2017-03-29 الأربعاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.612
دينار اردني 5.099
يورو 3.91
جنيه مصري 0.201
ريال سعودي 0.963
درهم اماراتي 0.984
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-08-26 08:29:03

حنظلة تلفزيونياً..!

هل يعرف الجيل الجديد كاريكاتور ناجي العلي؟ هل يعرفه الذين ابتعدوا عن قراءة الصحف، وبخاصة أن رسوماته، هي في الأساس لكي تنشر في الصحافة الورقية؟ ربما هناك حياة أخرى لها اليوم، بعد أن دخل فن الغرافيك إلى التلفزيون، حيث تستعيد "الميادين" ناجي العلي بطريقة حديثة

أجزم أن الأجيال الجديدة لا تعرف ناجي العلي ولم تشاهد رسوماته الناقدة، بمن فيهم هؤلاء الذين يرتدون قلادة "حنظلة" ويعتمرون الكوفية كإشهار مقاومة وتمسك بالقضية الفلسطينية وحق العودة، فمن ناحية لا أحد يهتم بالمشاريع الفنية الفكرية، ومن ناحية ثانية القطيعة أمست شبه تامة مع الفنون التشكيلية والكتاب والصحيفة اليومية، صلة الوصل الرئيسية بين فن الكاريكاتور والمجتمع. وبالطبع لا يمكن أن نحمّل المسؤولية للأجيال وحدها؛ خاصة أن وزارة الثقافة الفلسطينية - مثلها مثل كل وزارات الثقافة العربية - لم تروج لمشروع العلي وتراثه الفكري، وشاركتها في ذلك وزارات التربية العربية التي غيّبت (الطفل) بأعوامه العشرة الأولى عن مناهجها بما فيها كتب التربية الوطنية وحصص الفنون.
اليوم يعود التلفزيون من خلال فن الغرافيك لينفخ الروح في ذلك الطفل الفلسطيني؛ وذلك من خلال رسوم متحركة واكبت أدوات العصر الحديث وعالم "الملتيميديا"، مُجبرةً (حنظلة) أن يغيّر مسكنه من عالم الورق وصفحات الجرائد إلى (ميادين) القنوات الفضائية، ليظهر كفقرة إعلانية أو كفاصل بين النشرات الإخبارية الدموية. لقد جاء العصر لكَ بهوية بصرية جديدة يا "حنظلة" لم تؤثر في هويته السياسية والفكرية الممانعة والمنهج الذي أراده له (العلي) وهنا لا بد من التنويه إلى عملية دمج الماضي بالحاضر، واختصار عقود عدة للتعريف والتذكير بالقضية من خلال إسقاطها على الواقع الراهن من خلال الكاريكاتور، وللإشارة بأن ما حدث في الأمس يحدث الآن والعدوّ لم يتغير مهما تغير شكله أو اسمه!
نظرة جيل
لا نعرف اسماً للشركة التي نفذت رسومات العلي للتلفزيون، ومع أننا لا نشكك بنواياها الطيبة، إلا أن نظرة خاطفة على ما قدمه رسام الكاريكاتور الفلسطيني ستعلمنا كم هو قاسٍ على جيلنا الذي ما زال يحتفظ برسومات الشهيد في مكتباته الشخصية أن يصير "حنظلة" فاصلاً تلفزيونياً... هكذا غادر العلي مع شخصياته الورق إلى الشاشة، ونهلت رسوماته من عناصر الصوت والصورة والحركة عبر رسوم ثلاثية الأبعاد، دامجة الماضي بالحاضر من خلال أعمال الفنان التي تبشر في راهننا العربي بتأسيس فنون بصرية ذات طابع نضالي، ربما تستطيع التواصل مع أجيال جديدة أهم ما يميزها عشق الغرابة، وجل اهتمامها صرعات التكنولوجيا، فوسائل الإعلام الموّجهة أبعدتها عن ماضيها وقضاياها الرئيسية، فأسلوب المحاكاة واستخدام الأيقونة القديمة وتطويع رمزيتها لمواجهة ما يمر به العالم العربي خلق قيمة حضارية واجتماعية للشاشة الصغيرة، خاصة أن ما نشاهده اليوم بات يشكل بعداً فنياً شعاره الأوحد ثقافة الصورة، فلم يلغِ التلفزيوني العمل الأصلي أو يمس به، بل كان مطابقاً تماما لأسلوب الفنان العلي، محرّضاً المشاهد على طرح الأسئلة والبحث عن العمل الورقي، ومنبّها إياه للأخطار التي شغلته عنها كثافة الحدث اليومي، فالقضايا واحدة: أنظمة استبدادية، مواجهة العدو، غياب الحرية، شعوب مغلوبة بفقرها ومظلوميتها وجوعها وأمراضها الفئوية المزمنة.
