المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.667
دينار اردني 5.176
يورو 3.937
جنيه مصري 0.203
ريال سعودي 0.978
درهم اماراتي 0.999
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-06-20 05:55:54

نهاية مبادرة السيسي

التلاعب بكلمة السلام كالتلاعب بكلمة الحرب كلاهما لعب بالنار، وقد يؤدي إلى كوارث يعلم الله ـ ويعلم الناس ـ مداها.
والحرب ليست دائما شيئا مكروها، ولا السلام كلمة لطيفة على الدوام، وقد عشنا في مصر زمن الحرب وزمن السلام، ونهضنا صناعيا وحضاريا في زمن الحروب، التي فرضت علينا، ولم تلحق بنا الهزيمة الحضارية الشاملة، إلا في الزمن الذي سموه بالسلام، وجعل حرب أكتوبر 1973نهاية لكل الحروب.
وقد تنطوى القصــة على مفارقــة ظاهرة، فأجيال من المصـــريين تذكـــر ما جـــرى مع مبادرة الرئيس السادات بالذهاب إلى القــدس المحتلة نهـــاية 1977، وأحاديث السادات المسلية على مصاطب "كبير العائـــلة"، وتبشـــيره بالرخاء المقبل الزاحف مع السلام الإسرائيلي، وووعده لكل أسرة مصرية فقيرة بفيلا وسيارة وحمام سباحة.
وبدا الكلام العبثي وقتها مما يغري أفئدة عند الناس، فقد كان من عينة كلام الليل "المدهون بزبدة" كما يقول المصريون، ثم لم يطلع عليه النهار أبدا، فقد ذهب السادات إلى مصيره قتلا على منصة العرض في 6 أكتوبر 1981، وضاعت مصر معه ومن بعده، ونزلت إلى "قعر القفة" في سباق الأمم، وخرجت من سباق التاريخ بالجملة، وجرى تفكيك عناصر قوتها قطعة قطعة، وانتهينا إلى انحطاط عظيم، وإلى فساد أعظم نخر بدن الدولة، وخلع ركائز قواعدها الإنتاجية، وإلى رهن قرارها السياسي والاقتصادي لواشنطن راعية ما سمي "معاهدة السلام"، وإلى إعادة الوضع المصري إلى ما قبل دولة محمد علي، حيث تفشت سيطرة مماليك من نوع مختلف هذه المرة، وإلى عائلة تحكم بالوكالة عن الأمريكيين والإسرائيليين، وإلى مجتمع هجر لحظة العصر إلى سراديب التاريخ البعيد زهقا ورهقا، وفضل انتظار الموت على مصاعب الحياة، وهجر الجغرافيا المصرية إلى سبل الرزق الشحيح في بلاد الآخرين، وهو ما انتهى بالمجتمع ـ بعد الدولة ـ إلى وضع الأشباح، وتحول المصريون إلى "غبار بشري"، حوّلنا هذا السلام الذليل إلى حفنة من غبار، لم تجتمع ذراته إلا في لحظة الخنق، حيث انسدت سبل الهروب من المأساة المصرية، وأحيط بالمصريين مع لحظة قصف العراق، الذي كان أوسع وأيسر مهارب المصريين، وهو ما يفسر مدار وتحولات القلق المصري المعاصر، الذي بدأت صحوته الكبرى مع قصف بغداد في 20 و21 مارس 2003، كانت لحظة إفاقة إلى المصائر، فلم يعد للمصريين من مهرب سوى بلدهم الذي صار خرابة، وهكذا ظهرت حركة "كفاية" وأخواتها، ثم اجتماع القلق السياسي إلى القلق الاجتماعي الأوسع، ومشاهد ثورة 25 يناير 2011، وما تلاها من حكم الإخوان، وهبة عشرات الملايين في 30 يونيو 2013، ومن دون أن تستقر النجوم في مداراتها، ولا أن تنتصر الثورة اليتيمة، التي لم يقدر لها أن تصل لحكم مصر حتى ساعة تاريخه، ولا حتى أن تمتلك حزبا سياسيا قادرا على الانتقال بها من الميدان إلى البرلمان.
نعم، في مصر الآن دراما هائلة، تتوالى فصولها، وتسكن حينا لتثور أحيانا، ومن دون أن تصل لشاطئ ختام مريح ومستريح، ولا إلى قناعات سارية مؤثرة عن صورة المستقبل في لحظة ضبابية، اللهم إلا بمنطق رفض الذي جرى تجريبه من قبل، فالناس لا يريدون عودة لحكم الإخوان، تماما كما يرفضون عودة حكم مبارك في صورة مموهة، ولم تعد لديهم أوهام عن السلام الذي ذهب إليه السادات، ورغم أن مصر ـ رسميا ـ هي أول دولة عربية وقعت على معاهدة سلام مع إسرائيل، فإن الشعب المصري هو الأبعد عن أي معنى لتقبل السلام المسموم، والشعب المصري هو أكثر الشعوب العربية كراهية لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، وأكثر الشعوب رفضا لأي "تطبيع" مع إسرائيل، فلا يزال التطبيع ـ إلى الآن ـ تهمة سالبة لشرف من يرتكب جرمها، وأيا كانت صفته، وسواء كان رجل أعمال أو رجل دين أو رجل سياسة، وكان الموقف الرافض للتطبيع مصاحبا على الدوام لسيرة القلق ورغبات التغيير، ولن ينسى أحد مشاهد حرق الشباب المصري بعد الثورة لسفارة العدو الإسرائيلي في القاهرة، ومن وقتها، لم تستطع إسرائيل أبدا العثور على مقر آخر لسفارتها، وصار منزل السفير ـ مخبأ في حي المعادي ـ هو مقر سفارته في الوقت ذاته، وتنصلت السلطات المصرية من تحمل عبء البحث لإسرائيل عن مقر سفارة جديد بعد المقر المحترق، ولم تعد من قناة تواصل مع إسرائيل إلا عبر جهاز أمني مصري معروف، هو نفسه الجهاز الذي يتواصل مع قيادات حركة "حماس" في قطاع غزة.
