المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.585
دينار اردني5.057
يورو4.015
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.956
درهم اماراتي0.977
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-09-25 01:56:07

قبل أن يتحوَّل التدريب إلى سوق سوداء

في نظرة متفحصة لأعداد المدربين في قطاع غزة تعتقد للوهلة الأولى أنك في دولة عُظمى. لقد زاد عدد المدربين عن 1000 مدرب في كافة مجالات المعرفة الإنسانية، لدرجة أننا أصبحنا نتساءل: من يدرب من؟

مدربون غير مؤهلين
الشباب لدينا يحصلون على دورة تدريب مدربين (TOT) من أحد المراكز المنتشرة بكثرة في غزة بالتزامن مع دراستهم الجامعية أو بعدها، وقبيل الانتهاء من الدورة يمارس التدريب كمهنة، ويطلق على نفسه لقب "مدرب تنمية بشرية" رغم أن مصطلح التنمية البشرية موضع اختلاف بين العلماء.
في حقيقة الأمر فإن دورةً واحدةً وعدداً من الدورات لا تكفي لأن يصبح الشاب مدرباً، فإذا سلمنا بحقيقة التنمية البشرية؛ نكتفي بالقول بأن مصطلح التنمية يشير إلى التحسن والتقدم المستمر، وهذا غير متوفر لدى الكثير من المدربين في حالة الانشغال وانقطاع التيار الكهربائي والأوضاع المعيشية الصعبة في قطاع غزة.
في دورات تدريب المدربين يقولون بأن التدريب هو (KSA)، بمعنى التزود بمعلومة وصقل مهارات وتصحيح اتجاه أو تعديل سلوك، وهذا أمر صحيح قبل عدة سنوات، لكن التدريب اليوم تحوَّل إلى تبادل خبرات، بمعنى أن يستخدم المعلومات والمهارات والاتجاهات بناءً على ما يمتلك المدرب من خبرات مارسها في عمله أو عاشها في حياته. ولكن؛ أي خبرات هذه لمدرب تنمية بشرية عمره لا يتجاوز ال25 سنة.؟!

مدربون بلا خبرات
سبق وأن جلستُ مع مجموعة من المدربين، أحدهم عرَّف نفسه بأنَّه خبير التدريب في الاتيكيت والبروتوكول، الغريب في الأمر أن عمره كان في حينه 21 سنة، وهو خريج دبلوم علاقات عامة وإعلام من إحدى الكليات بغزة، وفي موضع آخر؛ إحدى المدربات عرفت نفسها بأنها الدكتورة ...، كم عمرك يا دكتورة؟ 22 سنة، خريجة دبلوم وطالبة بكالوريوس، وما تخصصك في الدكتوراه؟ دكتوراه تنمية بشرية من كلية ... فأدركتُ أنَّها تحمل شهادة دورة تدريبية يسميها البعض "دكتوراه مهني".
أحد المدربين يعرِّف عن نفسه بعدة ألقاب، وهذا أمر سمعناه كثيراً، لكن استوقفني أنه قال: قمت بتدريب 2000 ساعة تدريبية. راجعته في الرقم، وقلت ربما 200 ساعة؟ فأصرَّ على الرقم وقال: كل يوم عندي تدريب منذ تخرجي، ولم يمضِ على تخرجه سوى سنة ونصف، ولم يمضِ على حصوله على دورة تدريب المدربين سوى بضعة أشهر، وشعرت حينها وكأنه يدرب على مدار الساعة، الجمعة والسبت، الليل والنهار، الخريف والشتاء والربيع، ليس لديه إجازات، ولا أهل، ولا بيت...
لو قُدِّر لك الاطلاع على السير الذاتية لبعض المدربين المستجدين؛ ستعتقد أنك تقرأ لشخص لديه قدرات خارقة وعاش تجارب وثقافات مختلفة، لولا أنك تعرف هذا الشخص وبساطته.

