المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.628
دينار اردني 5.13
يورو 3.925
جنيه مصري 0.201
ريال سعودي 0.968
درهم اماراتي 0.988
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-01-25 04:25:05

الانتفاضة والانقسامات الفلسطينية ـ الفلسطينية

درج مصطلح "الانقسام الفلسطيني" منذ العام 2007 للإشارة إلى حالة الاقتتال بين حركتَيْ "حماس" و "فتح" وما نتج عنه من تفسّخ على صعيد الحركة الوطنية الفلسطينية وتباعد بين شطري المناطق المحتلة العام 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة. علماً أن الجسد الفلسطيني يعاني من وهنٍ شديد أنتجته أنماطٌ متعددة من الانقسامات الداخلية الحادة. ولا يمكن فهم هذه الانقسامات الداخلية بمعزل عن اتفاقيات "أوسلو" وما نتج عنها من إعادة تعريف العلاقات مع المحتل وتزييف الوعي التحرري الفلسطيني، والتي ساهمت بتصميمها بعناية العقلية الاستعمارية الصهيونية بالتنسيق الممنهج مع برامج الهندسة الاجتماعية الغربية والتواطؤ الفظ من قِبل النخب الفلسطينية. ولعلَّه من غير المجدي استمرار إلقاء اللوم على البنية الاستعمارية الصهيونية، فهو في نهاية المطاف استعمار يسعى إلى تفتيت المجتمع الفلسطيني وإخضاعه. كما أن التدخلات الغربية عبر الضغط السياسي على الفلسطينيين لمصلحة دولة الاحتلال وفرضه سياسات اقتصادية نيوليبرالية متوحّشة وأجندة اجتماعية تمزيقية هو استعمار جديد مكملٌ لسياسات الاستعمار الصهيوني. إن اللوم الأساسي يقع على عاتق النخب الفلسطينية، والتي تتكوّن من تحالف الفئة الحاكمة للسلطة وأدواتها الأمنية والطبقة الرأسمالية الطفيلية والنخب المثقفة والمهنية المرتبطة بالمنظمات غير الحكومية المموّلة غربياً. يعمل هذا التحالف ضمن الإطار الضيق الذي تفرضه الشروط الإسرائيلية، وفي كثير من الأحيان بالتنسيق مع المؤسسة الصهيونية من أجل ضمان استمراريتها في الحكم والسلطة، حتى لو تطلب ذلك استجداء المستعمِر وتوسله، تماماً كما تجلَّى في الخطابات "المهمّة" لرئيس السلطة.
لقد حملت فترة أوسلو في طياتها بذور انقسامات داخلية متشابكة ومعقّدة، أثقلت كاهِل الشعب الفلسطيني وجزّأته وفتَّت قواعِده، وقد زادت حدة هذه الانقسامات خلال فترة رئاسة محمود عباس ورئيس وزرائه السابق سلام فياض. واليوم تشكل الانتفاضة الفلسطينية مناسبة مهمة تعرَّي هذه الانقسامات وتبرزها بشكل جلي. فالشكل الحالي غير المألوف للانتفاضة الحالية قد طرح العديد من التساؤلات حول ماهية هذه الظاهرة. فهناك غياب شبه تام للحركة الوطنية المنهَكة، ولم تنتج هذه الهبة حتى الآن قياداتها وأطرها المحلية، ومعظم فواعلها وشهدائها من الشباب غير الملتزم تنظيمياً، وعملياتها في المجمل ذات طابع فردي غير منظّم. والأكثر خطورة أن هذه الهبّة لا تجابه فقط الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، بل كونها ترزح تحت نير حصار داخلي خانق من أعداء المقاومة الفلسطينية، وبالتحديد من التحالف النُخبوي السُلطوي الذي تمت الإشارة إليه سابقاً.
إن النتيجة آنفة الذكر لم تعد مجَّرد اجتهاد في مقالات التحليل السياسي، فمسألة عداء هذه النخب للمقاومة يتم التعّبير عنها بشكل صريح، وكلما زادت حدة المقاومة زادت هذه التعبيرات وقاحة، سواءٌ بالتصريح أو بالتطبيق. ومن الأمثلة على ذلك هو ما أدلَت به صحيفة "هآرتس" بناءً على تقرير رسمي قدمته الأجهزة الأمنية الإسرائيلية للحكومة والذي امتدح تحسن أداء الأجهزة الأمنية الفلسطينية في مجابهة الانتفاضة الفلسطينية، لا سيما في مجال تفكيك خلايا المقاومة واعتقال المقاومين ومنع المحتجين من الوصول إلى محاور التماس.
