2017-03-29 الأربعاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.611
دينار اردني 5.095
يورو 3.909
جنيه مصري 0.2
ريال سعودي 0.963
درهم اماراتي 0.983
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-02-05 08:02:21

قبرص واليونان وفلسطين: الصداقة واهتزازاتها

في حدث غير مسبوق يزور رئيس وزراء اليونان ألكسيس تسيبراس ووزير خارجيته نيقولاوس كوتسياس، رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتانياهو في القدس، ثم يستقلون طائرة نتانياهو للسفر في صحبته الى نيقوسيا حيث تنعقد قمة ثلاثية بين اسرائيل واليونان وقبرص للتباحث في قضايا ذات اهتمام مشترك كالغاز الطبيعي والأمن والسياحة والعلاقات الاقتصادية. دفعني هذا الحدث المثير للقلق الى مراجعة علاقاتنا مع اليونان وقبرص وهي علاقات ساهمتُ في بنائها عبر الثلاثين سنة الماضية.

كانت العلاقة بين فلسطين وكل من قبرص واليونان راسخة ومتينة وتعود بجذورها إلى عهد قديم، وهي مبنية على التجارب المشتركة في التحرر والاستقلال والوحدة، والمصالح الطويلة الأجل، والقيم والمبادئ الأخلاقية. وينبغي ألا نسمح للمكاسب الاقتصادية على المدى القصير بأن تضر بهذه العلاقة العميقة والثمينة.

على مدى سبعين عاماً، تميزت العلاقة بين فلسطين وقبرص بالصداقة الوثيقة والتحالف السياسي، فكلتاهما كانتا مستعمرتين بريطانيتين، وكلتاهما عانتا من السيطرة البريطانية التي أنتجت وطنين منقسمين. وقد وجد القبارصة أثناء نضالهم لتحرير وطنهم وتوحيد أرضهم حلفاء مخلصين لهم في العالم العربي، خصوصاً في مصر إذ وقف الرئيس جمال عبد الناصر إلى جانب رئيس الأساقفة مكاريوس القبرصي ضد الاحتلال البريطاني. وبالنسبة الى الفلسطينيين كان هذان الزعيمان حليفين طبيعيين في النضال من أجل الحرية والاستقلال، وقد انضمت مصر وقبرص ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى حركة عدم الانحياز وتعاونت في بناء هذه الحركة مع أقطابها التاريخيين عبد الناصر ونهرو وتيتو وسوكارنو.

أذكر جيداً رحلتي الأولى إلى نيقوسيا عام 1965، تلك المدينة الجميلة التي ذكّرتني بيافا المدينة الحبيبة الى قلبي والتي عشت فيها طفولتي. وقد أيقظت رائحة الياسمين وزهر البرتقال في نفسي ذكريات بيتنا الذي فقدناه عند قيام إسرائيل عام 1948، تلك السنة التي أصبحنا فيها أنا وغالبية شعبي الفلسطيني لاجئين. وقد عارضنا نحن الفلسطينيين بشدة الاحتلال التركي لشمال قبرص. وأذكر عندما شغلت منصب وزير الخارجية الفلسطيني (1994 - 2005) أن تعليماتي من قائدي أبوعمار كانت واضحة: الوقوف إلى جانب الحكومة الشرعية في قبرص وعدم الاعتراف بالدولة الانفصالية في شمال قبرص، خصوصاً داخل الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي حيث كان لدينا بعض التأثير المعنوي والسياسي.

كانت الصداقة متبادلة، فقد اعترفت قبرص بدولة فلسطين عام 1988 بمجرد اعلانها في الجزائر، ودعمت نضالنا من أجل الاستقلال وسعينا إلى تحقيق السلام، وفي المقابل دعمت فلسطين مساعي قبرص للحصول على استقلالها وسلامة أراضيها ووحدتها.

 

اليونان أيضاً

ولدينا نحن الفلسطينيين علاقات متينة مع اليونان أيضاً، ويمكن ردّ جزء من أصول أجدادنا إلى جزيرة كريت اليونانية، وترتبط الكنيسة الأرثوذكسية الفلسطينية بالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بعلاقات تاريخية وثيقة. ولن ننسى أبداً يوم استقبلتنا أثينا بحفاوة عام 1982 بعد 88 يومًا من القصف والحصار الإسرائيليين لمدينة بيروت ما أسفر عن قتل الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين، وكان الرئيس أندرياس باباندريو على رأس الجمع الذي استقبل قائدنا الفذ الراحل ياسر عرفات لدى وصوله إلى أثينا.

عندما كنت وزيراً للخارجية عملت جاهداً لدعم اليونان اقتصادياً وسياسياً في العالم العربي والإسلامي، وقد عكس الارتباط الوثيق بين الرئيس أندرياس باباندريو والرئيس الراحل ياسر عرفات، وأيضاً الصداقة المتينة التي جمعت بيني وبين ابنه جورج، الذي أصبح وزيراً لخارجية اليونان ومن ثم رئيساً لوزرائها، عمق الصداقة الطويلة والقوية بين فلسطين واليونان. ولم تقتصر تلك العلاقة على حزب سياسي معيّن، بل كانت علاقة بين الشعوب: الشعب اليوناني والشعب القبرصي والشعب الفلسطيني.