حنظلة الموالي
وبرغم أن الرسومات التي نفذتها قناة "الميادين" مختارة من بين عشرات الأعمال لناجي، إلا أن البعض اعتبر دخول الكاريكاتيري بشكله الجديد إلى شاشة الفضائيات بمثابة إنعاش لذاكرة يتمّ العمل على مسحها من العقل العربي اللاهث للتطبيع، وتنبيه وتعريف للجيل الغارق في مواقع التواصل الاجتماعية بقضية آبائه وأجداده، فيما اعتبر آخرون أن النسخة التلفزيونية الجديدة من رسومات ناجي، هي مجرد مسرح لدمى متحركة يفتقد لعنصر الإبهار مقارنة بما تعرضه قنوات الملتيميديا واليوتيوب الدولية.
للأسف لم يُنظر إلى الفن الجديد بتجرد، حتى صانع (حنظلة) كان غائباً في هذا السجال، إذ لم يعد حنظلة في نظر هؤلاء المصطفين ذلك الثائر الرافض للتطبيع أو العشب المرّ، بل صار مجرد متهم بالقناة التي يظهر عليها حنظلة اليوم، ليمسي (شبيحاً) أو (صفوياً)!.
سلطة الكاريكاتور
حين الحديث عن دخول الحركة والموسيقى التصويرية على أعمال (ناجي) لا بد من التذكير بأسماء كثيرة لفنانين ورسامين كان لهم أثر مهم سواء في ما قدموه من أعمال ضد المحتل الإسرائيلي أو السلطات المستبدة، أو خدمت قضايا المجتمع عن طريق هذا الفن الساخر أمثال الساطور في ليبيا، والمندلاوي في العراق، صلاح جاهين في مصر، وغيرهم في السودان ولبنان، ويمكن أن تكون أعمالهم في مرمى الفضائيات العربية بتقنيات مشابهة، بحيث يمكن أن يتم تعريف المشاهد العربي بهذا الفن وأبرز فنانيه؛ فلا تكون التجربة الفنية الجديدة مقتصرةً على جزء من أعمال العلي، لا سيما أن الثقافة البصرية التلقينية تفوقت اليوم على الكتاب والبحث والمحاكمة، ولا وسائل لتثقيف العرب إلا بتقديم وجبات جاهزة وسهلة من المعلومات والرسومات التلفزيونية العابرة، علماً أنه وسط هذا الزحام الرقمي لن تستطع أي قناة تحقيق ما كانت تحققه قناة بث أرضي واحدة أو مكتبة منزلية متواضعة.
لقد رحل ناجي العلي ومعه اليوم العديد من الأنظمة والديكتاتوريات العربية، ولم يلتفت حنظلة وهذا برأيي كافياً ليعرف القارئ أن الكرامة العربية ما زالت في أنابيب الاختبار، والإنسانية والحرية مصلوبتين على جدران السجون والمعتقلات الممتعة! فلو بقي ناجي حتى هذا اليوم ترى ماذا كان سيرسم للقضية والجمهور ولفلسطين كرامة عين الربيع العربي وزمن داعش والغبراء؟ هل كان ليبقى الإنسان الفلسطيني رمزاً للرسام الشهيد؟ الصورة التي صدّرها العلي في رسوماته، أم أنه سيغيّر رأيه بعد الانقسامات التي طرأت على الفصائل واختلاف المفاهيم وانقلاب الموازين في البلاد العربية؟
هل بمقدور حنظلة الخروج من حرب الاتهامات المناطقية والمذهبية بعد أن نزعوا عنه الرمز أم أنه لن تعنيه أن تثبت براءته؟ فالكل يسأل متى سيدير وجهه صوبنا ويقيناً لن يدير وجهه إلا ليبصق على خرائطنا ( الوحدوية) الجديدة.

لؤي ماجد سليمان
(كاتب سوري)/



مواضيع ذات صلة