المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.614
دينار اردني5.119
يورو4.256
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.964
درهم اماراتي0.984
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2016-11-06 04:41:34

"يونيسكو" وإسرائيل والفضيحة... أي: نحن!

قرار الأونيسكو الأخير في شأن المسجد الأقصى إيجابي بالتأكيد، وثمين في سياق معركة الدفاع عن الحق الفلسطيني. وهذا تقدير من المهم تثبيته، بغض النظر عن القصور اللاحق اليوم بتعريف هذا الحق وتحديد مفرداته، كما بالتشويهات والانقطاعات التي تعتريه. فهو جزء من عناصر نسج "الرواية" حول المسألة الفلسطينية، التي تصوغ الخيال والمشاعر والمحفزات والقناعات. وكمثال، فالرواية الصهيونية عن اليهودية كشعب وعن إسرائيل كوطن لهذا الشعب كانت أساسية في تحقيق الهدف، وفي حمل مئات ألوف البشر على السعي اليه والدفاع عنه. ووجود الرواية ليس شرطاً كافياً ولكنه ضروري، تضافر هنا مع "لحظة" (بالمعنى التاريخي) مناسبة.

والرواية نفسها لم تولد مكتملة ولا كانت في أي وقت ثابتة بلا إضافات أو تعديلات. هذا فيما الحق الفلسطيني وبكل التعريفات، سواء منها تلك التي تتوسل محاجّة التحرر الوطني الإنساني أو تلك الأخرى المرتكزة الى تبريرات دينية الخ... هذا الحق ينتمي برسوخ الى الواقع. لكن وبما أنه كذلك، يفترض أن روايته مؤكدة وبديهية ولا حاجة لتعزيزها، لولا أنها واحدة من أبرز استهدافات الرواية الصهيونية التي تشتغل على نفيها وإنكارها. وبهذا المعنى، وعلى هذا الصعيد، الأساسي والجوهري، هناك تنابذ تناحري بين الروايتين بدأ مع خرافة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وهذا ما يغلف إسرائيل بـ "خصوصيتها" المعقدة التي تتجاوز كونها مجرد معطى استعماري.

هذا الكلام يقال بمناسبة ردود الفعل العربية على قرار الأونيسكو ذاك. وأولها الاستهزاء بالمؤسسة الدولية على اعتبار أنها لا تملك ما تقدمه غير "الثرثرة". وتصل العدمية المتحكمة بالعقل العربي (كما هو سائد اليوم)، إلى اعتبار أن الأونيسكو نفسها "لا تقدم ولا تؤخر"... ربما على أساس أن لا جيوش لها ولا قدرات جبْرية، وأن القرار المنتزع "مثل بعضه" و"فيه وبلاه" الخ...

والقرار كذلك مناسبة لتعود التآمرية (المتحكمة هي الأخرى بالعقل العربي كما هو سائد اليوم) إلى الظهور بأبهى حللها، فتعتبر أن ما أقدمت عليه الأونيسكو إنما كان خطة مدبرة كي يتاح لإسرائيل الرد بوضع حجر الأساس لمشروع "وجه القدس" منذ أيام على المدخل الغربي للمدينة. وهو مجمع هائل من المباني والحدائق، يسمونه أحياناً "البوابة الجديدة للقدس"، فهو يستقبل الوافدين من جهة تل أبيب. ويقوم المشروع على مساحة 211 دونماً، ويضم 24 برجاً وأكبر محطة مواصلات في البلاد لمختلف أنواع القطارات، وفنادق ومراكز تجارية وترفيهية وثقافية... بتكلفة إجمالية تصل الى 2.5 بليون دولار، وبمشاركة ألمانية!

