المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.614
دينار اردني5.119
يورو4.256
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.964
درهم اماراتي0.984
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-06-16 00:56:52

عن عدوان 67 و"المبادرة الفرنسية"

قبل 49 عاماً احتلت إسرائيل أراضي الضفة وقطاع غزة، وبدأت، ولا تزال مستمرة، في استيطانها وتهويدها وتفريغها من أهلها. بل، لا تزال ترفض التخلي عنها في إطار مفاوضات "الأرض مقابل السلام" التي أطلقها "مؤتمر مدريد للسلام" قبل 25 عاماً. هذا يعني أن عدوان 67 لم يكن حدثاً عرضياً، بل تعبير عن طبيعة حركة إسرائيل وصيروتها. لكن تركيز المواجهة بعد هزيمة 67 على شعار "إزالة آثار العدوان"، هو ما شكل أساس الخلل البنيوي متعدد الأوجه في فهم طبيعة إسرائيل والصراع معها، حيث جرى "تفريع الجوهر" و"جوهرة الفرع"، أي الفصل بين عملية التطهير العرقي المُخططة عام 48 التي أظهرت الطابع الإجلائي للمشروع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري، وبين عدوان 67 المبيت الذي أظهر الطابع التوسعي لإسرائيل. لماذا، وما هي أهمية، الإشارة السريعة أعلاه الآن؟
أولاً: إسرائيل لا تخلي، طواعية، أرضاً تحتلها، ولا تفكك مستوطنة تبنيها. أما مقاربة أنها ستخلي الضفة والقدس، مثلما أخلت سيناء، فمقاربة تنسى أو تتناسى حقيقة أن إسرائيل لم تخلِ سيناء الا بعدما هزت حرب عام 73 كامل منظومتها الفكرية والسياسية والعسكرية والأمنية والمعنوية. هذا ناهيك عن الشروط القاسية التي فرضتها، والمكاسب الإستراتيجية التي حققتها، بفعل تخليها عن سيناء وإخراج مصر، بالمعنى العسكري، من الصراع، حيث بادرت في العام 81، أي عام تخليها عن سيناء، إلى ضم الجولان، و"توحيد القدس"، وتدمير المفاعل النووي العراقي، ثم إلى اجتياح لبنان عام 82، واقتحام عاصمته، وإخراج قوات الثورة الفلسطينية من آخر ساحات تواجدها في  "دول الطوق".
ثانياً: إسرائيل ترفض، بالمطلق، إقامة دولة فلسطينية مستقلة وسيدة. أما مقاربة أنها  ستنسحب من الضفة والقدس، مثلما فعلت في قطاع غزة، فمقاربة تنسى أو تتناسى، حقيقة أن إسرائيل "تمنت غرق غزة في البحر" إبان انتفاضة 87 الشعبية الكبرى، وأنها لم تنسحب من القطاع، بل انفصلت عنه من طرف واحد، وأبقته تحت الحصار البري والبحري والجوي، أملاً في دفعه لحضن مصر أو تحويله لدويلة فلسطينية، أي لمنع إقامة دولة فلسطينية على "حدود 4 حزيران"، بآية تزامن الانفصال الأحادي عن القطاع مع تسريع وتكثيف استيطان وتهويد ما تبقى من أرض الضفة والقدس.
ثالثاً: لإسرائيل تيارات وأحزاب مختلفة تجمعها صهيونية واحدة ترفض فكرة "التقسيم"، وتتمسك (بإسرائيل "دولة للشعب اليهودي" على "أرض الآباء والأجداد"). أما مقاربة أن عودة "حزب العمل" وحلفائه للسلطة ستفضي إلى تنفيذ "حل الدولتين"، فمقاربة تنسى أو تتناسى حقيقة أن حكومات "حزب الليكود" وحكومات "حزب العمل"، قد تناوبتا على منع إقامة دولة فلسطينية، وحقيقة أن لحكومات إسرائيل، على اختلاف ألوانها الحزبية، ممارسة على الأرض تكذب خطابها المضلل حول السلام.    
   والآن، بعد نصف قرن على احتلال أراضي الضفة والقطاع، (عدا والجولان)، ما زال الصراع عليها مستمراً، فلا المستوطنات فيها تفككت، ولا عمليات الاستيطان والتهويد والتفريغ توقفت، ولا إمكانية استعادة الأرض، عبر التفاوض، واردة. أما الرهانات الأخيرة على "المبادرة الفرنسية" فقد قطعت نتائج "مؤتمر باريس" الشك باليقين، وأثبتت أنها مبادرة وُلدت ميتة، وأكدت أنه لا فرنسا كدولة أوروبية أساسية، ولا حتى دول أوروبا مجتمعة، تستطيع الخروج من عباءة السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الصهيوني، وجوهره القضية الفلسطينية، خصوصاً.
   فالتعديلات التي تم الرهان على إدخالها على مرجعية التفاوض ورعايته وشروطه خرجت من أجندة مؤتمر باريس، فلا مرجعية غير طاولة المفاوضات حُددت، ولا سقفاً للتفاوض وُضع، ولا جدولا زمنياً لإنهاء الاحتلال بُحث، ولا دعوة لوقف سياسة العدوان والتهويد الاستيطان تمت، ولا الترتيب لعقد مؤتمر دولي بات مضمونا، اللهم إلا إذا جاء، (كما تريد واشنطن)، منصة لاستئناف التفاوض المباشر غير المشروط لتحقيق ما يسمى "حل الدولتين"، أي لاستمرار الدوران في الحلقة العبثية المفرغة والمُدمرة، ولكسب المزيد من الوقت لاستيطان وتهويد ما تبقى من الضفة وقلبها القدس، بما لا يترك متسعاً لإقامة دولة فلسطينية، ولو على "حدود 67"، ومع قبول فكرة "تبادل الأراضي".
