المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.484
دينار اردني4.924
يورو4.121
جنيه مصري0.198
ريال سعودي0.929
درهم اماراتي0.949
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-08-28 18:46:24

اغتيال النقد

قتلة ناجي العلي كثيرون. رسك حول "لا لكاتم الصوت".. هل كان يعرف أن نهايته ستأتي غيلة بكاتم للصوت؟ ربما. لكن الأكيد أنه لم يفكر بتوقيت الرصاصة، بل كان يتأمل المشاعر والنفوس وحالات هذا الوطن

(1)
لا يعنيني الآن اسم ضاغط الزناد في جريمة اغتيال ناجي العلي، فقد خرجت القضية من الملف الجنائي إلى الأفق التاريخي.. صارت شيئاً ما في النهر العربي الآسن، حجرٌ خطرٌ في قاع النهر (كما يراه الكارهون)، أو كما يراه المحبون: شراع مركب أبيض لا يزال شامخاً في الوضع الرأسي، ينتظر المياه والريح ليكمل رحلته عائداً إلى فلسطين، ليست فلسطين الخيمة، ولا فلسطين الدولة، ولكن فلسطين الجزء من وطن عربي واحد، حرّ. متحرّر. أنجز فريضة ثأره، ويعيش آمناً كريماً في ظلّ "الشجرة".
(2)
لا يعنيني الآن سمارة، ولا صوان، ولا عبد الرحيم، لأن قتلة ناجي العلي كثيرون، وأعداءه معروفون بالاسم والرسم، ونهايته لم تكن مفاجأة لمتابع، فقد قالها في العلن، وكتبها غير مرة: اللي بدو يكتب عن فلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله ميت". كان يعرف أنه يسلك طريق مُكتشِفه غسان كنفاني، فلم يفكر في توقيت الرصاصة المتوقعة، ولا نوع المفخخة التي تنام متربصة تحت مقعد سيارته، فقط كان ناجي يفكّر في فلسطين، في الوطن القومي الذي يضمّ فلسطين، يفضح المتخاذلين، ويهاجم بوضوح ساطع كل أعداء ذلك الحلم الكبير، الذي كان بالنسبة له: "الممثل الشرعي والوحيد لكل فلسطيني، ولكل عربي حر".
(3)
لما خرج ناجي مع أسرته نازحاً من قرية "الشجرة" في الجليل عقب نكبة العرب في 48، كان طفلاً أخضر بعمر 6 سنوات، قضى الصيف مع الجميع في بساتين "بنت جبيل"، ريثما تنتفض الجيوش العربية وتعيد السكان إلى الديار والفلاحين إلى الحقول، لكن الانتظار أثمر "خيمة"، اعتبرها ناجي منصة العودة للوطن، كان يتأمل الوجوه والمشاعر، ويحفر كلمات العودة في وجدانه، ويرسم ملامح قريته على جدران ذاكرته.. البيوت والأشجار، والأعشاب والحصى، "أما المدافعون عن القرية فلا تزال ملامحهم مطبوعة في ذاكرتي".. هكذا سكن الوطن في ناجي بعد أن كان يسكنه.. حالة رعاية تبادلية، وإخلاص نبيل بين طرفين لا غنى لأحدهما عن الآخر، لهذا لم ينحرف ناجي عن طريق الوطن، ولم ينجرف وراء إغراء وهمي، لا قرارات الأمم المتحدة، ولا أفخاخ الأنظمة العربية المتخاذلة، ولم يصدّق يوماً تجار النضال الوهمي الذين يطعنون فلسطين من وراء ستار الدفاع عن حق شعبها في العودة.. كانت تلك المسوخ الهلامية اللزجة ترفع شعار حق العودة، بينما تُكرِّس في الحقيقة واقع المخيمات، وتربح الأموال والألقاب من غربة اللاجئين، من غُلب محمد والعم عباس، وذل مارون وأبو إلياس، وصبر فاطمة، وطفولة حنظلة المغتصبة.
(4)
كان ناجي يصدق فقط فلسطين التي حفظها في قلبه، ورواها بماء المد القومي الذي تفجّر في زمن عبد الناصر، وصعود حلم الوحدة العربية، ولما انتظم في صفوف حركة القوميين العرب التي أنشأها الدكتور جورج حبش، لم يكن يوماً رقماً في كشف عضوية، ولا فرداً في قطيع تنظيمي، لكن كان فلسطينياً مفتوح العينين، يسعى لمشاركة حلمه مع آخرين، لذلك كان دائم السؤال والنقد، حتى أنه تلقى الكثير من الجزاءات التنظيمية التي وصلت إلى استبعاده أربع مرات بتهمة "عدم الانضباط التنظيمي"، ومع ذلك لم يغضب، كان ينقد نفسه مخففاً من حدة إدانة الآخرين: كنت دائماً في حالة "عدم رضا".. فمن يقبل بهذا الواقع المهزوم؟
(5)
