2017-03-24 الجمعة
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.654
دينار اردني 5.175
يورو 3.937
جنيه مصري 0.202
ريال سعودي 0.974
درهم اماراتي 0.995
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-04-11 12:12:26

ارحمنا يا عبد القادر

منذ أيام وهي تراودني ، أن أخرجني إلى النور ، أنشغل عنها فتضيع ، اليوم كان لديها إصرار على القذف نحو الورق ، أطعتها ، قالت لي : ثاني يوم الحرب رأينا عساكرنا عائدين في الشوارع , سألناهم : ما الذي حدث أجابوا : لا تخافوا تغيير مواقع .

لكن الوجع في نفوسنا لا يصدق ، رأيت خالي الضابط على رأس الشارع يمشي متثاقلاً تبدو عليه علامة الانكسار ،ليس كعادته , غابت الابتسامة عن وجهه المرهق , دخل البيت وقال لأمي : خلاص انكسرنا ، فبكت أمي وبكينا لبكاء خالي الضابط ، قامت أمي بفك الصرة التي أعدت فيها ملابسها ومفتاح الدار ، لأنها كانت ستعود إلى يافا ويبنا ، قام خالي بفك البندقية سلاحه الشخصي ، ملأها بالسمنة والزيت ثم لفها بالخيش ودفنها في الأرض ، قال لي : قد تنفعكم أنت وأخوتك في المستقبل ، حافظوا عليها ، لم أكن أعي ما يقول ، هززت رأسي ثم خرجت غير محتمل معنى الهزيمة , رأيت جارنا الشيخ يصلي ركعتين لله حمداً على الهزيمة لأنها هزيمةٌ لناصر ، كان الشيخ قد رمى بندقيته في البحر قبل الحرب بثلاثة أيام واختفى ، لأن فيها نصرةً للكفرة كما أشاع في الحارة .

بعد أربعة أيام طلب مني خالي أن أذهب إلى مخيم البريج لأحضر له ملابس داخلية وخارجية لأن إقامته ستطول عندنا ، وأنا الصبي ابن الثالثة عشرة ، فأنقدني شلن مصري, وقال : امش على شاطئ البحر ثم ادخل النصيرات ثم إلى مخيم البريج وارجع من نفس الطريق ، رسم لي خطة الحركة ، انطلقتُ أسير على شاطئ البحر وحيداً ، وجدت امرأةً تسير فسارت معي ، وسرت معها مستأنساً ،أخبرتني أنها تبحث عن زوجها الجندي المصاب في الحرب , وتعتقد أنه عند أهلها في دير البلح , أنا لم أخبرها بحكايتي لأنها سر من أسرار العائلة , على شاطئ الشيخ عجلين مرَّت فوقنا طائرة هليوكبتر ودارت حولنا دورتين ، رفعت السيدة شاشتها البيضاء للطائرة فتركتنا وانصرفت ، وصلتُ البريج بعد الظهر وأخذت صرة الملابس لكنني غيرت خطتي وركبت كارة حمار بقرشين إلى غزة , وقد نمت طول الطريق من التعب ، صحوت وأنا في الشجاعية وكان الرجل قد غطاني بقطعة قماش صغيرة كانت على ظهر الحمار . ثم مشيت من الشجاعية وحتى الشاطئ وإطلاق النار فوق رأسي لا أعرف من أين . بعد أسبوعٍ طلب مني خالي أن أذهب إلى مخيم البريج لإحضار عروسته , وكان قد تزوج قبل الحرب بشهر واحدٍ فقط قال : ( يا خال خذ شلن وروح جيب لي عروستي ) قلت له : حاضر ، كيف أعترض وهو الضابط الذي يملأ الدنيا إجلالاً وعظمةً عندما كان يزورنا . وجعل لنا في الحارة هيبة ، إنني أردت الذهاب هذه المرة من الشارع الرئيسي من شارع صلاح الدين , فقد أجد كارة حمار تحملني ، لكنني لم أجد فأخذتها مشياً , ورأيت دبابات إسرائيلية لأول مرة في حياتي عائدةً

من سيناء وفوقها جنود إسرائيليون وجهوهم مغبرّة مكفهرّة من آثار الحرب ، وصلت منطقة ما قبل وادي غزة ، شممت رائحة وإذا بالجثث مترامية في منطقة خلاء شرقي الإسفلت بملابسهم العسكرية ثم مشيت فازدادت الرائحة ، رأيت رجلاً يقف على حافة البيارة ، سألته عن الرائحة ، قال : انظر هؤلاء خمسة هنود من قوات الطوارئ الدولية طخوهم اليهود فهربوا وماتوا وهم متسلقون على الشجر ، نظرت إليهم فوجدتهم جثثاً منفوخةً ، أكملت مسيرتي ، الجو حارٌ جداً كئيب في حزيران لا أحد في الشوارع كانت عيني تنظر إلى بئر الماء الذي قبل وادي غزة بقليل ، ماؤه عذب وباردة ، وصلت وطلبت من الحارس شربة ماء ، لبّى طلبي ثم شكرته ، وصلت مخيم البريج ، وطلبت من عروسة خالي أن تجهز نفسها للذهاب إلى مخيم الشاطئ , أخذت تبكي على فراشها الجديد وجهازها وملابسها ، قلت لها : شنطة صغيرة فقط ، حملتها ، وقفنا على شارع صلاح الدين في مدخل مخيم البريج ، ننتظر ما سيأتي ، وقد قالت لي وهي تبكي : لا أستطيع المشي إلى غزة ، قلت : أعرف , وأنا أتمتم في نفسي ، بنات يافا مدلعات ، بعد ساعة من الانتظار وصلت كارة حمار صغيرة ذات عجلين من الخلف ، في العادة يقودها رجل ، هنا ، رأيت حماراً يقودها ، أوقفت الرجل وطلبت أن يوصلنا إلى غزة ، طلب شلن ، قلت : أنا سأركب ، قال : لا, كمان شلن ، قلت : سأمشي ، بعد ثلاث ساعات وصلنا الشجاعية ، ثم مشينا أنا أحمل الشنطة وهي تبكي ، وفي ميدان ساحة فلسطين أطلقوا علينا الرشاش ، أنا لا أعرف هل هو علينا أم على غيرنا أم في الهواء ، المهم أنني هربت إلى حي الفواخير ثم شارع الوحدة وهي تجري خلفي وتصرخ ، وصلنا الشاطئ عصراً وأنا أحمل شنطة العروس , متباهياً , فرحاً لخالي ، أنني أنجزت المهمة ، لكنني مرهق و متعب حتى الآن , واشتعل الرأس شيبا.

بقلم/ د. محمد بكر البوجي

 



مواضيع ذات صلة