ولم يكن انكماش "التطبيع العلني" هو وحده الذي استجد بعد الثورة، ولا احتراق سفارة العدو إلى غير رجعة، بل كانت حركة الجيش مصاحبة لحركة الشعب، في تقليص معاني التسليم بكوارث المعاهدة وقيودها، فقد نصت الملاحق الأمنية للمعاهدة على مناطق نزع السلاح في سيناء، وحصرت الوجود الفعال للجيش المصري في المنطقة (أ)، وبقوة قوامها فرقة مشاة ميكانيكية واحدة – 22 ألف جندي – إلى مسافة 59 كيلومترا شرق قناة السويس وغرب "خط المضايق " الحاكم، والسماح فقط بأربع كتائب حرس حدود ـ 4000 جندي ـ في المنطقة (ب)، التي يمتد عرضها إلى 109 كيلو مترات في قلب سيناء، وقصر الوجود المصري على الشرطة لا الجيش في المنطقة (ج)، والممتدة بعرض أقله 33 كيلومترا شرق سيناء، مع حظر المطارات والموانئ الحربية المصرية في سيناء كلها، ولم يجرؤ المخلوع مبارك على تغيير موطئ قدم لجندي في سيناء، وهو ما تغير كليا الآن، وفيما يشبه الانقلاب العسكري على المعاهدة كلها، ودهس مناطق نزع السلاح بالجملة، ومد حضور الجيش المصري بكامل هيئته حتى خط الحدود المصرية التاريخية مع فلسطين المحتلة، صحيح أن كل ذلك جرى بعلم إسرائيل، وبموافقاتها المسبقة من خلال قناة الاتصال الأمنية التي ظلت مفتوحة، لكن المحصلة مختلفة في المغزى، فقد جرى فرض أمر عسكري واقع، لن يعود عنه الجيش المصري أبدا، خصوصا أنه تم في سياق سياسي مختلف، انتهت فيه سيرة علاقة التبعية المصرية الخاصة مع واشنطن، وكسبت مصر فيه جوانب معتبرة من استقلالها الوطني الذي كان مضيعا، وشهد فيه الجيش ثورة هائلة في موارد تسليحه وصناعاته الحربية، وتغيرت معادلات القوة، فهذه أول مرة تتحرر فيها سيناء فعليا لا صوريا، وهذه أول مرة يعود فيها الجيش المصري إلى حدود فلسطين منذ ما قبل هزيمة 1967.
ماذا يعني هذا كله؟ يعني ببساطة أن مصر تعيد عمليا كسب نفسها وأرضها وجيشها وحرية قرارها، وتتخلص تدريجيا من قيود فرضت عليها فيما سمي بمعاهدة السلام، وتجهد لبناء حلف عسكري عربي وقوة مشتركة، يكون الجيش المصري قاعدتها ونواتها الصلبة، وهي فكرة تعارضها وتعرقلها دول عربية رجعية، أدمنت دفع تكاليف الحماية الأمريكية، وتريد توريط مصر في مبادرات سلام جديدة مع إسرائيل، وبدعوى إعطاء الأولوية لمواجهة الخطر الإيراني، وقد بدت السياسة المصرية حذرة في القصة كلها، وإن بدت لها مصلحة موقوتة في ممارسة نوع من العلاقات العامة، مدفوعة برغبة في تخفيف عبء التعويض الدولي المحكوم به لإسرائيل بعد وقف تصدير الغاز المصري، وبالتوتر المحسوس في علاقات القاهرة مع واشنطن، وهو بعض ما دفع الرئيس السيسي إلى إعلان مبادرة نوايا سلمية في أسيوط، تواقتت مع طرح المبادرة الفرنسية، ومع إعادة تأكيد أطراف عربية معنية على ما سمي "مبادرة السلام العربية" المعلنة منذ قمة 2002، وبدا السيسي في مبادرة أسيوط، كأنه يعيد ارتداء جلباب السادات، وبدت ردود الفعل المباشرة وقتها، كأنها تمهد لمفاوضات فلسطينية إسرائيــــلية برعـــاية ومشاركة مصرية، وقد تتضمن قمة ثلاثية لنتنياهو وعباس والسيسي في القاهرة، وطبيعي أن ذلك كله مما يسعد إسرائيل ونتنياهو، فهو يسعى إلى كسب تطبيع مصري وعربي شامل مع إسرائيل من دون التزام بإعادة الأرض المحتلة، وهو ما قاله نتنياهو بوضوح في لقاء أخير جمعه مع وزراء حزبه "الليكود"، وأغلق به الطريق على مبادرة السيسي، وأثبت للرئيس المصري خطورة لعبة العلاقات العامة، أو التلاعب بكلمة "السلام" في غير موضع، أو الولع بإعادة ارتداء جلباب السادات، فأي لقاء للسيسي مع نتنياهو سيكون خطيئة سياسية كبرى، خاصة أن السيسي تعهد ـ وقت ترشحه ـ بعدم لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي إلا بعد إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو هدف لن يتحقق في مدى منظور، من الأفضل أن تركز فيه مصر على التخلص من القيود المذلة لما يسمى "معاهدة السلام"، وألا تتورط من جديد في صناعة المآسي لنفسها ولأمتها، وعلى نحو ما جرى في أربعين سنة خلت.

 عبد الحليم قنديل

٭ كاتب مصري



مواضيع ذات صلة