أما أن "وجه القدس" جزء من "مشروع القدس الكبرى"، وأنه لم يولد البارحة ولم يكن حتى "في الدرج بانتظار الحجة"، فوقائع لا تعني المستنكرين المشكِّكين. بل هم يزيدون أنه منذ اتخذ قرار الأونيسكو ("المشؤوم"، كما يضيفون أحياناً!) جرى كذا وكيت، مسترسلين في تعداد الاعتداءات التي تحصل كل يوم مذاك كبرهان على المؤامرة، متناسين أنها كانت هي وشبيهاتها تقع قبل قرار الأونيسكو، وبغض النظر عنه وعن سواه! كما يتناسون ما صرح به وزير المواصلات يسرائيل كاتس، في تموز (يوليو) الفائت، بخصوص الشروع بضم أربع مستوطنات كبرى محيطة بالقدس إليها على مستوى القوانين التي تطبق عليها، وهي واقعة من جهة شرق القدس وشمالها وجنوبها، أي في الضفة الغربية، كمعاليه أدوميم (وهذه يريدونها "البوابة الشرقية" للقدس باتجاه أريحا والأردن... وما بعده!) وغوش إتزيون. ولرئيس البلدية الإسرائيلية في القدس، نير بركات، مشاريع أعيد انتخابه على أساسها، ويمكن وسمها بجنون العظمة، بغاية أن تتحول القدس الى منافس عصري لتل أبيب، عوضاً عن "تقسيم العمل" القائم حالياً بين المدينتين، والذي يجعل الأولى مدينة للتاريخ وللعبادة ويمنحها طابعها الهادئ والمحافظ (حيث المتدينون اليهود هم ملوك المكان)، فيما يسم "المجون" والصخب الثانية.

ومقابل ردود الفعل هذه، الكاشفة لسمات من العقلية العربية (كما هي سائدة اليوم) يمكن مصادفتها في كل مناسبة وبخصوص كل شيء، تظهر ردود أفعال أخرى طبعت التغطيات الصحافية والتحليلية العربية وتصريحات المسؤولين، وأحياناً حتى بعض مداخلات لمناضلين من أجل فلسطين، تقوم على الاحتفال بـ "النصر" المتمثل بقرار الأونيسكو، وتعتبره ثبّت أن المسجد الأقصى والحرم الشريف تراث إسلامي خالص، ولا علاقة لليهود به... في وقت لم يقل القرار هذا أبداً! بل هو ابتدأ بالإقرار بأن المدينة القديمة وكل ما تحتويه جدرانها مكان مهم للديانات السماوية الثلاث، كما هي جزء من "التراث العالمي للإنسانية" وفق قرار سابق للأونيسكو أثار أصلاً وفي وقت صدوره غضب إسرائيل الشديد. كما دان القرار الجديد، والذي يشبه حرفياً قراراً سابقاً عليه اتخذ في نيسان (أبريل) الفائت، الممارسات التي ترتكبها إسرائيل، "الجهة المحتلة" (وهو التعريف المعتمد في القانون الدولي ولدى الأمم المتحدة)، وعلى رأسها عرقلة ممارسة المسلمين عبادتهم في المسجد الأقصى، وتغيير بعض ملامحه وإلحاق الأضرار بأخرى، و "بالأخص عند الحائط الغربي" ("تل باب المغاربة")... مطالباً بالإبقاء على الوضع وفق التوافق الذي كان قائماً والذي يجعله تحت إشراف هيئة الأوقاف في الأردن ووصايتها. وهو ما كان حتى اندلاع الانتفاضة الثانية في 2000.

بعد صدور القرار، ولول الإسرائيليون بتهويل كاذب متعمَّد، معتبرين القرار أنكر صلة اليهود بالمكان، وشبهه نتانياهو بإنكار صلة الصينيين بسور الصين والمصريين بالأهرامات. واستنكروا جميعهم أن تستخدم الأونيسكو التسميات العربية ولا تقول "جبل الهيكل". وكان ذلك تجديداً لتكتيك إسرائيلي مستمر بثبات، يقوم على إزاحة الموضوع: بتجاهل أجزاء منه، وتغيير معنى أجزاء أخرى، ثم الدخول في محاجّة مع هذه المعطيات الجديدة المزورة، وبالطبع، ودوماً، استخدام تهمة "معاداة السامية". وهذا بينما تقول الوقائع إن عدد المستوطنين في محيط الأقصى نفسه قد زاد بنسبة 70 في المئة منذ 2009.

والمرعب أن يتبع الآخرون الكذبة: الصحافة العالمية (وهي غالباً محابية لإسرائيل "المتحضرة" وتثق بها)، و... "نحن". وهو ما يكشف عن سمة أخرى لتلك العقلية (إضافة إلى الكسل)، تفترض إمكان تحقق إنجازات كبرى بضربة سحرية غامضة وسهلة... ما لا يبتعد كثيراً عن طبيعة السمات السالفة، إذ توحدها الخرافة!

 نهلة الشهال



مواضيع ذات صلة