2017-03-23 الخميس
المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.638
دينار اردني 5.145
يورو 3.93
جنيه مصري 0.202
ريال سعودي 0.97
درهم اماراتي 0.991
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-03-13 13:24:29

القوى الإقليمية وصراع السيطرة والهيمنة

أشار الدكتور الأمريكي جون ميرشايمر أستاذ العلوم السياسية والباحث في معهد بروكنجز في واشطن، في كتابه "مأساة القوى العظمى السياسية" إلى: استمرارية دورة العنف وعدم تحقق آمال السلام، لأن القوى العظمى التي تشكل النظام الدولي تخشى بعضها البعض وتتنافس على السلطة والهدف النهائي لها هو الحصول على موقف القوة المهيمنة لأنها هي الوسيلة الأفضل لضمان بقاء الأقوى. ويشير أيضاً أن هذا الوضع المأساوي لا مفر منه ما لم تتفق الدول التي تشكل النظام الدولي على تشكيل حكومة عالمية، وأن مثل هذا التحول يكاد يكون احتمال واقعي، ومع ذلك لا بد من الصراعات والحروب لكسب الميزات على نحو كبير ودائم في السياسة العالمية، واقترح لذلك نظرية الواقعية الهجومية التي تصف التفاعل بين القوى العظمى. وضع جون ميرشايمر خمسة فرضيات وهي، أن النظام الدولي فوضوي، أن القوى العظمى تمتلك بالأساس القدرات العسكرية الهجومية، أن الدول لا يمكن أن تكون على يقين كامل بنوايا الدول الأخرى، أن البقاء هو الهدف الأساسي للقوى العظمى، وأن القوى العظمى هي الجهات الفاعلة وهم يدركون جيداً طبيعة البيئة الخارجية من خلال اتباع التفكير الاستراتيجي حول كيفية البقاء على قيد الحياة. كما يشير إلى أن تحقيق القوى العظمى لميزة عسكرية واضحة مقابل منافسيه يؤدي بهذه القوى إلى الاستمرارية بالبحث عن المزيد من القوة حيث أن السعي وراء السلطة لا يتوقف إلا عند تحقيق الهيمنة، وذلك إيماناً منهم بأن أفضل وسيلة لضمان الأمن هو تحقيق الهيمنة وبالتالي القضاء على محاولات التحدي من قبل القوى العظمى الأخرى. ويشير إلى أن القوى العظمى غير متأكدة أحياناً عن نوايا الدول المعارضة والحلفاء في نفس الوقت. وتطرق أيضاً إلى القوى العظمى يتم تحديدها بناءً على قدراتها العسكرية النسبية وأن يكون لها أصول عسكرية كافية لطرح معركة شاملة ضد القوى الأخرى وهزيمتها وفرض الهيمنة، لكن يشير أيضاً إلى احتمال تحول الصراع إلى حرب استنزاف بين الدول والقوى الكبرى المتنافسة والمتصارعة من أجل السيطرة والهيمنة.

بناءً على ما سبق الإشارة إليه، يمكن توظيف تلك المعلومات التي تطرق إليها أستاذ العلوم السياسية جون ميرشايمر، على البيئة الإقليمية وما تمر به من متغيرات وتطورات متلاحقة وتنافس بين القوى الإقليمية الكبرى – إيران، تركيا، السعودية – سعياً إلى فرض السيطرة والهيمنة السياسية والاقتصادية على الإقليم، من خلال تكوين شبكة من التحالفات والتعاون الاستراتيجي مع القوى الدولية وارتفاع وتيرة سباق التسلح، باستغلال الظروف والأوضاع الأمنية والأزمات التي يشهدها الإقليم وخاصة

