2017-04-26 الأربعاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.638
دينار اردني 5.141
يورو 3.968
جنيه مصري 0.202
ريال سعودي 0.97
درهم اماراتي 0.99
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-06-01 21:01:36

أبو علي شاهين.. رواية لا تتشبّه

بعيدًا عن الصور، قريبًا من خيال روائي يمزج الحقيقة بالفانتازيا. تراءى لي أبو علي شاهين، كرجل فارع الطول، بوجه حازم وبملامح قاسية منحتها نظرة حادة مهابة خاصة...
بعيدًا عن الصور، قريبًا من خيال روائي غرّ، رسمتُ أبو علي شاهين رجلًا صقلته المأساة على لوحة بلا ألوان يحمل كفنه بين يديه..
ولكن الخيال الذي يظن المبدع أنه قادر على نحت أي إنسان، يتوارى، خجلًا، أمام حقيقة رجل أهدى نفسه لوطنه من دون منّ، يعترف بالعجز وبكون أن واقع بعض الرجال يتجاوز كل خيال مهما اجتهد صاحبه.
أستحي الآن أن أعترف أنني كنت جاهلًا للرجل، ولولا الصدفة الجميلة التي جعلتني ألتقي بالصديق خالد عز الدين ما كنت لأعرف عنه شيئًا، على الأقل حتى الآن.
كان أول ما أهداني خالد كتابًا أعده ينعي أبو علي شاهين بعنوان "أبو علي شاهين". والحقيقة ما كنت لأهتم به لولا حديثه عن أبو علي شاهين. الحق أقول، لم يثرني حديث من قبل مثلما أثارني حديث خالد عزالدين عن هذا الرجل الذي كان في كل مرة يصفه بالأب والمعلم.
أعجبني ذلك الارتباط الروحي بين رجل حي ماثل أمامي، وآخر ميت لا أحسب أن المديح يصل إليه. فقد اعتدت على نوع آخر من المديح بين الرجال، ذلك الذي لا يجد من وصف غير التملق.
كنت أصغي إلى صديقى خالد.. أصغي لشغفه، لحبه لهذا الذي يصفه بالمعلم، لأعلم لاحقًا ومن مصادري أنه لم يكن شغفًا وحبًا كلاميًا فحسب، بل كان حقيقة ترجمها الفعل والجهد.
تجربتي المتواضعة في الحياة، تجعلني أفرق بين الأشياء اللصيقة، المتشابهة، المتطابقة في الظاهر المختلفة في الحقيقة. تجربتي تلك، جعلتني أوقن أن ما يربط خالد عزالدين بأبو علي شاهين هو حب من نوع خاص. أجزم الآن أنه لم يكن غير حب لذات الوطن ونفس القضية.
هكذا دخلت كتاب "أبو علي شاهين.. مسيرة شعب" وكلي ثقة أنه لن يكون كتاب تملق كالذي اعتدنا قراءته في كل مصنف يخصص لشخصية ما.
إذ ذاك، كنت مشغولًا بكتابة رواية حب، ولم أر أي مانع أن أقطع عملي بقراءة هذا الكتاب، ولا بأس أن أقول الآن أنني تصورت لسبب ما- قد نسميه تفاؤلًا أو حسن ظن- أنني لا أقطع شيئًا بل قد أجد في كتاب خالد عزالدين ما يفتح لي أفقًا أخرى في روايتي غير التي كنت أسير نحوها في البداية.
بعد أزيد من مائتي صفحة، وقفت عند عتبة حقيقة علاقة صديقى خالد بأبو علي شاهين. أقول "العتبة" فحسب، لأن ما قد يجمع أبو علي شاهين بكل العالم لا يمكن احتواؤه أو الكشف عنه بقراءة كتاب واحد.
ورغم أن الاختلافات كثيرة، إلا أنني وجدت نفسي وأنا أنتهي من هذا الكتاب، أتذكر آخر كان الصديق الكاتب والمحلل على رخالية قد كتبه قبل عشر سنوات عن الراحل محمد بوخروبة المعرف باسم هواري بومدين. صحيح أن الرجلين يختلفان في الكثير من الأمور ولكنهما يشابهان بنحو مفرط في الإيمان بالمطلق بالثورة، يشابهان. كان كلاهما صاحب قضية سبل نفسه لها. وكلاهما امتلك قدرة أسطورية على المحاورة والجدال المحجج. كلاهما أحبا الفكر وأدركا أن مستقبل وطنيهما رهين بالواقع، وأن هذا لا يتأتى إلا بامتلاك رؤية واضحة للماضي لتحسن قراءته.
الأجمل، أنهما بعد رحيلهما، لم يرحلا فعلًا. بقي أبو علي شاهين في رجال آمنوا بما آمن به كخالد عز الدين، وظل بومدين حتى بالنسبة لمناوئيه الرجل الأنموذج المثال. كلاهما رحل، ويد التاريخ تمسح على روحهما لتسجل اسميهما على مدونة الخالدين.
