المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.535
دينار اردني4.991
يورو3.956
جنيه مصري0.196
ريال سعودي0.943
درهم اماراتي0.963
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-02-19 06:01:06

في وداع حلّ الدولتين

عندما ذهبت القيادة الفلسطينية نحو خيار التسوية (1974)، وفق البرنامج المرحلي الذي يتضمن إقامة دولة في الضفة والقطاع المحتلين (1967)، أي على 22 في المئة من مساحة فلسطين، مع حق العودة وتقرير المصير، كانت تظنّ أنها بذلك قدمت ما عليها من أجل تسوية تاريخية، تنهي الصراع العربي- الإسرائيلي.

بديهي أن هذا الخيار لم يأت من فراغ وإنما في إطار مراهنة على التغيرات التي أحدثتها آنذاك حرب أكتوبر (1973) في إسرائيل، وحال التضامن العربي، والتوافق السوفياتي- الأميركي. إلا أن كل هذه المراهنات ثبت عقمها، كما بينت التجربة.

بيد أن التغيّر الحقيقي، في الأوضاع السياسية الدولية والإقليمية، الذي شجّع القيادة الفلسطينية على الذهاب نحو اتفاق أوسلو (1993)، حصل مطلع التسعينات، بانهيار الاتحاد السوفياتي، وحرب الخليج الثانية (1991)، وهيمنة الولايات المتحدة على النظامين الدولي والإقليمي. والمعنى أن الاتفاق المذكور جاء نتاج مراهنة، متسرّعة وساذجة وخاطئة، مفادها أن الولايات المتحدة باتت معنية بإيجاد حل للقضية الفلسطينية، على ضوء المواقف التي انتهجتها إدارتا بوش الأب وكلينتون، وأن النظام العربي بات في وضع يؤهّله لفرض هذا الحل، وأن النظامين الدولي والإقليمي باتا في حاجة الى حل القضية الفلسطينية، لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن إسرائيل باتت مؤهلة لذلك، على أساس القرارات الدولية، أو وفق معادلة "الأرض مقابل السلام".

لكن هذه المراهنة لم تكن موفقة أيضاً، مع الأسف، إذ نجحت إسرائيل باستيعاب الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحويلها إلى مجرد سلطة، في جزء من الأرض (41 في المئة من مساحة الضفة) على جزء من الشعب، مع جزء من سيادة، فيما بقيت تهيمن على كامل الضفة الغربية، بعدما تخلصت من عبء السيطرة المباشرة على الفلسطينيين، خصوصاً المليوني فلسطيني في قطاع غزة الذي اخضعته لحصار مشدد، كما استطاعت إظهار نفسها كدولة غير محتلة، بوجود سلطة فلسطينية، تفاوضها على أراض "متنازع" عليها.

بالمحصلة فإن المراهنة على إسرائيل والولايات المتحدة والوضع العربي كانت ساذجة جداً، وتفتقر للمسؤولية، والأهم أن القيادة الفلسطينية لم تقم ولا مرة بمراجعة رهانها هذا، بل كانت تصر دائماً على الاستمرار فيه، على رغم تأكدها أنه مجرد وهم. إذ ظلت إسرائيل، بحكوماتها المتعاقبة والمختلفة، سواء العمل أو ليكود أو كاديما، تتملص من الاستحقاقات المطلوبة منها في اتفاق أوسلو، على رغم أنه اتفاق مجحف وناقص، بالنسبة الى حقوق الفلسطينيين. وفي المقابل ظلت تعمل كل ما بوسعها لتعزيز الاستيطان في الضفة، والذي تزايد حوالى خمسة أضعاف، من 180 ألف مستوطن إلى حوالى 700 ألف، معظمهم في منطقة القدس، فضلاً عن تكريسها هيمنتها على الفلسطينيين، وإن في شكل غير مباشر، بالوسائل الإدارية والاقتصادية والأمنية.

أما الإدارات الأميركية، من كلينتون إلى بوش الابن وصولاً إلى أوباما، فلم تقم بما ينبغي عليها القيام به للضغط على إسرائيل لدفعها نحو الالتزام باتفاق أوسلو، أو بوقف جزئي وموقت للأنشطة الاستيطانية، بل ظلت تقدم لها الدعم، السياسي والمادي والعسكري، والتأكيد على ضمانها لأمنها وتفوقها النوعي.

