل مع الناس فهذا محك الدين والإيمان لأن الدين المعاملة ، وقد علمنا ذلك ووجهنا إليه بقوله { إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعْهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق } رواه الحاكم في المستدرك ، وقد شهد له ربه جل وعلا بحسن الخلق فقال سبحانه { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } القلم 3 ، فأخلاقه العَلِيَّة الرَضِيَّة جعلت الناس يتعلقون به أشد التعلق ، فهذه أخلاق أعظم رجل في البشرية كلها ، وهذا قلبه العظيم الذي يفيض بالرحمة والعلم واللطف والحكمة ، وقال صلى الله عليه وسلم { إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقاً } رواه البخاري ، فقد نشأ الحبيب صلى الله عليه وسلم من أول أمره إلى آخر لحظة في حياته متحلياً بكل خلق كريم مجتنباً كل وصف ذميم { فلم يكن ‏صلى الله عليه وسلم ‏سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً } رواه البخاري ، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي قال { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق } رواه البخاري ، كيف لا يكون كذلك وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه وصنعه على عينه .
فواجبٌ على الآباء أن يربوا أبناءهم على هذه المحبة العاطفية والروحية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهي معيار صدق الإيمان القلبي ، لأن محبته أكبر حافز على الامتثال لما جاء به ، قال صلى الله عليه وسلم { فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده } رواه البخاري .
إن متابعته صلى الله عليه وسلم هي المحك الذي يتميز به أهل الحق والهدى من غيرهم ، فمن نصح نفسه ورغب بفلاحها ونجاحها فعليه بالهَدْيِ النبوي ليدخل في أتباعه وشيعته ويكون من حزب الله قال تعالى { إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ } المائدة 55-56 ، فلندعُ أنفسَنا في هذه الذكرى إلى نقلة نوعية وحقيقية في الإيمان والفكر ، في العمل والسلوك ، ولنتخذ الخطوة الحازمة لبناء أنفسنا ومجتمعنا من جديد .

الشيخ تيسير رجب التميمي/ قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً
www.tayseer-altamimi.com ، info@tayseer-altamimi.com



مواضيع ذات صلة