منطقة الشرق الأوسط، منذ سقوط النظام العراقي واندلاع ثورات الربيع العربي، والتي أفضت إلى تعرض مصالح القوى الإقليمية للخطر والتحديات، في ضوء بروز قوى وفاعلين من غير الدول وانتشار لظاهرة التنظيمات الإرهابية ضمن بيئة إقليمية متوترة تشهد فوضى وحروب وصراعات وتحالفات بين القوى الإقليمية الكبرى وتدخلات عسكرية سواء إقليمية أو دولية، تحت حجة فرض الأمن والسلم الدوليين ومحاربة الإرهاب، وحقيقة الأمر أن تلك التطورات والمنافسة الإقليمية تشكل داعماً أساسياً لتوجهات القوى الدولية ومخططاتها تجاه منطقة الشرق الأوسط الهادفة إلى إعادة تشكيل الخريطة الشرق أوسطية من خلال تقسيمها وتفتيتها وفق مشروع برنارد لويس 1979 المنظر الأصلي لسياسة الفوضى الخلاقة، وطروحات رئيس تحرير جريدة هآرتس الإسرائيلية ألوف بن والمؤلف الأمريكي فرانك جاكوبس، والمؤلف الهندي الأمريكي والخبير في العلاقات الدولية باراج خانا، والجنرال الأمريكي المتقاعد رالف بيترز واضع خارطة (حدود الدم) لمنطقة الشرق الأوسط، والوثيقة الصهيونية لتفتيت الأمة العربية التي نشرت عام 1982 في مجلة "كيفونيم" الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية بعنوان "استراتيجية إسرائيلية للثمانينات" وغيرها من الطروحات والمشاريع التي صيغة لمنطقة الشرق الأوسط.

ازدادت وتيرة التنافس بين القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط من أجل السيطرة والهيمنة، وبدا واضح الملامح والأهداف والأطراف منذ سقوط النظام العراقي إبان غزو العراق عام 2003 وترسخ هذا التنافس منذ اندلاع ثورات الربيع العربي مطلع عام 2011، هذين المتغيرين تحديداً - وبطبيعة الحال هناك متغيرات أخرى شهدتها المنطقة – شكلا نقطة وركيزة أساسية في إعادة صياغة منطلقات ومفاهيم السياسة الخارجية للقوى الإقليمية الكبرى والمضي قدماً بشكل متسارع في إعادة تقييم للتحالفات السابقة وتجديدها بما يتلاءم مع طموحات وأهداف كل قوة إقليمية، وبما ينسجم مع تطلعاتها تجاه المنطقة، والذي يتوافق مع مقولة "عدو الأمس صديق اليوم وصديق الأمس عدو اليوم" والذي أسفر عن فتح بازار سباق التسلح على مصرعيه، ما أدى إلى دخول المنطقة بأسرها في دوامة الصراعات والحروب بحجة القضاء على الإرهاب ونشر الأمن والسلم وتحقيق الحرية والعدالة والديمقراطية في دول المنطقة، لكن كانت النتائج ومازالت عبارة عن تدمير ممنهج لكافة مقومات الدولة وتجريدها بشكل تدريجي من قواها السياسية والاقتصادية، بعد أن فرضت القوى الدولية أجندتها وخلقت الصراعات الطائفية والعرقية وزرعت التنظيمات الإرهابية خدمة مصالحها، في ظل استمرار التنافس والتصادم والصراع بين القوى الإقليمية.

إن الافتراضات التي قدمها أستاذ العلوم السياسية جون ميرشايمر في كتابه المشار إليه أعلاه يمكن لنا أن نخضعها على النظام الإقليمي وسياسة الدول والقوى الإقليمية – القرارات والإجراءات - تجاه المنطقة، من خلال تطبيق نظرية الواقعية الهجومية.

