2017-04-26 الأربعاء
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.636
دينار اردني 5.14
يورو 3.981
جنيه مصري 0.202
ريال سعودي 0.97
درهم اماراتي 0.99
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-03-02 05:01:38

مسرحية هزلية عربية شر البلية ما يضحك

إن جاز تشبيه ما يجري في عموم الوطن العربي حاليا، فهو "هزل سياسي" من العيار الثقيل. وإذا كانت "العبرة في الخواتيم" وهي مقولة شكسبيرية، فإن الحالة السياسية العربية الحالية جاءت نتيجة لمقدمات وأسباب أدّت إليها، وليست مرتبطة بالنظام الرسمي العربي فقط، بل بالجماهير العربية أيضا.
كمثل على ما أدّعي، منذ فترة بسيطة علمت متأكدا أن 17 فردا عربيا أنشأوا حزبا في دولة عربية ما، انتخبوا 6 أعضاء للمكتب السياسي إضافة إلى الأمين العام، استقال إثرها خمسة من المتبقين احتجاجا على عدم نزاهة الانتخابات، وبقي خمسة أعضاء في الحزب، يعملون تحت إمرة سبعة من القادة. أما لماذا التسمية بالمكتب السياسي والأمين العام، فهي عادة عربية انتقلت إلى وطننا من أحزاب كبرى كالحزب الشيوعي السوفييتي، الذي كان تعداده 20 مليون شخص، وله فقط مكتب سياسي من 11 فردا. في وطننا العربي، لم أر إحصائية رسمية لعدد أعضاء القيادات في المكاتب السياسية للأحزاب العربية، ولا عدد الأمناء العامين لها.
لكن من خلال عدد الأحزاب العربية، الذي يتجاوز الألفين، يتضح لنا عدد قياداتها في المكاتب السياسية، ففي العراق وحده 300 حزب سياسي، في تونس يفوق عدد الأحزاب 100 حزب. في لبنان 115 حزبا، في الأردن 50 حزبا. وعلى ذلك قس، أي أن المواطن العربي يغفو على عدد من آلاف أعضاء المكاتب السياسية، لأحزابه ويصحو في صباح اليوم التالي ليجدهم زادوا بالمئات، هذا مع العلم أن دولا عربية كثيرة لا تسمح بقيام أحزاب سياسية فيها.
السؤال هو، ماذا حقق هذا الكم الهائل من الأحزاب وقياداتها للجماهير العربية من المحيط إلى الخليج؟ رغم كل هذا العدد الهائل في أعضاء المكاتب السياسية فيها، فإن المشاريع الوطنية العربية في تراجع إلى الحضيض، وهرولةً إلى الهاوية . قلناها في مقالة سابقة على صفحات "القدس العربي" إنه في بلادنا لو أحصيتم نسبة المهتمين بالسياسة إلى نسبة المواطنين العرب، وهي نسبة غاية في البساطة نتيجة لعوامل كثيرة لا مجال لتعدادها، تتضح لكم الأرقام الحقيقية لأعضاء كل حزب.
الأهم، في بلادنا تجد بين كل قائد وقائد، قائداً، على الرغم من أننا لا نعرف من القادة، الذين أحرزوا النصر لشعوبهم سوى القلائل، في كوبا، فيديل وراؤول كاسترو وتشي جيفارا، في فيتنام هوتشي منه والجنرال جياب، في نيكاراغوا دانييل أورتيغا، واعذروني أن نسيت بعض الأسماء القليلة الأخرى.
عددوا بالله كم من القادة لدى الأحزاب العربية، البعض يعتقد أن القيادة تعني توجيه الآخرين لإنجاز مهمة معينة، بينما يعتقد البعض الآخر أنه يعني التحفيز الدائم للأعضاء. قد تختلف التعاريف، لكن القيادة هي توفير الرؤية والدافع للفريق ليستطيعوا العمل معاً نحو هدف واحد، ثم فهم مواهب كل فرد والقيام بتحفيز فعال لكل شخص لأن يبذل قصارى جهده في سبيل تحقيق هدف المجموعة.
من وجهة نظر دافني مالوري، فإن القيادة هي فن خدمة الآخرين، من خلال تزويدهم بالتدريب والأدوات فضلاً عن الوقت والطاقة والذكاء العاطفي، حتى يتمكنوا من تحقيق كامل إمكاناتهم، سواء شخصياً أو مهنياً. أما من وجهة نظر ألكسيس ديفيس فإن القائد هو الشخص الذي يعرف الخصوصيات والعموميات حول العمل، حتى يتمكن من التعاطف مع أتباعه، بالإضافة إلى كونه ذا تأثير إيجابي على من يقودهم.
