المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.535
دينار اردني4.991
يورو3.956
جنيه مصري0.196
ريال سعودي0.943
درهم اماراتي0.963
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-10-09 03:31:58

"قلنديا الدولي ٣" النكبة من البكاء إلى البناء

ولِد مشروع قلنديا الدولي(**) في العام ٢٠١٢، عندما وصل عدد من المؤسسات الثقافية في فلسطين إلى اقتناع بأهمية العملِ المشترك والتعاون، وبضرورة التكامل في ما بينها، لخلق تكتل له ثقل وَوَقع وتأثير، وصوت وصدى واسع. وبالطبع جاء ذلك بعدما أدركنا أن تأثير العمل الفردي يظل محدوداً، خصوصاً في ظل وطن مفتت، وظروف تمويل آخذة بالاضمحلال في شكل متسارع.

كانت الحاجة ماسّة لأن نلتقي كمؤسسات ونبذل جهدنا للاستفادة من المصادر المتوافرة، المادية منها وهي شحيحة، والبشرية وهي ثرية. فجاء قلنديا الدولي ليجمع الموارد ويحشد الطاقات والإمكانات في وجه التحديات.

وها هو هذا التآلف - الائتلاف يزداد تأثيراً في كل نسخة، بانضمام مزيد من المؤسسات الثقافية المهمة. وضمن الإمكانات المحدودة والرؤية الطموحة التي تقف وراءه، استطاع قلنديا الدولي للمرة الأولى أن يبني جسوراً بين فلسطين والشتات، في خطوة تشكل سابقة فلسطينية يحتذى بها. كان لا بد لنا في النسخة الثالثة أن نتعمق في موضوع العودة الشائك الذي نعيش أسئلته يومياً، والذي تحول إلى موضوع للخطابة ترتفع حدتها فقط في ١٥ أيار (مايو) من كل عام لتخبو في بقية العام. وتأتي هنا مهمتنا كمؤسسات ثقافية للارتقاء بالحوار حول سؤال العودة من خلال طرحه كفكر وكفعل نقيض لموضوع النكبة، هذه النقطة المحورية الأليمة في تاريخنا.

ولكن التحدي الأكبر هو كيف نفعل ذلك على أرض الواقع المجزأة والتي تقطع أوصالها حدود ومعابر كثيرة والسياسات العنصرية التي تحاصر الناسَ بالاستيطان، وبجدار يمتد مئات الكيلومترات، وتدفعهم إلى مناطق معزولة، كل ذلك بهدف تفريغ الأرض من سكانها، وتفريق العائلات، وتفتيت النسيج الاجتماعي، وتهجير الأجيال الشابة، ودفعنا جميعاً إلى فقدان الأمل في المستقبل، ناهيك بكوننا كشعب فلسطيني منثورين ومبعثرين في المنافي والمهاجر وفي أصقاع الأرض.

ففي ظل واقع صعب كهذا، يصبح العمل على نقيض هذا الواقع ضرورياً، لا بل واجباً. وتصبح مهمتنا التجميع والتشبيك والشراكة والتكامل، وهو نهج تفكير عابر للجمود السياسي، ومخترق للأفق الضيق وشبه المسدود الذي يطرحه البعض. إنه نهج يقوم على الانفتاح على العالم والتفاعل معه.

ففكرة العودة لا تقتصر على العودة إلى ما قبل النكبة، وإنما عبر سلوك الطريق المؤدي إلى رأب ذلك الصدع في تاريخنا الجمعي وتواريخنا الشخصية، وربما تكمن بداية الطريق في العودة إلى حمل شعلة الأمل الأولى، بما كانت تعنيه وتمثله من قيم ومبادئ تجلت ذات مرة لدينا، ولا سيما في ستينات القرن العشرين وسبعيناته، كحركة تحرر فلسطينية.

"هذا البحر لي"

مَن أفضل من محمود درويش لنستعير من أشعاره للتعبير عن طموحاتنا الجمعية والإنسانية؟ ذلك الشاعر المبدع الذي ربط قضيتنا بقضايا الشعوب المضطهدة في العالم، والذي أنسن القضية الفلسطينية، وحوّلها الى قضية كونية تهم كل من ينتصر للحرية والعدالة.

وفي قلنديا الدولي، وفي سياق طرحنا قضايانا، لم تغب للحظة عن أذهاننا المآسي التي تحدث من حولنا، وخصوصاً في سورية. كيف تحول البحر الأبيض المتوسط، الذي نقف على أعتابه، إلى مقبرة للهاربين من الحرب إليه. لا تزال تتردد في أذهاننا الإحصاءات والأرقام المؤلمة لأعداد الضحايا الذين يموتون غرقاً خلال محاولة اجتياز هذا البحر الذي ركبه الآلاف من الفلسطينيين أيضاً عام 48 هاربين إلى منافيهم ومهاجرهم في محاولة للنجاة بأرواحهم من آلة القتل والاحتلال.

ولن تفارق أذهاننا صورة إيلان، ذلك الطفل الغريق الذي قذفته الأمواج على شاطئ في تركيا، وغيره ممن ابتلعهم البحر وكانوا يحلمون بالرسو على بر من الأمان ليبدأ حلمهم بالعودة إلى أوطانهم.

لكن البحر، هذا الرائع الجميل والمخيف، يظل حمّال كثير من الأوجه والدلالات، فجزء كبير من الفلسطينيين القاطنين في الضفة لا يستطيع الوصول إليه أو رؤيته، ويتوق لمشاهدته. فهناك جيل كامل لا يعرف البحر، ولم تتح له الفرصة لنسج علاقة معه. ومن هنا أردنا الرجوع لهذا المكوّن الجوهري لوطننا، لنمنح مفهوم العودة منظوراً مختلفاً، مستعيرين تلك العبارة الشعرية التي يصدح بها الشاعر الكبير في نهاية جداريته الخالدة، "هذا البحر لي"، لتجد تلك العبارة صداها فينا جميعاً.

علمنا الفنانون والمفكرون والمبدعون، أن ننظر إلى الأمور من زوايا متعدّدة، وأن نفككها ونعيد قراءتها وتركيبها بطرق ووسائط غير مألوفة. والحاجة إلى تفكيك مفهوم العودة وإعادة بنائه بمنظور مستقبلي تكمن في صلب التجربة التي نخوضها الآن. لا نحتاج اليوم أن نعود إلى الماضي، وانما أن نحث الخطى إلى المستقبل.

ستبدأ عودتنا حين ندرك أن علينا التوقف عن اعتبار النكبة مشروع بكاء وهزيمة، بل مشروع فعل وبناء، وشراكة وتشبيك ووحدة وتمكين، يستند إلى رؤية واضحة حول مفهومنا للحرية والاستقلال وللوطن الذي نصبو إليه، والذي يتسع لنا جميعاً. حينها من شأن حلمنا بالعودة أن يتحول إلى حقيقة.

آمل أن يكون قلنديا الدولي فرصة للتأمل والتَفَكر في شأن عودتنا، وأن يكون خطوة أولى نحو تحقيق عودة فعلية، ورفد الفضاء العام بنقاشات ورؤى وأمثلة تقودنا إلى مرحلة جديدة نحو بناء الوطن.

جاك برسكيان 

* مدير مؤسسة المعمل وعضو مؤسس لقلنديا الدولي

** قلنديا الدولي هو محفل للفنون البصرية المعاصرة، ينظَّم كل عامين في فلسطين التاريخية والشتات. انطلق في ٥ الجاري ويستمر إلى ٣١ منه.



مواضيع ذات صلة