أولاً: النظام الإقليمي فوضوي، منذ غزو العراق من قبل قوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والتي أدت إلى انهيار النظام العراقي، وما نتج عنه من فراغ سياسي إقليمي أسفر عن ضعف وغياب للدور العربي بشكل كامل تجاه القضايا العربية – السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية والأمنية – في ظل عدم وجود مشروع عربي حقيقي استراتيجي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تتعرض لها المنطقة العربية والشرق الأوسط، فمنذ تلك اللحظة دأبت قوى إقليمية طامحة بالنفوذ والتمدد وتنفيذ مشاريعها باستغلال هذه الفرصة الذهبية والعمل بشكل متسارع على تنفيذ مخططاتها وأهدافها تجاه الدول الإقليمية المجاورة مستفيدة من التعدد المذهبي والقومي والعرقي بها، فشكل هذا التطور حالة اشتباك غير مباشرة بين الدول الإقليمية من منطلقات سياسية واقتصادية وطائفية لسد الطريق أمام بعضهما البعض في محاولة فرض سياستها في المنطقة، من جهة أخرى أدى انهيار النظام العراقي إلى بروز وتنامي للتنظيمات الإرهابية كتنظيم القاعدة وطالبان وداعش، إضافة إلى ذلك باشرت تلك القوى الإقليمية إلى دعم قوى المعارضة وفاعلين من غير الدول وفق العديد من المنطلقات الطائفية والعرقية وتسخيرها والاستفادة منها في حربها التنافسية، إلى جانب المطالبة من قبل القوى الدولية بضرورة تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية في النظام السياسي للدولة وتحقيق مبادئ الديمقراطية والعدالة والمساواة والحرية، فكانت المحصلة لكل هذه التطورات انتشار حالة الفوضى والصراعات والحروب في الإقليم في ظل ظهور شبكة من التحالفات والتكتلات بين القوى الإقليمية والدولية خدمة للمصالح الخاصة والمتبادلة بين الحلفاء، فقادة هذه الفوضى بشكل دراماتيكي إلى تسريع تنفيذ المخططات والمشاريع التي تستهدف منطقة الشرق الأوسط تفتيتاً وتقسيماً، والحالة السورية والعراقية واليمنية مثلاً واضحاً لتنافس وصراع القوى الإقليمية بالتعاون مع القوى الدولية لفرض السيطرة والهيمنة وخلق واقع جديد ينسجم مع أهداف ومخططات الحلفاء.

ثانياً: القوى الإقليمية العظمى تمتلك بالأساس القدرات العسكرية الهجومية، فلا يمكن تجاهل القدرات العسكرية لكل دولة إقليمية فهي تمتلك منظومة عسكرية هجومية ودفاعية زادت من رصيد قوتها لتحقيق أهدافها وتطلعاتها، لفرض سيطرتها وهيمنتها على الإقليم، وتأمين مصالحها وأمنها القومي

بكافة الطرق، فنتشر سباق التسلح فيما بينها بعقد الصفقات لشراء أحدث أنواع الأسلحة العسكرية ضمن المنظومة الهجومية والدفاعية على حد سواء والذي أدى إلى تزايد الإنفاق على المجال العسكري على حساب المجال التنموي بالاعتماد على الاحتياط المالي للدولة ما أدى إلى تعرض الاستقرار الاقتصادي للتذبذب واتباع سياسة التقشف، في محاولة لتحقيق مبدأ توازن القوى أو الوصول إلى حد ما للتفوق العسكري، كما ساهمت تلك القوى بإمداد أذرعها وحلفاءها من غير الدول بالسلاح، فتنامت القدرات العسكرية لتلك القوى الإقليمية، فكانت المحصلة انتشار حروب الوكالة وتدخل مباشر ملموس في الإقليم بين القوى المتنافسة وخاصة في الحالة السورية والعراقية واليمنية.

ثالثاً: الدول لا يمكن أن تكون على يقين كامل بنوايا الدول الأخرى، فجميع القوى الإقليمية – إيران، تركيا، السعودية – غير قادرة بشكل دقيق التعرف على نوايا بعضها البعض وخاصة غير المعلنة مكتفية بما هو معلن وملموس على أرض الواقع، هذه الحالة أفرزت حالة عدم الثقة بكافة تحركات وتوجهات أي قوة إقليمية في المنطقة وبالتالي تعززت حالة الخوف والريبة لدى كل دولة تجاه الأخرى ما ولَّد نظرية المؤامرة فيما بينهم، ودأبت كل القوى الإقليمية باتباع سياسة المغامرة والمقامرة واستغلال الأزمات والتطورات في الإقليم لصالحها خدمة لأهدافها ومصالحها ومحاولة إضعاف وإقصاء الأخرين.