في بلادنا العربية أيضا، عودة نحو الطائفية والمذهبية والإثنية، تجد مثقفين يحملون أعلى الشهادات العلمية، ولاؤهم للمرجع الديني الأعلى، يرددون أقواله وشعاراته، هدفهم الطائفة أو المذهب، ولو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية للبلد، حتى لو تمزق ووقع في حرب أهلية. في ليبيا، أصدر حاكم مدينة درنة العسكري، الذي يشغل منصب رئيس اركان جيش الجنرال حفتر، المسمى "الجيش الوطني" قرارا بمنع سفر النساء الليبيات دون سن الستين من غير محرم، وقد برر هذا القرار، بأنه جاء للحفاظ على "الأمن الوطني". في ليبيا الممزقة شرّ تمزيق، وغير القابلة للوحدة، ثلاث حكومات، أيضا، فإن ليبيا واليمن والعراق وسوريا مهددة بالتقسيم. كم كانت محزنة دموع الفنان اليمني عمار في مسابقة "أرب أيدول" الأخيرة، بكى تمزّق بلده، وهو الذي تحول اسمه من "اليمن السعيد" إلى "اليمن التعيس". كثير من الفلسطينيين والعرب استكثروا على غالبية شعبنا فرحه بفوز فلسطيني في البرنامج للمرة الثانية. الفلسطيني إنسان يحب ويكره ويفرح ويغضب، وهو يقاتل أيضا. نعم، في أوج الثورات الفلسطينية قديمها وحديثها، اشتهر الفن الفلسطيني أيضا، بالله عليكم ارحمونا من تنظيراتكم، لن تلهي الفلسطيني هذه الدولة أو تلك، ولا هذا البرنامج أو ذاك عن اتجاه بوصلته الوطنية. لوركا أعدمه الفاشيون وهو يلقي شعره. جيفارا كتب الشعر الغزلي والعاطفي، وإلا لماذا جاء تعبير الأدب المقاوم؟. لو لم نكن إنسانيين أولا لما كنّا مقاتلين ومدافعين عن ثورتنا ووطننا.
في العديد من بلداننا يجري تعذيب للمعتقلين في السجون. في أوطاننا تجد مثقفين وساسة يملؤهم الغرور، رغم أنه "في البدء كانت الكلمة"، بالتالي فهي مسؤولية، خاصة عندما تأتي من مثقفين، والأخيرون بدورهم في مجتمعاتنا ينقسمون إلى شرائح عديدة، منها المثقفون المغرورون. ولعل تعبير "الغرور" المقيت قديم في ظهوره، وتَجدّد بقوة في العقود الأخيرة مع الانهيار المتدرج في الأوضاع السياسية العربية، للارتباط الوثيق بين الثقافة والسياسة والفن.
في مرحلة المد القومي العربي، ارتقت الثقافة والفن العربي، ولأن المثقف جزء من مجتمعه، والمجتمع يعيش أجواء الدولة التسلطية والديكتاتورية الرسمية، ومع الانهيارات الرسمية العربية، فإن البنية الفوقية لها، جعلت من نفسها بديلاً للفرد وللمجتمع، وتحاول أن تنوب عنه في كل المسائل، الأمر، الذي أدى إلى زيادة تسلطية المثقفين التابعين لها.. المثقف المغرور يعيش حالته النرجسية الفردية المقيتة والشاذة، يصنع له وهمه دوائر عاجية، ربما تكون بروجا عالية أو قصورا.. لكنها تظل سرابا! فكما يذهب ظمآن الصحراء إلى بريقه ظانا أنه ماء.. فإن وصَلَه وجده شيئا آخر إلا الماء.
تجري سرقة الثروات العربية على أعين الجماهير العربية. العدوان الأمريكي على العراق كان من أجل نهب ثروته النفطية، لهذا لا يبدو صادقا تصريح وزير الدفاع الأمريكي، لدى زيارته الأخيرة إلى بغداد، عندما نفى أن يكون الوجود العسكري الأمريكي في العراق بهدف الاستيلاء على النفط، كوننا نعرف هدف أمريكا من عدوانها على بلد الحضارة والتاريخ، أمريكا لا تزال تفرض هيمنتها العسكرية والسياسية والنفطية على العراق، إن هذا التواجد كان من أساسه، لأجل خدمة المصالح الأمريكية وليس من أجل سواد عيون العراقيين.
نعم، لا يبدو أن أحداً يكترث لمشاهد التدمير الذاتي العربية. ولا أحد يحس بنيران الحزن عندما ثبت أن بعض العرب يدافع عن المشاريع الظلامية ويمجد الحماقة ويعشق الفوضى والإرهاب. أما الكيان الصهيوني وأعوانه فيفرحون بمشاهدة عمليات السبي والقتل والتهجير والتدمير العشوائي للمنظمات الإرهابية المتطرفة، ويشعرون بالسعادة وهم يرونها تستخدم كل أدوات قمعها البشعة، من أجل التحول إلى سلطة ارهابية متخلفة تهدد وجود أمتنا بكاملها. نسأل أين هي الآلاف من أحزابنا العربية، والآلاف المؤلفة من مكاتبها السياسية من عموم المشهد العربي؟

د. فايز رشيد

كاتب فلسطيني

 



مواضيع ذات صلة