2017-12-11الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.509
دينار اردني4.96
يورو4.081
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.936
درهم اماراتي0.956
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-10-22 05:16:40

اليونسكو والأقصى ورماد الضمير الكوني

هل تأبه الدولة العبرية بموقف أية منظمة دولية تعارض توجهاتها الدموية؟ فيض التساؤلات عن تلك الدولة ستظل امتداداته مؤرقة للضمير الكوني الذي يطرح على ذاته مغالطات كبرى لم تكن محل قناعات ذاتية قدر ما كانت اندماجات زائفة لترضية الكيان العبري، لكن ذلك لم يكن حائلاً دون اختراق منظمة اليونسكو آفاق الصمت المهيب. فلقد انطلقت صيحاتها المدوّية في وجه الدولة العبرية وطوَّقت مجدداً تلك الأضاليل والخزعبلات التي دأبت الدولة المزعومة على ترويجها مستندة إلى منطق سياسي له مفردات متحفية، أولها أن الأكاذيب التي نرددها عشر مرات تظل مستقرة في العقل والوجدان كأكاذيب لكن حين نرددها ألف مرة تنقلب إلى حقيقة، وهي استراتيجية ترتكز على درجة عليا من الاستخفاف الذي يستحيل معه أن تنطلي على كيانات المجتمع الدولي المعاصر الذي بات يستقصي في لحظاته الشداد جذور الحقائق وأصول النظريات وتوثيق المعلومات، تفرقة بين كل غث وسمين ومستحدث ومتقادم. ولقد انبرت اليونسكو وتحت وطأة تبعاتها الثقال ووطأة الظرف الزمني لتبني مشروعي قرارين من فلسطين والأردن ارتبط مضمونهما بنفي أي علاقة تاريخية بين اليهود والأماكن المقدسة في القدس، ولا سيما الأقصى.

ولعل الهدف الأساسي لاستصدار هذين القرارين الحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني وطابعه المتميز، وكذلك مطالبة إسرائيل كقوة محتلة بعودة الوضع التاريخي إلى ما كان عليه قبل نحو 15 عاماً، إذ كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية السلطة الوحيدة المشرفة على شؤون الأقصى، وكذلك مطالبتهم بوقف الانتهاكات المتوالية. وتضمن ذلك بنداً خاصاً يتعلق بالحرم القدسي مكاناً للمسلمين فقط، إلى جانب سرد للأسماء العربية الإسلامية للأقصى والحرم الشريف وساحة البراق.

وانطلاقاً من ذلك، وفي إطار توجهاتها الرافضة لسياسات الاحتلال الإسرائيلية بحق التراث والمؤسسات التربوية، أعلنت اليونسكو الاعتراف الكامل بالوضع التاريخي والديني والثقافي الحقيقي والطبيعي في مدينة القدس العربية باعتبارها عاصمة لفلسطين، تأسيساً على شيوع رسالتها الإنسانية والثقافية والسياسية التي دفعتها أخيراً إلى إرسال لجنة لتقصي الحقائق حول مساس إسرائيل بالمقدسات الإسلامية. وفي المقابل فرضت إسرائيل إجراءات أمنية مشددة في محيط الأقصى، وبالطبع لم يحظ ذلك من جانب الدولة العبرية إلا بإيقاف المشاركات والنشاطات كافة، ورفض أي تعاون "مع منظمة تدعم الإرهاب وتزعم أنها ممثلة للضمير العالمي في حماية التراث الثقافي والإنساني". وأي غرابة في أن يكون ذلك هو موقف الدولة العبرية ليس من اليونسكو تحديداً وإنما من أي مؤسسة أو منظمة أو نظام سياسي أو شعب؟ ولعلنا لا ننسى ملحمة الافتراءات التي ألصقوها بروجيه غارودي حين فنَّد الأساطير التي تطلق عنان السياسة الإسرائيلية، وأية اتهامات نالها الأديب الألماني غونتر غراس حين ندَّد بهذا الكيان ودان السكوت الغربي على جرائمه وفضح مخططاته؟ لكن الغرابة الحقيقية إنما تتجلى في موقف اليونسكو التي تقوم فعالياتها على تشكيل لجنة تقصي حقائق، وكأن تاريخ الاعتداءات على المقدسات والأرض والشعب والتاريخ طيلة خمسة عقود لم يكن كافياً أو كان مجهولاً للرأي العام العالمي، فأرادت التحقق من حدوثه.

لكن كل ذلك لم يجد شيئاً مع دولة ترفض فكرة الحدود الجغرافية وتعتبر حدودها مرهونة بوجود أقدام الجندي الإسرائيلي، وأن أبسط المقولات التحريضية لجابوتنسكي كان محتواها أنه ليس هناك من خيار سوى أن نكنس الروح الإسلامية من أرض إسرائيل، وهي تعد الميثاق السياسي والإستراتيجي الأمثل للدولة العبرية المعاصرة. عموماً، يظل الضمير الكوني الغائب عن قضايا الحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة، وكذلك التراجع العربي المتوالي، أبرز وأهم الصكوك السياسية لدخول دوائر الخطر الأكبر المهدد بالانفلات من أي محاولة لتطبيقه وتحجيمه مهما يكن، بل حتى لو أتت من جانب ذلك الغرب الذي حاكَها.

محمد حسين أبو العلا

* كاتب مصري



مواضيع ذات صلة