عادة، لا أحب أن أخوض في حياة أبو علي شاهين، فالكتاب وشهادات مجايليه وتلاميذه وأبنائه من الفلسطينيين، وحتى من مر بقربهم واشتموا عبقه تعفيني من هذا الخوض. وأحسب أن القراءات التي تناولت الكتاب الذي بين يدي تعفيني من تقديم قراءة فيه. غير إنني أحب أن أتحدث عنه حديث "المكتشف" المبهور بالبدايات والاكتشاف الجميل.
أول الانبهار تعلق بالبدء. لا أقصد هنا الولادة أو بداية انخراط أبو علي شاهين في العمل النضالي والثوري، بل ببداية اكتشافه المغزى من حياته وحتى موته.
ليس من السهل أن يدرك المرء غاية وجوده وهو على قيد الحياة، فلطالما اربط اكتشاف الغاية بانتهاء الحياة. وحدهم الأنبياء والصالحون وذوي البصيرة من يدركون تلك الغاية وهو يبحرون في الحياة، ووحدهم ذوو العزم من يملكون القدرة على الثبات على نفس الدرب وهم يدركون أن نهايته الموت، السجن والمنفى، وفي ذات الوقت يملكون القدرة على رسم الابتسامة على وجوههم ووجوه من حولهم.
أتصور أبو علي شاهين من هذه الطينة. كم تستفزني تلك الابتسامة التي أراها على محياه في كل صورة صادفتها له، حتى تلك التي تصوره على فراش الموت، وليس بينه ولقاء الله إلا قبضة يد وتحية وسلام.
أتصوره من هذه الطينة ، مخلوقًا أسطوريًا، تمكن بنحو ما من كسر مأزق السيكلوب وإعادة رسمه من جديد بألوان قال بنفسه أنها من صنيع الحب: "في السجن عندما كنت أسمع من الإخوة والرفاق، وأحيانا أقرأ ما أقرأ عن الحب وأغراضه، والعشق وأحواله، كنت أظن بأنني متورط في شيء يشبه ما يقولون عنه، لكنني تأكدت لاحقًا بأنني مسكون بحالة عشق من نوع مختلف. أقول هذا بكل صدق، لقد كنت مصابًا بحمى عشق الأسرى والمناضلين. استحوذت معاناتهم منفردين ومجتمعين على كل ما لدي من اهتماء وولاء. لقد ألمت بي هذه الحالة وظهرت أعراضها على منذ أن التقيت بأول فدائي أسير في زنازين المعتقل".
الحب.. نعم، هذا ما صنع الرجل، حب الأرض التي أهداها سنين عمره.. حب قضية لم يؤمن بها فحسب، بل جعلها عقيدة تسمو على كل عقيدة.. حب الثورة والحرية التي لم يؤمن قط أنها تتأتى في الفنادق الفخمة وعلى الأرائك المريّشة وبالمجاملات الفضة مع العدوّ..
عاش أبو علي عاشقًا للحلم، حالما بالعشق، والأهم من ذلك، عاش رغم عقود من السجن والأسر والاضطهاد حرًا بعقله وقدرته على تحويل البكاء إلى ضحك، الحزن إلى فرح والعبوس إلى ابتسامة.
وكالمسيح - مع الفارق- حاول أبو علي شاهين أن يعلم من حوله ما علمته الحياة وأوحى إليه الواقع المرّ، حاول أن يعلمهم أن الحياة ليست بقاء على قيد الحياة، ليست حفنة من حقوق يشحذها المفاوض، ولا قطعة أرض توهب له وهو صاحبها في الأصل. حاول أن يعلم العالم أن الحلم كفيل بإبقاء القضية في القلب وعلى أرض الواقع، وأن القدرة على الحب قادرة على تخليص المحب من آلامه وآلام سواه.
هذا ذابت القضبان، وانحسر السجن، وانتفى الأسر في حياة أبو علي شاهين.
الآن هل ترغبون في الحقيقة؟.. كان في هذه الوقفة حديث أطول. ربما تحالفت الكلمات مع أبو علي شاهين لتجعلني راقنا لها فحسب. ربما لأنني بقدر ما كتبت وجدتني عاجزا عن التعبير عما يختلجني وأنا أقرأ وبتفصيل وبشغف عن حياة هذه الأسطورة. ربما لأن رغبة في كتابة المزيد المزيد المزيد عنه.. الحقيقة غير ذلك، فالروائي الغرّ الذي يرسم هذه الكلمات احتضنته الأنانية على حين غرة، حين اكتشف أن ما كتب لاحقا موضوع رواية تستحق فاستحوذ على ما بقي من المقال، وقد تراءى له –وربما اكتشف- أن ما يلي ليس في الحقيقة إلا جزءا من رواية لم تكتب، من قصة طالما بحث عنها.. قصة عن الحب، للحب وفي الحب، تلك التي اعتاد أن يقول عنها روايته التي لا تتشبّه.

سمير قسيمي/ روائي من الجزائر



مواضيع ذات صلة