2017-10-23الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.495
دينار اردني4.94
يورو4.119
جنيه مصري0.198
ريال سعودي0.932
درهم اماراتي0.952
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-05-05 03:32:00

قراءة في كتاب "يوميات كاتب يُدعى X" للكاتب فراس حج محمد

إذا كُتب لك أن تكون فلسطينيا، فهذا يعني أن يكون لك جحيمك الذي يسكنك كأي عضو آخر من أعضاء جسدك، أما إذا كنت فلسطينا وكاتبا فعليك إذن أن تحتمل معاناة الاحتلال والكتابة، واختلاس اللحظات السعيدة من براثن الغول.
في نصوصه يأخذنا فراس حج محمد إلى عوالم شتى، ملونة وعذبة وسوداوية كليْل فلسطين الذي لا ينتهي. النصوص مكتوبة بطريقة فريدة يمزج فيها الكاتب القصة مع السيرة الذاتية مع أدب الرسائل، إلا أن القاسم المشترك بين النصوص هو لغتها المنسابة كجدول ماء رقراق، أو كأفعى مائية تتشكل كما تريد وترغب. تنطلق الكلمات لتملأ الصفحات دون جهد أو تعب، وكأن الكاتب يمارس التداعي الحر دون رقيب أو حسيب؛ لذا رأينا بعض الجمل التي تصدم القارىء...
النصوص لا قالب يحكمها أو نوع، وتشبه حياة الراوي الذي قضاها في البحث عن شيء لا يعرف كنهه، دون أمل أن يلقاه.
إن النصوص التي فلتت من بين أيدي الكاتب (x) تعبر عن حياة إنسان يخفق دائما ويفشل، فهو عاجز عن نيل إعجاب فتاة لفترة طويلة، وكأنهن يكتشفن ما يُنَفِّر، فيهربن تاركاته بلا حول أو قوة بعد أن يستنفدن قوته، ويسلبن ما كانت العلاقة وسيلتهن لبلوغه. غير أن الكاتب لا يحفل بالفشل، ويستمر في محاولاته إيجاد ما يفتش عنه، ولسوف نكتشف إنه يبحث عن ذاته الحرة التي لا يحدّها حدود. وحياته تنقسم ما بين كوابيس لا فكاك منها، وأحلام وردية بعيدة المنال، وهو يستمر بالجري وراءها لا يأبه بالعواقب والنتائج، يخربش الحواجز والعوائق، ويمضي في طريقه رغم الألم والمعاناة، والحواجز في حياة الراوي ليست خارجية ممثلة بالاحتلال وحسب، بل هي داخلية أيضا نابعة من كتّاب لا هم لهم سوى إفشال تجارب الآخرين، ليستمتعوا بسادية مقيتة بنجاحهم المزعوم والمزيف، كما أنه يعاني من تشظي ذاته المنهكة.
الكاتب (x) إنسان لم يعرف في الحياة غير والديه، فلا عائلة له أو عشيرة، وكأنه أي مواطن عربي يبحث عن هوية تحتويه، ولكنه ابن الزمن الحاضر المستمر رغم الفقر والضياع والإهمال، وتتمحور حياته حول الكتابة، فهي الشيء الوحيد الذي يمده بأكسجين الحياة.
يبدأ في روايته باستدعائه إلى مركز الأمن، حيث يُبْلِغه الضابط هناك أنه تحت المراقبة الشديدة، وأن الأخبار تقول إنه بصدد إحداث ثورة من خلال أفكاره المنحرفة، وأن الأمن قام بما يجب؛ بإعادة ترتيب أفكاره، ويسلمه الضابط الملف الجديد لكتاباته منظمة بشكل جديد. قراءة الكاتب لتنظيم رجال المخابرات يهبه "سرّ كل حلم كتبه في هذا الكتاب". ويلقي الملف المنظم للأحلام والأفكار من شباك السيارة في منطقة مهجورة، وبعد هذه الحادثة يستشري مرض الكتابة فيه، فهو يكتب في كل مكان؛ في العمل، وفي فراشه، أو على طاولة السفرة أو أثناء مراجعة الطبيب، وتشده الكتابة الساخرة؛ لأنها أثارت القرّاء، وجذبتهم.
ويخط فراس حج محمد أسلوبه الذي يميزه، ولا شك أن الكاتب الذي لا يملك أسلوبه يغرق في كُتِبِ الغير، ويضيع في أفكار الآخرين، فالأسلوب – واقعاً- يشبه الدرابزين يحيط بالعالم، لكنه العالم الذي لا يمكن امتلاكه، والإمساك به، ومعرفة سرّه، "سوى أنه يمارِس علينا/ فينا غوايته، لنجتهد في الكيفية التي تقرّبنا منه، ونحن داخله، في كيفية استكناه سره ونحن جزء يسير منه، ولأنه كذلك، يسعى كل منا إلى ابتكار أسلوب يَعْنيه، وهذا لا يتوفر إلا للقلة القليلة جدا، لأن الأسلوب لا يسمي إلا للضرورة القصوى".