لكن من التبسيط اعتبار أن ثمة انقساماً مقتصراً على السلطة من جهة والشعب من جهة أخرى. فالانقسامات الداخلية التي خلقتها سلطة "أوسلو" قد نالت من وحدة الشعب نفسه، وتغلغلت في البنى المجتمعية، وهتكت النسيج الاجتماعي وتماسكه اللازم لخلق جبهة مقاومة شعبية واسعة. ولعل من أكثر هذه الانقسامات قسوةً هي تلك الناجمة عن الفجوات الطبقية الهائلة في المجتمع الفلسطيني، والتي بات تحكم العلاقة ما بينها شبكات مصالح متشابكة واسعة التأثير وذات قدرة على السيطرة والتطويع. فمن ناحية ثمة طبقة شِلَلِّية دخيلة، ازدادت ثراءً بسبب تمسكها بمشروع "أوسلو" وتماهيها مع سياسات الاحتلال السياسية والاقتصادية. ومن ناحيةٍ أخرى نشأت طبقة وسطى عليا تشبَّعت بِالقيم اللّيبرالية المضلِّلَة، والتي اعتمدت في ثَرائها وامتيازاتها على تمويل وكالات التنمية الدولية وأجندتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي مكونة من مثقفين وتكنوقراط أكفاء في إدارة المنظمات غير الحكومية، وهم بطبيعة الحال ذوو توجّه إصلاحي ضمن إطار الوضع الراهن. فبالنسبة لهم خَلق أوسلو الشروط المناسبة لثرائهم وامتيازاتهم، وبالتالي لا يعوّل عليهم بالتغيير، بل على العكس تماماً، سيبذلون قصارى جهدهم للإبقاء على الوضع الراهن، تماماً كما عبروا سابقاً بشكل صريح عن تذمّرهم من المقاومة في فترة الانتفاضة الثانية، ولعبوا دوراً أساسياً في تطبيق أجندة المموّلين لتدعيم سلطة أوسلو وسياساتها في مرحلة أوسلو حتى اليوم. توازياً، ثمَّة طبقة واسِعة تسمى بـ "الوسطى"، إلا أنها تفتقد إلى خصائص جوهرية للطَبقة الوُسطى المُتعارف عليها، وهي تتكوَّن في مُعظمها من العامِلين ذوي الدخل المحدود في القطاع العام والخاص، ولكن تسهيلات القروض البنكية قد مكّنتها جزئياً، ولكن بصعوبات معيشية يومية، من توفير احتياجاتها الأساسية وتسديد فواتير الخدمات الاستهلاكية. فئات واسعة ضمن هذه الطبقة لا تخفي تذمُّرها من الأوضاع المعيشية ومن سياسات السلطة، ولكنها غير قادرة على التغيير، سواءٌ بسبب تخوفها على مصدر دخلها الوظيفي وما قد يلحق بِها من سِياسات عِقابية من قِبل السلطة، أو بسبب محاولتِها الابتعاد عن الحراكات المجتمعية بسبب انشغالها بالهموم المعيشية وأعباءِ الديون. أما الطبقة الأخيرة فتتكوّن من المهمَّشين والعاطلين عن العمل وسكان المخيمات والفقراء وصغار العمال والمزارعين ذوي الدخل الهشّ. وبرغم صعوبة تحديد نسبة دقيقة لهذه الطبقة من إجمالي السكان، إلا أن إحصائيات بعض الفئات تؤشّر إلى توسّعها. فنسبة العاطلين عن العمل في الأراضي المحتلة تعتبر من الأكبر في العالم بمعدل 27 في المئة، كما أن نسبة الفقر تتجاوز 25 في المئة، وما يزيد عن 7 في المئة نسبة الفقر المدقع. وبرغم تضمّن هذه الطبقة العديد من الفئات التي ترغب بالتغيير الجذري للواقع، إلا أنها تُركت بلا توجيه أو تعبئة بسبب غياب الحركة الوطنية الفلسطينية وتراجع الأطر الوطنية كالنقابات العمالية واللجان المحلية.