إلى ذلك، فإن السياسة التي يعتمدها الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، وإن بمصطلحات مباشرة، وفجّة، كما حصل بخصوص اعتزامه نقل السفارة الأميركية إلى القدس وإضفائه شرعية على المستوطنات ولا مبالاته بعملية التسوية، هي التعبير الحقيقي عن السياسات الأميركية إزاء إسرائيل وقضية الفلسطينيين.

المؤسف له، وباستثناء الانتفاضة الثانية، التي تُركت للمزاجية والعفوية والتخبط في الشعارات وأشكال العمل والعمليات التفجيرية، والتي تبين بالتجربة أن آثارها السلبية أكثر بكثير من الإيجابية، أن القيادة الفلسطينية لم تفعل شيئاً، على صعيد وقف مراهناتها الخاطئة، أو البحث عن خيارات بديلة أو موازية. بل إنها لم تفعل شيئاً حتى على صعيد بناء الكيان الفلسطيني على قواعد مؤسسية وتمثيلية ووطنية سليمة، ولا على صعيد تعزيز صدقية السلطة في إدارتها لأحوال شعبها، بل انها اشتغلت على تهميش منظمة التحرير، ومفاقمة ترهل الفصائل الفلسطينية، والتفريط بورقة اللاجئين، في معادلات الصراع ضد إسرائيل.

وبالمحصلة، فهذه القيادة بتحويلها الحركة الوطنية الى سلطة، على حساب كونها حركة تحرر وطني ضد الاستعمار والعنصرية الصهيونية، لم تهيئ شعبها لمواجهة التحديات الإسرائيلية، بل قيّدت قدرة الفلسطينيين على الكفاح بوسائلهم الخاصة، كما حصل في الانتفاضة الأولى (1987-1993) مثلاً، وفوق ذلك ساهمت في التشويش على مفهوم الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، باختزالهم بفلسطينيي أراضي السلطة (في الضفة والقطاع)، وباعتبارها قضية الفلسطينيين مجرد أراض محتلة عام 1967، بما يقارب التماهي مع الرواية الإسرائيلية، وبما ينطوي على تفريط بقضية اللاجئين.

فالقيادة الفلسطينية التي باتت تهدّد اليوم بالعودة إلى خيار الدولة الواحدة الديموقراطية، كرد على تخلي إسرائيل والإدارة الأميركية عن خيار الدولة الفلسطينية، على سبيل الابتزاز، وعن غير قناعة، ترتكب خطأ فادحاً مرة ثانية، لأنها لا تدرك أنه سبق لها أن فرّطت بكل أوراق قوتها، وأنها أضحت في غاية الضعف والترهل وفقدان الصدقية.

فقد كان الأولى بالقيادة الفلسطينية أن تقوم بمراجعة نقدية مسؤولة تقطع مع السياسات والمراهنات والتوهّمات التي انتهجتها طوال الفترة الماضية، وأن تحسم أمورها بخصوص التركيز على إعادة بناء الكيانات السياسية (المنظمة والسلطة والفصائل)، لأن عملية البناء هذه جزء من العملية الوطنية الفلسطينية، بغض النظر عما إذا كان عنوان هذه العملية دولة واحدة، أو دولتين، أو اتحاداً كونفيديرالياً، أو أي شيء آخر، تسمح به الظروف والمعطيات الدولية والإقليمية الراهنة. هذا مع التأكيد أن أي خيار يفترض أن يؤدي في النهاية إلى حل دولة واحدة، دولة مواطنين متساوين، في الحقوق الفردية والجمعية، بما يجيب عن التساؤلات التي يطرحها الواقعان الفلسطيني والإسرائيلي، بدلاً من استمراء الواقع الراهن، أو مجرد التهديد، بواقع تقوم فيه إسرائيل بتكريس احتلالها وهيمنتها على الفلسطينيين بالأفعال لا بالأقوال فقط، في ظل سلطتهم الواهية التي لا تفعل، أو لم يبق لديها شيء تفعله، إزاء ذلك..

ماجد كيالي 



مواضيع ذات صلة