إن  الأسلوب المتمكن والقادر تكمن في جاذبيته "وهو لا يني يقتحم منطقته الخافية، يستدعي عالما لم يُتآلف معه من قبل، إنه المتعدد لحظة اعتباره واحدا!". لقد أدهشنا المؤلف بنصوص مختلفة وجديدة، وكسر الروتين والضجر في الكتابة، وحرك ما بداخلنا، وأثار مشاعرنا. فالدهشة تحمل الإنسان من الحالة العادية والمألوفة إلى حالة فريدة، بمعنى "تكون علاقتها بما يقع وراء حدود المألوف، حيث تكتسب اللغة قيمة أخرى في التعبير، تحيله في كليته إلى عالم المغايرة مع الذات، إلى رؤية غير المسبوق، بما أن ثمة رغبة منتشية باللا معهود، أن وراء المتلفظ فيها وباسمها، هو الممهد للدخول إلى الموعود به دهشة!". وكانت الدهشة من تناول المألوف وجعله غريبا واستثنائيا، حتى ليخيل للقارىء إن الكاتب يتحدث عنه وعن حياته وأحلامه وإخفاقاته في عالم عجيب.
يتطرق الكاتب في مؤلفه إلى مدينة عريقة تحمل عبق التاريخ، وحلاوة التمرد، وقلب لا يرفض أحدا، ولكنه صلب ولا ينحني، نابلس الفاتنة، وكأنه يقول الأمكنة المضيئة لا تعرف الوهن.
لا ريب في أن فراس حج محمد تأثر في حياته، وإبداعاته ببيئته التي عاش فيها، فهو يعاصر الاحتلال الإسرائيلي، وما رافقه ويرافقه من حوادث جسام كالانتفاضة واتفاقيات أوسلو والاعتقالات والاغتيالات والفساد بأشكاله كافة؛ الدينية والأخلاقية والثقافية. ونابلس التي عاش فيها الكاتب أثرت كثيرا فيه، فهي تمتاز ببيئه واسعة تجمع الجبال والوديان والسهول الخصبة، وتحيط بها الأرياف والمخيمات، والمستعمرات القبيحة. ويرى عز الدين إسماعيل أن  حقيقة المكان النفسية تقول إن الصفات الموضوعية " للمكان ليست إلا وسيلة، أو وسائل قياسية تسهل التعامل بين الناس في حياتهم اليومية".  فالمكان يمكن اعتباره حيّزا جغرافيا، ومن ناحية اجتماعية.
ويرى ياسين النصير: أن المكان هو كيان اجتماعي يتضمن خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه، لذا فهو كأي نتاج اجتماعي يحمل جزءاً من أفكار وأخلاقيات ووعي ساكنيه، وهو ليس بناء خارجيا، ولا حيزاً معروف المساحة، ولا مجرد غرف وأسوار ونوافذ، بل هو كيان يحتوي تاريخ ما، ومليء بالضوء والظلمة. فنابلس الجميلة التي لم تغرَّها الحداثة الجديدة، مدينة تغفو في العيون، وتدخل إلى أعماق ساكينها، و"تستلقي على حجارة خانها القديم، وأرصفتها الغاصّة بكل شيء، بتنوع جمالياتها البسيطة التي لم يشتتها الأرق ولم تفتتها الفتنة، تكتبك في أعمدتها وشواخصها الحجرية ومكتباتها ومحلاتها وشوارعها وأزقتها، لا تفتأ مدينة تحتويك حتى تكون فيك!!". فهي مدنية لا يمكن أن تنسى، فهي تمتاز بالحكمة وتولد النور والوعي، كما إنها "تبعد عنك أشباح المدن المظللة، لم تزل تسحّ ماء أزرق ناعما خفيفا بلوريا، يتساقط في تربة الروح بعضا من رواية أو كتاب أو جلسة نقاش أو وقفة على قارعة ممر يضيق بالناس فيتسع بهم ولهم!!". وهي مدينة الألفة والتآلف، والانسجام والنظام، مدينة الطمأنينة والهدوء والقهوة برائحتها النفاذة التي تحيط بالمكان.
يعتبر الراوي الكتابة فعل وجود، "لا شيء يروي العطش ويسد الجوع غير الكتابة!". وأن لا حياة حقيقية دون كتابة، لذا يطالب الجميع بالكتابة "اكتبوا أيها الشباب، أيها الكهول، أيتها الفتيات، أيتها السيدات، أيها الناس، اكتبوا، ولا تتركوا المعاني غائرة في جروحنا، اكتبوا لعلها تتنفس أنفاسا جديدة، وتعانق سماء جديدة، وترضع غيمة مسافرة جديدة!".
"اكتبوا الروح، ولتكونوا الروح". وكأنه يردد مع نيتشه "لا أحبُّ إلا ما كتبه المرءُ بدمه. اكتب بدمك: وستعرف أنّ الدّم روح". ويضيق: "لا تتركوا الكتابة فتموتوا جوعا، وتزحف الصحراء فتموت الأزاهير، وينشف ضوء القمر، وتجف الغيمة البتول فتعطشون، ويتبخر الجمال". وتصبح الحياة لا تطاق، اكتبوا إذن لتجدوا الحياة الحقة.
وينهي الراوي نصوصه، بإيمانه أن الحياة، سميت كذلك لحيويتها، ويتساءل: "متى أعيشها فرحا رغما عن الحزن؟"، ويستمر في محاولاته التي لا تلين في البحث عن الذات لإيجاد السعادة الغائبة، لأنه يحب الحياة بقدر ما يستطيع، ويمارس شهوته كطفل يحب الغناء مساء، ويرفض أن ينام مبكرا، لأن هناك امرأة تنتظره، ومعها قصيدة.

أمين دراوشة*



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورفلسطينيونيتجولونفيصحراالبحرالميتشرقبيتلحم
صورأبومازناثنالقاالملكالأردنيعبداللهالثانيفيعمان
صورولادةتوأمسياميفيمستشفىالشفابغزة
صورالحمداللهيزورالمواطنةنسرينعودةويهنئهابنجاحزراعةالرئة

الأكثر قراءة