وبعد انضمام اليونان وقبرص إلى الاتحاد الأوروبي، أصبحت الدولتان من أقرب حلفاء فلسطين داخل الاتحاد، تدعمان سعينا إلى الوصول إلى حل سياسي سلمي وتقفان إلى جانبنا كلما خرقت إسرائيل التزاماتها، سواء من طريق استمرارها في مصادرة الأراضي والمياه، أو تدميرها قطاع غزة، أو إنكار حقنا في قيام دولتنا الفلسطينية فوق 22 في المئة من أرضنا. لقد تشبث حلفاؤنا اليونانيون والقبارصة بالمبادئ والالتزامات التي جمعتنا معاً لأكثر من 70 عاماً.

لكن، مع الأسف بدأت هذه العلاقات تتغير في الآونة الأخيرة.

ندرك تماماً أهمية المصالح الاقتصادية والسياسية في تشكيل التحالفات السياسية وتقلباتها، واليوم ترتبط كل من قبرص واليونان بإسرائيل من خلال رؤيتهما لفرصة مصالح مشتركة، بما في ذلك الغاز الطبيعي والنفط والتأثيرات الجيوسياسية والأزمة المالية. نتفهم ذلك، غير أن مثل هذه العلاقات لا تقتصر فقط على اليونان وقبرص. فهناك العديد من الدول الأخرى مثل روسيا والصين والهند ودول الاتحاد الأوروبي التي تتمتع بعلاقات اقتصادية مهمة مع إسرائيل، وكان بعضها حليفاً تاريخياً للعالم العربي وفلسطين، من دون أن يؤثر ذلك في علاقاتهم معنا، أو التزاماتهم تجاهنا.

لا يمكن للمصالح الاقتصادية القصيرة الأجل والمواقف السياسية أن تغير الحقائق على الأرض، فالعالم أجمع يعلم ما قوة الاحتلال والشعب الذي يعيش تحت الاحتلال في الأرض المقدسة، بما فيه الدول التي تمارس الاستيطان الاستعماري والتمييز والفصل العنصري، وتلك التي تعاني من هذه الجرائم ضد الإنسانية.

كما لا يمكن للمصالح الاقتصادية أو المواقف السياسية أن تغير من التقديرات حول ما يملك كل طرف من قوة، مثل اي طرف يملك قوة عسكرية ضخمة وقدرات نووية هائلة، وأي طرف يبلغ دخله 40 مرة ضعف دخل الطرف الآخر. وأخيرًا، يجب ألاّ ننسى من الطرف الذي حافظ على التزامه باتفاقات السلام ومن الطرف الذي اخلّ بها.

التغيرات في المصالح الاقتصادية لا تغير القانون الدولي أو حرمة العدالة وحقوق الإنسان.

لكل من الصين وفرنسا والسويد والبرازيل وروسيا مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة مع إسرائيل، لكن مواقف هذه الدول تجاه حقوق الشعب الفلسطيني وضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لم تتغير. وفي واقع الأمر، فيما تستمر إسرائيل في انتهاك القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والاتفاقات الموقعة، تبدي هذ القوى استعدادًا أكبر لإدانة الأفعال الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وفرض العقوبات على إسرائيل.

قدّم لنا قادة قبرص واليونان تأكيدات بأن علاقة دولتيهما الوثيقة مع إسرائيل لن تضعف التزاماتهما تجاه فلسطين أو تؤثر سلبًا في علاقتهما التاريخية مع فلسطين أو العالم العربي والإسلامي. وقد قام مؤخرًا رئيس وزراء اليونان ورئيس قبرص بزيارة فلسطين وإسرائيل، وأدليا بتصريحات في فلسطين تؤكد مواقفهما التاريخية. ودُعي الرئيس محمود عباس إلى حضور عملية التصويت في البرلمان اليوناني الذي أوصى بالإجماع بأن تعترف الحكومة اليونانية بالدولة الفلسطينية، لكن رئيس الوزراء الذي حضر الاجتماع لم ينفذ قرار الإجماع اليوناني، وقال إنه سينفذه في الوقت المناسب. أمّا تفسير ذلك فهو شديد الوضوح: أعضاء البرلمان من جميع الأطياف السياسية اليونانية التي تمثل الشعب اليوناني كافة يدعمون فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني، لكن رئيس الوزراء له حساباته.

في ضوء ما سبق يصعب شرح بعض الأفعال التي قام بها والأقوال التي أدلى بها قادة هاتين الدولتين مؤخرًا.

