المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.57
دينار اردني5.03
يورو3.997
جنيه مصري0.198
ريال سعودي0.952
درهم اماراتي0.972
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-10-02 06:58:30

غسان كنفاني وناجي العلي: الهرم والخيمة

في العام 1962 كان في مخيم عين الحلوة الفلسطيني الواقع في جنوب لبنان احتفال شعبي بمناسبة يوم فلسطين حضرته مجموعة من القيادات الفلسطينية في لبنان. وكان على رأسهم غسان كنفاني (1936ـ1972) الذي عُرف ككاتب قصة قصيرة في ذلك الوقت وكأحد محرري مجلة "الحرية" والمسؤول عن القسم الثقافي فيها. وكانت مجلة "الحرية" تنطق باسم "حركة القوميين العرب" بعد أن اشترتها الحركة في العام 1959 وأصدرتها بالتعاون مع "منظمة العمل الشيوعي" في لبنان. وعمل كنفاني في هذه المجلة منذ العام 1960 بعد عودته من الكويت، رغم أن سنّه كانت كسنّ ناجي العلي (…)
كان من ضمن فعاليات ذلك المهرجان الشعبي إقامة معرض متواضع بسيط في خيمة مهترئة لأحد المهاجرين الفلسطينيين لعرض رسومات الأطفال والصبية المعبرة عن النكبة والشتات والثأر. وكان من ضمن هذه الرسومات التي كانت تعبر أيضاً عن التصميم والكفاح المسلح، بعض اللوحات البدائية التي رسمها ناجي سليم حسين العلي، الذي عاد قبل سنوات من عمله كميكانيكي سيارات من السعودية في 1959 بعد أن حجّ مرتين، ووفّر له قرشين من عمل دام سنتين. ونوى بعدها أن يسافر إلى القاهرة أو إلى روما لدراسة فن الرسم هناك، إلا أن ظروفه المعيشية حالت دون ذهابه إلى الدرس، فعمل مدرس رسم للأطفال في المدرسة الشيعية الجعفرية في جنوب صور، لمدة ثلاث سنوات. وكانت حصيلة هذه السنوات هذه المجموعة من الرسومات المتواضعة التي تعبّر عن تجربة إنسانية مريرة وطويلة من التشرد والفقر والجوع. بدأت منذ العام 1948 عندما هاجر العلي إلى لبنان من قريته "الشجرة" التي تقع في جليل المسيح الفلسطيني الأعلى بين طبريا والناصرة، بعد أن اجتاحها وباء نجمة داود.
كان العلي في العاشرة من عمره عندما هاجر من فلسطين، ثم قسّم سنواته اللاحقة بين العمل في الحقول جامعاً للبرتقال والليمون والمندرين، وبين السجون ومراكز الحجز الاحترازي، وبين تعلّم ميكانيك السيارات والرسم بأخطاط السكين على جدران المخيم وعلى جلد طرقاته الترابية الطينية المعفرة، معبراً عما عرفه وجرّبه وشاهده وسمعه وأحاط به من حرائق الشجر وسرّ الحجر والظل والنور الذي بقي محفوراً طيلة هذه السنوات في محجر عينيه وغُسان قلبه.
زار كنفاني معرض الرسومات، وكان في استقباله العلي الذي كان مشرفاً على المعرض باعتباره أستاذاً لرسم الأطفال. وجال الكنفاني جولة قصيرة، وتحمس كثيراً لكل ما هو معروض، ووجد في هذه الرسومات التي تنادي معظمها بالثأر، أرضاً سوداء خصبة للحركة التي ينتمي إليها. وتوقف طويلاً أمام لوحة ملفتة متميزة، كانت تمثل خيمة على شكل هرم ترتفع من رأسه قبضة تطالب بالثأر والتصميم والنصر. وكان الثأر أحد الشعارات الرئيسية لـ"حركة القوميين العرب": وحدة، تحرر، ثأر، فابتهج الكنفاني، وسأل ناجياً عن صاحب هذه اللوحة، فقال له إنه هو صاحبها. فحيا كنفاني العلي بأن سلّم عليه، وشدّ على يده، وأثنى عليه، وأبدى حماساً شديداً للوحة، وهو يبتسم ابتسامة الرضا والابتهاج. وأحب أن يتحاور معه فسأله:
ـ شو إللي خلاك ترسم الخيمة على شكل هرم.. يعني شو علاقة الخيمة بالهرم؟
فردّ العلي وهو يشير بيديه مستعيناً بهما على شرح ما سيقول:
ـ فيه علاقات مش بس علاقة واحدة. شوف يا سيدي.. أولاً إحنا الفلسطينيين منتميّز بالخيمة زي ما المصريين بيتميزوا بالهرم. يعني لما تقول خيمة بتقول فلسطين، ولما بتقول هرم بتقول مصر.. يعني هما خِتْمهم الهرم وإحنا خِتْمنا الخيمة.. مزبوط هيك؟
وهزّ كنفاني رأسه علامة القبول، وتابع العلي يقول:
ـ ثانياً، الهرم والخيمة مكان للسكنى إلهم وإلنا.. بس هُمه بيسكنوها في موت الحياة يعني علامة للخلود، وإحنا بنسكنها في حياة الموت يعني علامة الإصرار على العودة، وللخلود كمان، وحتى تظل قضيتنا حمرة متل الجمرة. ويوم ما إنضُبْ هالخيمة ونلفها، منضُبْ فلسطين وبنلفها كمان. صح هيك، ولا لأ؟
ـ هاي فلسفة كبيرة يا ناجي، منين جبتها؟
فردّ العلي وهو يهتز ابتهاجاً:
ـ والله من هالدنيا.. هالدنيا علّمتنا إشيا كثيرة. هوه قليل اللي شفناه واللي خبرناه؟ عليم الله يا زلمة اللي شفناه بيعلّم العالم كله، مش بس إحنا!
وكان كنفاني يضع ذقنه الدقيقة في راحته اليمنى، ويغطي فمه بباقي يده، وينصت بانتباه، وقد وقف وقفة نخلة مائلة، ووقف أمامه العلي مقوّس الظهر، والتفّ حولهما رجال وبنات وأطفال من المخيم ومجموعة من المشاركين برسوماتهم ذوي سحنات محفورة بعذاب الشتات.
وتابع العلي كلامه بثقة:
ـ ثالثاً: العلاقة بين الهرم والمخيم، يعني ختمنا وختمهم، جاية من إنو مفيش تحرير لفلسطين بدون مصر، يعني بصراحة.. لا نصر من دون مصر!
فرد عليه كنفاني بابتهاج شديد وفرح غامر، وقد مال بجسمه أكثر ناحية العلي، وكأنه يود أن يهمس في أذنه:
ـ وبشوفك سياسي كمان؟
ـ ما قلنالك يا زلمة، هالدنيا علمتنا كل إشي. عليم الله هاذا المخيم لحاله فيه عِلْم أكثر من الجامعة الأمريكية اللي بيحكوا عنها ببيروت!
وضحكوا جميعاً، ثم تابع العلي يقول مبتهجاً وبحماس بالغ:
ـ بعدين يا أستاذ، العلاقة بين الخيمة والهرم إنهم مش ممكن يكونوا إلا في الخلا.. وواضحين تحت السما مباشرة، متل الشجر. هلاّ قول لي، في حدا بيبني خيمة جوّه بيت، ولا هرم جوه بيت، ولا بيزرع شجرة تحت سقيفة؟
وردّ كنفاني بحبور غامر:
ـ وبعدين معاك… إنت ما خليت إلنا إشي نقوله، على مهلك يا زلمة، خلينا نحكي شوي!
وردّ العلي باسماً وعيناه تلتمعان بوهج الحقيقة:
ـ واحدة وبس.. ما إنت إللي سألت يا عمي، وبدنا نجاوبك ع المزبوط!
وصمت برهة، وأخذ نفساً وقال بحزم:
ـ العلاقة الأخيرة، هي العلاقة بين حجر الهرم وقماش الخيمة!
ولم يفهم كنفاني قصد العلي، فسأله باستحياء وبصوت خافت:
ـ شو يعني.. مش فاهم؟
فرد العلي بثقة، وكأنه يختم على وثيقة أمامه:
ـ ما بيرجّع فلسطين غير هالحجر!
وصَفَق قبضة يده اليمنى ببطن راحته اليسرى علامة الختم، وانحنى، والتقط حجراً من أرض الخيمة، وقال بجدّ وهو يشدّ عضلات وجهه، ويقطب جبينه:
ـ وما بيطلع هالحجر إلا من هالخيمة.. لا من قصور ولا من علالي، وسلامة تسلمك!
وصفّق له كل من سمعه وكان حوله، وهتفوا بحياة فلسطين والحجر.
وتعانق كنفاني والعلي، وتبادلا الأنفاس، وبديا من الخلف وكأنهما ظهر واحد وكتف واحد.
من "أكَلَه الذئب: السيرة الفنية للرسام ناجي العلي"، 1999.