   لقد إشترت واشنطن، (عبر باريس)، بعض الوقت لأجل اجهاض المبادرة الشعبية الميدانية، (الانتفاضة)، كحدث يعجز قمع الاحتلال عن إخماده، ويجعله حالة قابلة للتجدد. لكن واشنطن لا تزال بحاجة إلى كثير من الوقت للعمل على ابتزاز المفاوض الفلسطيني. فإسرائيل لم ترفض المبادرة الفرنسية لأنها ترى فيها انحيازاً للحق الفلسطيني، بل، لأنها تريد فرض تنازلات سياسية جديدة تتعلق، أساساً، بحق عودة اللاجئين الذي تم العمل عليه، وبذلت جهوداً كبيرة، لتحويله من حق غير قابل للتصرف إلى موضوع قابل للمقايضة، بدءاً من النص المعروف في قرار 242 حول "حل عادل لمشكلة اللاجئين"، مروراً بترحيل التفاوض عليه في اتفاق اوسلو الى "قضايا الوضع النهائي"، وهو ما فجر مفاوضات كامب ديفيد المفصلية في تموز 2000، عرجاً على "مبادرة السلام العربية"، 2002، التي حولت هذا الحق إلى مجرد مشكلة يمكن إيجاد "حل عادل ومتفق عليه"، لها، وصولاً إلى مؤتمر باريس الذي ركز على الدولة وتجاهل هذا الحق، ما يعني أن هذا المؤتمر لم يفعل سوى أنه حاول إعادة قطار التفاوض المباشر العقيم حول "حل الدولتين" إلى سكته غير معروفة النهاية.
   لذلك كله لم يكن غريباً ان تتدخل واشنطن في اللحظة المناسبة كي تفرض اجندتها على "مؤتمر باريس"، وتفرغه من مضمونه، وتعيد الدور الفرنسي إلى حجمه الطبيعي مع الاحتفاظ بالدور التمويلي للاتحاد الاوروبي. هذا يعني أن واشنطن لم تتخلَ، ولن تتخلى، عن احتكارها لملف القضية الفلسطينية، رغم كل الهذر السائد عن ادارة ظهرها للشرق الاوسط متجهة نحو شرق آسيا.
   إن ما جرى في "مؤتمر باريس" إن هو إلا تمهيد لتفعيل محاولات تعديل "مبادرة السلام العربية"، خصوصا بندها المتعلق بحق العودة الذي يُراد إخراجه من كونه جوهر القضية وأساس الصراع إلى كونه بين متفرقات الأجندة التي تطرح كقضايا ترتيبية إجرائية لا اكثر، اي إضاعة هذا الحق كفرق عملة عبر إثارة الجدل حوله على هامش المفاوضات. إن المحاولات الجارية لإسقاط حق العودة ليست مقطوعة عن المحاولات التي بذلتها واشنطن طيلة ربع قرن من المفاوضات، وهي المحاولات التي لم تفشل بسبب تعنت إسرائيل في موضوع الدولة، فقط، بل، أيضاً، بسبب أن أحداً لا يستطيع تجاوز عقبة الوعي الشعبي الفلسطيني المتجذر بحق العودة، سواء بين اللاجئين في وطنهم، أو في الشتات. وأكثر، فإن محاولات واشنطن الجارية تندرج في إطار الحسابات الأميركية، و"الغربية" عموماً، لمصلحة إسرائيل والاعتراف بها "دولة للشعب اليهودي" في محطة تشهد سيولة سياسية رسمية عربية غير مسبوقة، وفوضى عارمة تعم الوطن العربي، وتنذر، بديناميتها التفكيكية، بإعادة تجزئة المجزأ بـ"سايكس بيكو" على اسس "هوياتية" ما قبل قومية، أي طائفية ومذهبية وإثنية وجهوية....الخ
   قصارى القول: إنها الانعكاسات السلبية بعيدة المدى الناجمة عن الخلل البنيوي المتمثل في "تفريع جوهر" الصرع و"جوهرة فروعه"، كخلل بدأ بشعار "إزالة آثار العدوان"، وانتهى إلى صفقة اتفاقية كامب ديفيد المصرية، وتعميم نهجها في "مؤتمر مدريد للسلام"،  وبمفاعيله جرى انتقال التعامل مع مضمون الدولة الفلسطينية المبتغاة، من محطة، (1964-1974)، بشعارها "دولة ديمقراطية علمانية على أنقاض إسرائيل"، إلى محطة، (1974- 1988)، بشعارها "إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض فلسطينية يتم تحريرها أو ينسحب عنها الاحتلال" توطئة لإقامة "الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية"، إلى محطة إعلان الاستقلال عام 1988، بشعارها إقامة "دولة فلسطينية" (غير محددة الحدود)، إلى جانب "دولة إسرائيل"، إلى محطة أوسلو، (1993 وحتى الآن)، بشعارها إقامة "سلطة حكم ذاتي"، كخطوة أولى باتجاه، إقامة "الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967، مع تبادل للأراضي، إلى جانب دولة إسرائيل".

علي جرادات



مواضيع ذات صلة