المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.631
دينار اردني 5.134
يورو 3.926
جنيه مصري 0.202
ريال سعودي 0.968
درهم اماراتي 0.989
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-03-11 08:53:45

حمودة شراب

فغر الموت فاه، ليلتقط رفيق الطفولة، والمدرسة، والبحر والرحلة، والسجن، وما بعد هذا كله من أيام؛ حمودة هاشم شراب. كنا أطفالاً في السنة الأولى الابتدائية، في مدرسة الشهيد أحمد عبد العزيز في خان يونس، عندما آنستُ لحمودة وصادقته. في أوقات اللعب، أيام الخميس، وكنا نتسابق في الساحة الواسعة الخالية، التي كانتها مساحة سوق الأربعاء الكبير؛ لم يكن أحدٌ منا يتخطى حمودة في الجري. أيامها، كنا نتأمل قدميه، لكننا، بعد أسابيع قليلة، أصبحنا نتأمل أصابع يده اليمني. فقد انفجرت في يده، مادة من مخلفات عدوان 1956 والتهمت عدداً من أطراف أصابع اليد. في الأيام الأولى بعد الانفجار، كان يئن، لأننا لم نكن، في بلدنا، وقتها، نحظى بطبابة عصرية، ولا مضادات حيوية، لذا طال أمد الجُرح، حتى كدنا نئن معه. غادرته آلام الجرح المشهود، تاركة في أعماقه آلام الحدث الذي أصابه بنيران العدو، فشبَّ على الحقد المقدس، يتطلع الى يوم يحمل فيه البندقية، ويثبت أن ما تبقى من أصابع اليد، يكفيه للضغط على الزناد!

مرت السنون، وكان طبيعياً أن يصبح حمودة فدائياً بعد العام 1967. كنت التقيه باستمرار، مزدهياً ببدلته المموهة وسلاحه. في لقاءاتنا، كان يحلو الحديث. ولحمودة قفشاته النقدية، وأسلوبه المميز في التعاطي مع الحياة، على اعتبارها محطة يتوقف فيها الإنسان زمناً قصيراً، ثم يمضي الى دار الأبدية. وذات يوم، فيما كنت أجهز مجموعتي للتوغل في الأراضي المحتلة، والوصول الى غزة، لإدارة عمل مقاوم هناك؛ فوجئت في اللحظة الأخيرة، بحموده الذي أرادت القيادة العسكرية إلحاقه بالمجموعة. لم يكن أحدٌ يعرف أنني وحمودة أصدقاء، ورفاق طفولة وتاريخ طويل. ما أن رأيته، حتى أحسست ببعض الحرج، كوني سأكون قائده في المهمة. لكن ما بدد ذلك الإحساس، أن حمودة كان يختزن في قلبه حباً عميقاً لي رافقه كل حياته. أبحرنا من شمالي الساحل السوري، في قارب متهالك، انهار فيما نحن قبالة يافا. وقعنا في الأسر وتلازمنا في السجن. كان "أبو هاشم" أنيسنا وقطب الرحى، في عالم السجن الصاخب ومساجلاته، وبتشدد الأسرى فيه، حيال كل الأمنيات الفلسطينية!

بعد أن لفظنا السجن، كأنما أرادت الأقدار ألا نفارق بعضنا بعضاً. تواجدنا معاً في بلدان العمل والإقامة، في مصر وسورية والإمارات، ثم في الجزائر. لكن اللقطة الأعمق تأثيراً في نفسي، كانت يوم مغادرة القوة العسكرية، التابعة للأمن الوطني، قاعدة "المَشريّة" الجوية في الجزائر، وكنت حسب البروتوكول العسكري، أتلقى مع الجنرال الجزائري، التحية العسكرية النظامية، من كل فرد، قبل صعوده الى طائرة "الهيركيلوس" للنقل العسكري، المتجهة الى مطار "الجورة" قرب رفح المصرية، للانتقال الى غزة. كان من بين القوة، أخوان عزيزان، رافقاني في رحلة النضال. تأخر الضابطان الى نهاية الطابور، فقد كانا يتحاشيان صعوبة وداعي. حمودة ورأفت أبو طير. تجاوزنا التحية العسكرية وتعانقنا وبكينا. وبعد خمس سنوات، أتيح لي أن أعود الى غزة. لم يتركني حمودة، يوماً واحداً، وأراد مراراً أن يأخذ من أسرتي، بعض أيام المبيت، لكي نمضي الليل معاً في منزله، ونستذكر أيامنا الماضية، ونستعيد لقطات أخينا المحبّب فايز شراب، المقيم المخضرم، في الجزائر.

كأنما أوسلو المخادعة، كانت تلعب معنا لعبة سمجة. فبعد سنتين، وجدنا أنفسنا، معاً، مرة أخرى، في الجزائر التي نأمن فيها ونحبها وشعبها. لكننا افترقنا من جديد، فقد أوصلتني الدروب الى أماكن جديدة، وظل هو في الجزائر، التي أسلم فيها الروح!

لا نملك أمام مشيئة المولى، إلا أن نضرع الى الله تعالى، بأن يمن على روحه بالسلام والرضوان، وإنا لله وإنا اليه راجعون.

عدلى صادق



مواضيع ذات صلة