لم يبتعد ناجي تماماً عن التنظيم، ولم ينخرط تماماً فيه، ظل متعاوناً بطريقته المستقلة، وبنظرته النقدية التي تمثلها في رسومه "عيون فاطمة" ونصاعة مواقفها، وفي ذلك الحين في أوائل الستينيات أسهم مع رفاقه القوميين في إصدار نشرة للوعي السياسي باسم "الصرخة"، كانت ميداناً حفزه على الرسم باعتباره "رسالة نضالية"، توسع فيها بعد ذلك على حوائط مخيم "عين الحلوة، وجدران السجون التي دخلها، وفي ذلك العام تحديداً (1961) اختار غسان كنفاني واحدة من رسوم "عين الحلوة" ونشرها في مجلة "الحرية" التي كان يترأس تحريرها، وكان أول كاريكاتير منشور عبارة عن "خيمة" على شكل هرم، يثور من قمتها بركان وبدلاً من الحمم، تظهر قبضة يد عازمة على تحرير فلسطين، "لقد شجّعني هذا كثيراً" .. هكذا يعلّق ناجي على مفاجأة نشر رسومه، وكأنه يقول لنا أيضاً إن المناضل لا يولد مناضلاً، لكنه يتعلم النضال، ومن أهم المعلمين الذين ذكرهم بكل الحب أستاذه أبو ماهر (المناضل البارز أحمد حسين اليماني)... "لقد قال لي حين لاحظ شغفي بالرسم: "ارسم يا ناجي.. لكن دائمًا لفلسطين"، وكأن العبارة صارت وصية استمر ناجي يعمل بها طوال سنوات فنه: "عم بكتب وصيتي".
(6)
في سنوات دراستي الجامعية، كان ناجي شيطان الأنظمة العربية وعدوها الفاضح، وكانت رسومه وكلماته تزعج أجهزة الأمن، وتستثير مسوخ الإعلام الرسمي ومثقفي الأجهزة، وفي جامعة القاهرة كنا في صدام دائم مع "المخبرين"، لأن رسوم ناجي كانت البطل الرئيسي للمعارض والتظاهرات السياسية، ومسيرات الغضب التي واكبت اجتياح بيروت في 83 وما تلاه من هوان عربي رسمي، وحصار شامل للمقاومة ليس في لبنان وفقط، ولكن على مساحة الخريطة العربية، كان ناجي ينتمي إلى مصر عبد الناصر والحس القومي، فيما كان نظام كامب ديفيد يتهمه بالإساءة لسمعة مصر، والتحريض ضدها، لهذا كانت القسمة واضحة: "كامب ديفيد" في مواجهة "لا صلح لا اعتراف لا تفاوض"، "التبعية وعرب أميركا" في مواجهة "الاستقلال وعرب ناصر"، "العروبة المبتغاة" في مواجهة "التجزئة المفروضة والشوفينية القطرية"، كنا نعرف أن ناجي "ناقد" وليس عصابياً يمارس الكراهية والتطاول، كما يحاول إعلام الخانعين وصفه ووصمه، لهذا رأيت أن اغتيال ناجي العلي لم يكن اغتيالاً لفرد، بل قتل للنقد، وإزاحة للعقل العربي الناقد بشكل عام، كان لا بد من تهيئة المنطقة لمزيد من الهوان والاستسلام وتوسيع خريطة الكامب، كان لا بد من فرض سيطرة "كاتم الصوت"، لتوجيه الضربة القاضية لمشروع الوطن القومي، واتخاذ الخطوات العملية لفرض مشروع "الشرق الأوسط الأميركي".. وكان ما كان.
(7)
جمعت الكثير من الدلالات والاستشهادات على مركزية فكرة النقد في عقل ناجي العلي وعينه، لكنني لا أرى لها ضرورة في هذه المقال، أراها بديهية واضحة لا تحتاج إلى إثبات، لذلك اكتفي منها بالإشارة إلى أول كاريكاتير نشره العلي في الكويت عقب سفره للعمل هناك، فقد رسم لصاً يخرج من بلدية الكويت، وهو يصيح: سرقوني!، النقد عند ناجي لم يكن في حدود السياسة، ولا مرتبطاً بقضية وطنه الصغير، لكنه كان نقداً لكل انحراف في الوطن الكبير، ولا تحده في تلك النظرة الناقدة، حساسيات الجغرافيا، ولا هوية دافع الرواتب الشهرية، ولا مجاملات الصداقة على حساب المبادئ، ومن هذه النقطة بالتحديد اندلعت المأساة، ووصل النقد إلى رأس السلطة الفلسطينية، وكل مَن سايرها في طريق تسويات المساس بفلسطين الموحّدة التي لا تقبل عند ناجي الانتقاص أو الرضوخ، واغفروا لي عدم الخوض في تفاصيل المرارة، لأنني في ذكرى صعود ناجي إلى السماء لا أحبّ ولا أستسيغ أن أضع مزيداً من الملح على الجروح العربية النازفة.
(اللوحة الأخيرة)
قلت له: إن ظَهَرْتَ انكَسرْتَ، فلا تنكسرْ /(...)/ قال لي حُزْنُهُ النَّبَّوي: إلى أين أذهبُ؟ /(...)/ علي الحُلْم أن يرشد الحالمين/ كما الوَحْيُ /ثم تنهّد: خُذْ بيدي أيها المستحيل!/ وغاب كما تتمنَّى الأساطيُر /لم ينتصر ليموت، ولم ينكسر ليعيش/ فخذ بيدينا معاً، أيها المستحيل.
شذرات من قصيدة "هو، لا غيره" – ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" محمود درويش، ولا يعنيني هنا، هل كتبها درويش وفي ذهنه آخر لقاء مع ناجي، أم كتبها للفلسطيني الأسطوري الذي يتعذّب ولا يموت.

جمال الجمل
(ناقد مصري)/"السفير" اللبناينة



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورموسمحصادالزيتونفيقطاعغزة
صوروقفةاحتجاجيةبغزةضداغلاقالاحتلالللمكاتبالصحفيةبالضفة
صورالطالبةالشريفالأولىفيمسابقةتحديالقراةالعربي
صورأبومازنأثنااجتماعاللجنةالتنفيذيةلمنظمةالتحريرالفلسطينية

الأكثر قراءة