ألقاب كرتونية
ولم ننفك في هذه الآونة عن سماع العديد من الألقاب الكرتونية التي لم نكن نسمعها من قبل، حيث يلقب بعض المدربين أنفسهم أو يشترون الألقاب من مؤسسات تدريبية صغيرة في الخارج مقابل عدة مئات من الدولارات على غرار شهادة الدكتوراه الفخرية التي يتم بيعها في بعض الدول العربية.
اذكر فيما أذكر أن بعض المراكز الشبابية انطلاقاً من عام 2011م؛ أشبعت أحد الوزراء بالألقاب مثل: (أبو الشباب، حامي الشباب، حاضن الشباب، صانع القادة، رائد التنمية البشرية، ...)، ثم اشتعلت انتفاضة الألقاب، فصرنا نسمع (سفير التنمية البشرية، سفير التدريب، خبير التخطيط الاستراتيجي، سفير المطبخ الفلسطيني، سفير الفن الفلسطيني، سفير الإعلام الفلسطيني، سفير العلاقات الدولية، سفير الاتيكيت، سفير التميز والإبداع، سفير المسرح، سفير الإنسانية، سفير الطفولة، ...).

غياب الجودة في التدريب
كثير من الدورات التدريبية لا تندرج ضمن مصطلح التنمية البشرية، ليس من جانب التصنيف، ولكن من جانب الجودة، لأنَّ الكثير من الدورات تفتقر إلى أدنى معايير الجودة المتعارف عليها عالمياً. ولو حاولنا حضور دورة واحدة مع بعض المدربين لأكثر من مجموعة؛ لرأينا أنها دورة مكررة أو قُل: نسخة كربونية للدورة، لا يوجد فيها أي تحسين وتطوير وتنمية.
وانتشرت مؤخراً الدورات المجانية برسوم رمزية للشهادة، أحد المراكز نشر إعلاناً فيه رسوم رمزية قيمتها 9 شيكل، ثم قام بنشر الإعلان مرة أخرى مع تخفيض الرسوم إلى 6 شيكل، ومركز آخر قام بتخفيض رسوم الشهادة إلى 4 شيكل فقط. وهذا بحد ذاته عمل يحوِّل التدريب إلى سوق سوداء، ويعمل على تشويه صورة بعض المدربين المتميزين، ويُفقد الشهادات والدورات التدريبية قيمتها ويفرغها من مضامينها.
كان من الأجدر على أي شخص يريد أن يدخل في عالم التدريب أن يبحث في مؤهلات وسمات المدرب المتميز، وهذا أمر سهل ومهم للغاية. ويكفي قراءة السير الذاتية للمدربين المتميزين فلسطينياً وعربياً، سنجد أنهم بدأوا حياتهم مهنيين أو أكاديميين، وتركوا بصمات واضحة وإنجازات عظيمة قبل أن يعملوا في مجال التدريب.

أخيراً؛
أصبح التدريب اليوم أشبه بسوقٍ سوداء، وهو يمر في حالة مأزومة لا يمكن السكوت عليها بالمطلق، والمسئولية بالطبع تقع على المدربين أفراد ومؤسسات، وعلى المؤسسات الحكومية التي تمنح التراخيص لبعض الأشخاص بعيداً عن معايير المهنية.
العدد الكبير من المدربين في قطاع غزة يستلزم من اتحاد المدربين أن يقوم بتشكيل "لجنة خبراء التدريب" بالتعاون مع الجهات الحكومية والمؤسسات الأكاديمية، من أجل إعادة تنظيم سوق التدريب حتى لو تطلب الأمر عقد اختبارات عملية للمدربين وتصنيفهم إلى مراتب معينة.

لاحقاً:
- المؤسسات التدريبية في غزة: بين الهدم والبناء.
- الدبلومات والاعتمادات الدولية في مجال التدريب: بين الحقيقة والوهم.

أحمد فايق دلول



مواضيع ذات صلة