في 12 كانون الثاني (يناير) 2016، قام السيد افروف نيوفيتو رئيس حزب يمين الوسط الحاكم في قبرص (DISY) ورئيس لجنة الشؤون الخارجية الأوروبية لمجلس النواب القبرصي بزيارة إسرائيل، وأدلى بالتصريح التالي:

"لم تعد قبرص ترى في إسرائيل دولة عدائية تفرض إرادتها على الفلسطينيين عنوة، وإنما دولة صغيرة تكافح من أجل البقاء في مواجهة صعوبات وتحديات كبيرة".

وقال السيد نيوفيتو للصحيفة الإسرائيلية "جيروزالم بوست" إنه على مدى العقد المنصرم كانت دولته من أشد المنتقدين لإسرائيل في أوروبا جنبًا إلى جنب مع اليونان، لكنها الآن لديها "صورة أوضح" عن إسرائيل:

"إسرائيل دولة فيها 8 ملايين نسمة يناضلون من أجل البقاء وعليهم مواجهة مئات الملايين من المسلمين والعرب بعضهم حتى لا يعترف بحق الدولة اليهودية في الوجود... إذاً مَن الطرف القوي ومَن الطرف الضعيف؟ ومَن الطرف الذي يكافح من أجل البقاء"؟

من ناحية أخرى، سعدنا بسماع الردّ الفوري للحزب القبرصي المعارض (آكيل) على أقوال نيوفيتو:

"يتوجب على رئيس حزب (DISY) أن يدرك الفرق بين سعينا إلى تطوير علاقات تعاون للمنفعة المتبادلة مع كل دول الجوار بما فيها إسرائيل، وهو أمر عملت الحكومة السابقة على تعزيزه في شكل صحيح، وبين تشويه الحقائق والوقائع التاريخية...".

وعلى رغم الردّ الفوري داخل قبرص على أقوال نيوفيتو، وتطمينات وزير الخارجية القبرصي بعدها، إلا أن الإدلاء بمثل ذلك التصريح وعدم التراجع عنه حتى الآن يبعث على القلق.

وما يبعث على القلق المتزايد، التغيير الجذري في موقف كل من اليونان وقبرص في ما يرتبط بأنماط التصويت ونشاطات الضغط لممثلي الدولتين داخل الاتحاد الأوروبي. ففي 17 كانون الثاني من هذا العام، كاد وزير الخارجية اليوناني أن ينجح في نسف النتائج التي توصل إليها وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم الأخير الذي تركز على حقوق الشعب الفلسطيني وإدانة الاستيطان، خصوصاً في القدس، وذلك من طريق إصرار الوزير اليوناني على الرواية الإسرائيلية في قرارات رئيسية عدة. وقد شكا وزراء أوروبيون في حديثي معهم من سلوك وزير الخارجية اليوناني في الاجتماع. اضافة، كان بعض التصريحات المنسوبة إلى القادة اليونانيين والتي أعلنوا فيها رفضهم تنفيذ توجيهات الاتحاد الأوروبي في شأن وضع العلامات على منتجات المستوطنات صادمة، لكن تمّ تصحيحها في النهاية. أمّا التصريحات التي نسبت الى رئيس الوزراء اليوناني والتي تدعم الادعاء الإسرائيلي بأن القدس عاصمة إسرائيل التاريخية وعاصمة الشعب اليهودي، وتتجاهل حقوق الفلسطينيين في القدس تمامًا، فهي مثيرة للاشمئزاز، وتخالف مواقف دول العالم كافة، وهي الى اليوم من دون تصحيح.

يتوقع الشعب الفلسطيني أن يقوم المسؤولون اليونانيون والقبارصة بتصحيح أقوالهم وتقديم تفسيرات لها. لا نريد التخلي عن صداقتنا مع اليونان وقبرص، كما لا نرغب في رؤية تحول كبير في العلاقات الاستراتيجية التي تربط هاتين الدولتين بالعالم العربي والإسلامي.

أنا واثق من أن الشعب اليوناني والشعب القبرصي يشاركاني مشاعري حول علاقتنا. ونبقى نحن أوفياء لهذا الإرث ولا نحيد عن التزاماتنا ومبادئنا لتغيير موقت في المصالح الاقتصادية. كما أننا لا نعترض على حق قبرص واليونان في تحقيق مصالحهما الاقتصادية المتبادلة مع دول العالم، لكننا ندعو الدولتين إلى البقاء ملتزمتين بصداقة شعبيهما معنا وبمواقفهما من قضيتنا، وبالقيم والمبادئ المشتركة بيننا. وعلى المدى البعيد، تبقى هذه القيم والمبادئ حجر الزاوية التي يُبنى عليه السلام والاستقرار والأمن والرخاء، ليس فقط في منطقة البحر الأبيض المتوسط بل ايضًا في أرجاء العالم.
 

نبيل علي شعث

* مفوض العلاقات الدولية لحركة "فتح". وزير الخارجية الفلسطيني بين عامي 1994 و2005



مواضيع ذات صلة