وكما تبرز الانقسامات الطائفية والدينية والإثنية كداء ينخُرُ في المجتمعات العربية المحيطة، يعاني الفلسطينيون من داءِ الفصائلية بطابعها الفئوي التعصّبي وما يُفرزه من انقسامات حدَّ الاقتتال، كما هو الحالة بين "حماس" و "فتح". والتعصب الفصائلي يتجاوز "فتح" و "حماس" ليطغى على ألوان الطيف الفصائلي كافة. وتبرز أشكال أُخرى من الانقسامات على المستوى المناطقي، فيمكن تفسير تمركز الهبة الشعبية في مناطق مثل القدس الشرقية والخليل بسبب حالة التهميش التي تعيشه هذه المناطق مقارنة بمركز السلطة في رام الله. فالقدس الشرقية، والتي من المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية، بحسب مشروع السلطة "الوطني"، تعاني من حالة تهميش ولامبالاة تجاه السياسات الاسرائيلية الساعية إلى تهويدها وإفراغها من سكانها العرب. مثال صارخٌ على سقوط القدس من برنامج السلطة هو الفُتات المخصَّصْ لدعم صمود أهل المدينة من الموازنة العامة للسلطة. ففي السنوات الأخيرة خصص للقدس ما يقرب من 25 مليون شيكل فقط، وما تم صرفه فعلياً لا يتجاوز الـ 8 ملايين شيكل فقط، وفي الوقت نفسه يحظى مكتب رئيس السلطة بأضعاف هذا المبلغ بما يفوق الـ120 مليون شيكل.
وفي الوقت الذي تعاني فيه محافظة الخليل من الهجمة الاسرائيلية الشرسة والتي أوقعت النسبة الأكبر من الشهداء، يبرز الانقسام العشائري بين الفينة والأخرى. ففي يوم واحد حصدت آلية القتل الإسرائيلية أربعة شهداء في المحافظة، وفي مكان آخر في مدينة الخليل كانت تندلع بعض الاشتباكات العشائرية باستخدام الأسلحة الرشاشة، وهذه الأسلحة سرعان ما تختفي في لحظات هجمات مع المستوطنين والقوات الإسرائيلية الغازية. وحريُّ التوضيح هنا بأن استرجاع النزعة العشائرية في المناطق المحتلة كان نتيجة لسياسات متعمّدة انتهجتها السلطة منذ نشأتها في بداية التسعينيات، بحيث تم إنشاء دائرة خاصة بشؤون العشائر في وزارة الحكم المحلي، وتعيين ممثلين للعشائر كوسيلة لربطهم ببنية السلطة وسياساتها.
كما أن الأجواء الإقليمية المسمَّمة بالصراعات الطائفية الطاحنة والدور التضليلي لوسائل الإعلام والفتاوى التكفيرية قد لوَّثت العقلية الفلسطينية، وجزَّأت المواقف، وساهمت بتقسيم الشارع الفلسطيني. وقد زاد من الطين بلة مواقف كل من سلطتَيْ رام الله وغزة، فرئيس سلطة رام الله أعلن بأنه يؤيد السعودية في "حربها ضد الإرهاب"، أما سلطة "حماس" فمنذ البداية اتخذت مواقف عدائية ضد سوريا وإيران وانسحبت تحت المظلة القطرية - التركية. ويخرج علينا بين الفينة والأخرى بعض الشخصيات المحسوبة على "حماس" بتصريحات طائفية تعبِّر عن تفشي الفكر الأصولي الضيِّق، كتلك التي تنفي شهادة المناضل سمير القنطار وتمجِّد بالتيارات التكفيرية كـ "جبهة النصرة" وغيرها.
برغم حالة الانقسامات الداخلية، إلا أن الانتفاضة الحالية بدأت تُبرز بعض أوجُه التلاحُم المجتمعي الذي افتقده الشارع الفلسطيني في السنوات الأخيرة. ومن أوجه هذا التضامن الحملات الشعبية لإعادة بناء منازل ذوي الشهداء التي دمّرها الاحتلال والتي انتشرت في المحافظات كافة. كما أن تنامي العمل الطوعي الشبابي قد أعاد إلى الأذهان بعض صور الانتفاضة الأولى. هذه المبادرات الشعبية والشبابية بحاجة إلى تأطير ومأسسة بعيداً عن تدخلات الأطر التقليدية والرسمية الساعية إلى احتوائها من أجل تحقيق منافع ذاتية ضيقة، وبالتالي تشويهها وحرفها عن أهدافها الأساسية. كما أن هذه المبادرات بحاجة إلى خلق أطر تنسيقية على المستوى المحلي والوطني، وذلك من أجل تطويرها وتعميمها، لعلّها تساهم في خلق قاعدة صلبة تساهم في استرجاع بعض القيم التي فقدها المجتمع الفلسطيني في فترة أوسلو، وبالتالي سد الشرخ الذي أصاب الوحدة الوطنية والمجتمعية وإِثراء الانتفاضة الحالية.

طارق دعنا

أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة الخليل



مواضيع ذات صلة