المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.573
دينار اردني5.043
يورو3.999
جنيه مصري0.198
ريال سعودي0.953
درهم اماراتي0.973
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-04-02 11:35:10

لمعان كاذب

مجرد أن نعرف أن الشخص الواقف قبالتنا يقيم في بلد أوروبي حتى تتقلص الثقة بأنفسنا، تذوب كما يذوب الثلج تحت أشعة الشمس.  ترانا و دون وعي منا ننظر إليه باعجاب  و إكبار و كأنه إنجاز العصر .كنا نشعر أننا أقل قيمة منه هو الذي يقيم في ألمانيا أو فرنسا أو أ ي  كان البلد الأوروبي الذي يقيم فيه. كيف لا و هو يجلس بطريقة مختلفة،ظهره ممشوق مستقيم وواضعا ساقا فوق أخرى عاقدا يديه على ركبتيه و ينظر حوله و كأنه على كوكب غريب عنه مع مخلوقات عجيبة بتصرفاتها و سلوكها.و لكن المأساة ليست هنا. تبدأ المأساة عندما تلاحظ أن هذا الشخص المغترب  و الذي دعوته على العشاء في بيتك ،يرمقك بنظرات تكاد  تقفذ بحدقتي عينيه خارجاً  لتهرول إلى المرآة و ترى بأم عينك أنك إنسان عادي من كوكب الأرض و لم يتغير لونك إلى الأخضر كسكان المريخ في عالم هوليوود و ذلك عند لحظة وضعك ورق جرائد على طاولة الطعام بدل من غطاء ناصع البياض مزركش بألوان زاهية كألوان أوروبا التي اعتاد عليها. نعم كنا نضع ورق الجرائد بدل الأغطية لأننا أولا لم نكن نملك ثمن طاولة و كانت تأخذ دور الطاولة  و ثانيا لأننا كشعب فلسطيني تعلمنا بأن لكل شيء أكثر من فائدة و استعمال و يجب أن لا  ي هدر طبعا بخلاف الماء و الكهرباء.    

من  أين يأتينا هذا الشعور بالنقص حيال المغتربين و نشعر بالغيرة و الحسرة أننا لسنا مكانهم؟ أعتقد أن أحد الأسباب يقع على عاتق بعض، إن لم يكن الكثير من المغتربين، الذين يروون أساطير عن حياتهم في أوروبا و نحن لا نملك غير أن نصدق ما يقولون .كأن يتباهى أنه أصبح يتكلم اللغة الأجنبية خلال 3 أشهر فقط ل ي ريك كم هو فذ و ذو ذكاء خارق. أو أنه ينجح في كل فصل دراسي بتفوق و أنه في الوقت ذاته ناجح في عمل ما و يجني من المال ما يجعله ينفق على رحلاته و ملابسه الفاخرة ذات ماركات عالمية، و التي يكون قد اشتراها من محال الملابس المستعملة.. نصدقه طبعا و كيف لا و نحن لا تجارب لنا مع الماركات العالمية رغم أن معظمنا يعرف الطريق إلى "البالة" إلّا  أننا لم نكن نميز ماركة عن غيرها . كل تلك الروايات تجعل من الشباب فريسة لأحلام السفر إلى أوروبا و التمرغ في أحضانها الناعمة الحنون و السهلة على المنال. يتسلل شعور الإحباط إلى كيانهم. لا يرون بكل ما يصنعون أي فائدة لأن أوروبا تسيطر على تفكيرهم كاملة ً. يصبح العمل "ما بجيب همه" و الدراسة تؤجل إلى حين الوصول إلى العالم الوردي. و يسرحون في خيالهم أنهم هناك سيمتلكون السيارة التي يحبون و السفر و السياحة و  و و.   

و عندما يحالف أحدهم الحظ و يسافر إلى إحدى الدول الأوروبية يرتطم بالواقع كما يرتطم رأسه بعامود الكهرباء الذي لا يراه لانه يمشي إلى الأمام و ينظر إلى الخلف، إرتطام بغيض و موجع و مؤلم .سيدرك حينها أنه إنْ لم يتعلم اللغة 8 إلى 10 ساعات يوميا مدة عام لن يتقن اللغة إلّا إذا وهبه الله عبقرية من نوع خاص. و أنه سيضطر إلى العمل الشاق ليؤمن إيجار بيته و هو عبارة عن غرفة واحد أو سكن مشترك مع أخرين. سيكتشف أنه لن يستطيع شراء ما يريد متى يريد و لكن ستكون نقوده مقسمة تماما لأموره الضرورية و نادراً ما يبقى لديه فائض للمرح و السياحة. سيعاني شعور الضياع و خاصة في بداية تواجده في الغربة بما يعرف صراع الثقافات. تأتي عليه لحظات لا يعرف فيها نفسه و تكون ذاته عليه غريبة ليكتشفها من جديد. سيبذل طاقة خارقة ليثبت نفسه في مجتمع كنا دائما نظن انه أفضل منا و نحن المتخلفون. سيعاني إلى أن يدرك أن الحرية لها معنى مغاير عما كان يظنه و أنها مس يجّة بقوانين و قواعد عدة تحد من الحرية المرغوبة لديه. سيتعلم أن "ما بحك ظهرك إلّا ظفرك". و بعد أعوام من الحنين و الشوق يذهب في زيارة إلى وطنه ليتمرغ عن طيب خاطر في أحضانه المحبطة كما كان يطلق عليه قبل هجرته. و لكن هل سيروي الحقيقة عن الغربة التي عاشها أم يمسك مرآة أوروبا ليعمي عيون أقرانه بلمعانها الكاذب.  

كلاوديا فاخوري ماير



مواضيع ذات صلة