2017-05-24 الأربعاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.587
دينار اردني 5.063
يورو 4.021
جنيه مصري 0.199
ريال سعودي 0.957
درهم اماراتي 0.977
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-06-18 05:42:53

ياسر سليمان يبحث عن هويّة الشتات الفلسطيني

كثيراً ما اقترنت الكتابات التي تناولت هوية الفلسطيني في الشتات بمفردات سياسية وبطولية وبكائية، من دون الالتفات إلى واقعه والاستماع إلى صوته، ومنحه فرصة للتعبير عن مكنونات نفسه في ما يتعلق بهذه المسألة من منظوره لا من وجهة نظر الكاتب، لكن البروفسور الفلسطيني ياسر سليمان، مدير معهد الدوحة بالوكالة وأستاذ كرسي السلطان قابوس لدراسات اللغة العربية المعاصرة في جامعة كامبردج، يستعرض تأملات أكثر من 100 فلسطيني يعيشون منافي متعددة جغرافياً، ويتحدثون عن انطباعاتهم التي كوّنوها عن أنفسهم وهويتهم وفلسطينيتهم وغرباتهم، في طرح غير عادي.

في كتابه "أن تكون فلسطينياً: تأملات شخصية حول الهوية الفلسطينية في الشتات" (صدر بالإنكليزية عن مطبعة جامعة إدنبره)، ينطلق سليمان من تجربته الشخصية في البحث على مدى أكثر من ربع قرن في فضاءات المنفى عن معنى فلسطينيته وهويته، منذ أن غادر مدينته القدس، وحديثه عن الشعور بعدم الاستقرار الذي يغمره، ويعرض تجارب شخصية لعشرات الفلسطينيين المغتربين طلب منهم أن يتحدثوا من القلب كيف يرى كلٌ منهم نفسه كفلسطيني منفي.

يقول سليمان إن ارتباط الجيل الثاني والثالث بأرض فلسطين وقضيتها لا يقل عن ارتباط الجيل الأول بها، موضحاً "أن هؤلاء يطرحون قضيتهم العادلة في صورة جديدة ترتبط بالماضي ولا تنفصل عن المسؤولية الملقاة على عاتق كل فلسطيني يعيش في الشتات، والذي يصبح إنساناً بامتياز، يدافع عن قضايا التحرر والاستبداد في كل مكان، انطلاقاً من كونها قضايا فلسطينية". ويرى أن قضية فلسطين ليست جغرافية، بل قضية أخلاقية عادلة، الأمر الذي يضعها في قالب عالمي يمثّل القيم العادلة في كل بقاع الأرض"، ويؤمن بأن فلسطين "أكثر وأعم وأشمل من بقعة محددة من الأرض تمتد من البحر إلى النهر، بل تتجاوز بحرها ونهرها، لتصل إلى العالم أجمع".

المساهمون، وهم أساساً من المملكة المتحدة وأميركا الشمالية، يتكلمون في عديد من الأصوات، مستكشفين ثراء بناء الهوية وتنوعه بين الفلسطينيين في الشتات. ويمهّد سليمان للمشهد بمقدمة، وتعالج خاتمته قضايا الهوية والمنفى والشتات باعتبارها مفاهيم تعطي معنى للتأملات الشخصية. وهذا هو أول كتاب يجمع الأفكار الشخصية المتعلقة بمعنى أن يكون المرء فلسطينياً. وهو يساهم في النقاش الدائر حول هذا المعنى. ويتساءل ما هو الشتات بالنسبة إلى الفلسطينيين. ويبحث في كيفية اختلاف الهوية الفلسطينية عبر الجنسين والأجيال والانتماء الديني والمصالح المهنية.

من بين الأصوات المئة، يقول صوت من مدينة نيويورك، "الخوف يتبعني مثل كلب مسعور"، فالشعور بالفلسطينية هو نوع من وصمة عار، تميل غالبية في مانهاتن إلى استخدامها ذريعة للعزل أو الإقصاء الثقافيَّين. ويتساءل الصوت: "هل نحن نرث الخوف؟" ويقول صوت آخر إنه يشعر بأن واشنطن أكثر عداء للفلسطينيين من إسرائيل نفسها. قد لا يكون الأمر صحيحاً تماماً، لكنه يدل على تولّد أعراض المظلومية حين ينتشر الخوف كفيروس.

والفلسطينيون المقيمون في الغرب محظوظون على صعيد الوضع والاختيار. هم يستطيعون مساعدة جيرانهم على بناء اللياقة الأخلاقية في السعي إلى فك القيود عن الأراضي المحتلة، لكن الأمر ليس سهلاً على المساهمين في هذا الكتاب. إن جملهم وقصصهم متموجة. من شأن دولة واحدة في كل أنحاء فلسطين، يقولون، أن تشكل فجراً ما للفلسطينيين المقيمين والمنفيين على حد سواء. وثمة تحذيرات يعرِب عنها هنا أشخاص فكروا طويلاً في الأمر: لن تكون دولة فلسطينية تقوم على أساس الفصل العنصري نزهة، كما لن يكون سهلاً تجاوز الماضي.

ولا يجد الفلسطينيون الذين أفلتوا من مخيمات اللاجئين عزاء كبيراً في الدول العربية. فالأنظمة الإقليمية، بما في ذلك النظام الإسرائيلي، أنظمة واهية، إن لم تكن في الواقع "فاشلة". وهكذا يأمل المساهمون في هذا الكتاب أن تستخدم المجتمعات الحضرية العربية - اليهودية في نهاية المطاف حكمة التاريخ فتَظهَر أكثر عدلاً ولطفاً وأقل ضيق أفق.

هذا الكتاب هو جزئياً شبه مسح اجتماعي، وهو جزئياً عمل مرجعي في العلوم الإنسانية، فالكتّاب في معظمهم مختصون فيها والمحرر من وجوهها البارزة عالمياً. والكتاب هو جزئياً مفاجأة، فهو خرج على أسلوب البكاء على الأراضي المحتلة الشائع منذ عقود. فعلى رغم التعاطف الذي تثيره أسطر كثيرة من أسطره، هو أساساً دعوة حميمة للتماهي مع منفيين موجهة إلى القارئ الغربي من دون أن تستثني القارئ العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً.

عبدالرحمن أياس 



مواضيع ذات صلة