الليبرالي الجديد

في السنوات الأخيرة من حياته، وليس في العقود الأولى كما يتوجب القول، استحقّ الناقد والباحث الأردني (1940ـ2014) صفة "الليبرالي الجديد"؛ التي لم تكن نادرة في صفوف الليبراليين العرب عموماً، فحسب، بل نُظر إليها بمنظار الاستهجان والنفور والرفض أيضاً. ولم يكن النابلسي متردداً في تحمّل مسؤوليات هذه الصفة، فأضافت آراؤه (حول الإسلام السياسي، والعلمانية المتشددة، والحماس لـ"النظام الدولي الجديد"، وموقع أمريكا في تاريخ الإنسانية بعد تفكيك المعسكر الاشتراكي…) المزيد من مناخات التشكيك في خياراته الفكرية والسياسية.
لكنّ النابلسي كان ناقداً أيضاً، وموسوعياً مستفيضاً في هذا المجال، كما يشهد على ذلك كتابه الضخم "مجنون التراب: دراسة في شعر محمود درويش"، الذي يقع في 704 صفحات. وبين أعماله النقدية الأخرى نجد: "فضّ ذاكرة امرأة: غادة السمان"، "قامات النخيل: دراسة في شعر سعدي يوسف" "فدوى تشتبك مع الشعر: دراسة في شعر فدوى طوقان"، "رغيف النار والحنطة: دراسة في الشعر العربي الحديث"، "الضوء واللعبة: دراسة في شعر نزار قباني"، "نبت الصمت: دراسة في الشعر السعودي الحديث"، "مذهب للسيف ومذهب للحب: دراسة في أدب نجيب محفوظ"، "مدار الصحراء: دراسة في أدب عبد الرحمن منيف"، "مباهج الحرية في الرواية العربية: دراسة لعشرة روائيين عرب"، "جماليات المكان في الرواية: دراسة في أدب غالب هلسا"، "النهايات المفتوحة: دراسة في أدب أنطوان تشيكوف"، "الأغاني في المغاني: السيرة الفنية للشيخ إمام عيسى". وبين أعماله الفكرية والسياسية، وفي علم الاجتماع أيضاً، يُشار إلى: "الزمن المالح: أوراق في جدلية السياسة والثقافة العربية"، "عصر التكايا والرعايا: المشهد الثقافي في بلاد الشام في العهد العثماني"، "الرجم بالكلمات: دراسة لمجموعة من المفكرين العرب"، "ثورة التراث: دراسة في فكر خالد محمد خالد"، "تهافت الأصولية"، "العرب بين الليبرالية والأصولية الدينية"، "الليبرالية السعودية بين الوهم والحقيقة"، "الحداثة والليبرالية.. معاً على الطريق"، "الإسلام وجراب الحاوي"، "النظام العربي الجديد: أوراق في الربيع العربي"، و"بالعربي الفصيح، محاولات صريحة لفهم ما لم يفهم".

شاكر النابلسي



مواضيع ذات صلة