رابعاً: البقاء هو الهدف الأساسي للقوى الإقليمية العظمى، هذا الأمر دفع الدول الإقليمية إلى التوجه لإعادة صياغة شبكة تحالفاتها وتشكيل تحالفات بقيادتها وإعادة التقارب والتعاون من دول أخرى بما يخدم تطلعاتها وأهدافها للحفاظ على استمراريتها وبقاءها دولة إقليمية محورية قوية يكون لها دور فاعل ومؤثر في السياسة الإقليمية والدولية وتشارك في رسم ووضع الخطط والاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية الآنية والمستقبلية، دون أن يكون لها منافس من قبل أطراف وقوى إقليمية أخرى، قد تلجأ تلك القوى إلى اتباع سياسة الهجوم والتدخل العسكري بشكل مباشر وغير مباشر وفق مقتضيات وتطورات الأحداث لكبح تمدد ونفوذ القوى الأخرى وهذه الحالة تندرج بشكل أساسي ضمن إطار نظرية إدارة الصراع وتحديداً في الحالة السورية والعراقية واليمنية بشكل خاص.

خامساً: القوى الإقليمية العظمى هي الجهات الفاعلة وهم يدركون جيداً طبيعة البيئة الخارجية من خلال اتباع التفكير الاستراتيجي حول كيفية البقاء على قيد الحياة، فكل القوى الإقليمية سخرت كل طاقاتها المادية والبشرية لدراسة البيئة الخارجية المحيطة وفهم القرار والسلوك الدولي بشكل معمق، باتخاذ مراكز الدراسات الاستراتيجية وسيلة لتحليل الأحداث والتطورات والمتغيرات المتسارعة ونقلها

أولاً بأول إلى صُنَّاع القرار في الدولة لوضع الخطط والبدائل بما يتناسب مع تلك التطورات وبما يخدم فرص تفوقها والبقاء قوة إقليمية دون منافس وزيادة فرص سيطرتها وهيمنتها في الإقليم.

إن المتتبع لكافة مجريات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط والتنافس بين القوى الإقليمية يجد بما لا يدع مجالاً للشك، أن المنطقة تسير بشكل متسارع إلى تنفيذ مخطط التقسيم والتجزئة للدول التي تشهد الأزمات، وذلك من خلال استطالة أمد الأزمة وعدم التوصل إلى حلول منطقية وسطية تلبي كافة متطلبات وتطلعات ليس الدولة صاحبة الأزمة بل القوى الإقليمية والدولية، فالمستفيد من إطالة أمد الأزمات هي القوى الدولية وإسرائيل نظراً لأن تلك الأزمات تعمل على تفريغ الدولة من قواها السياسية وتدمير اقتصادها وقوتها العسكرية من خلال الدخول في حرب استنزاف لكافة الموارد والطاقات في الدولة وجعلها دولة ضعيفة تقودها إلى أن تكون تابعة للقوى الدولية، بالإضافة إلى إغراق القوى الإقليمية المتنافسة في مشاكل داخلية وخارجية وصراعات مستمرة تؤدي بشكل مباشر إلى إضعاف وتفريغ الدولة من قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، فهذا هو الهدف الأساسي التي تسعى له القوى الدولية في ظل غياب حقيقي لدور المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية واستغلال القوى الدولية لنفوذها وقوتها ومكانتها في النظام الدولي بالموافقة والاعتراض واتخاذ القرارات بما يتناسب ويتوافق مع مصالحها وأهدافها ومخططاتها تجاه منطقة الشرق الأوسط في ضوء إعادة تشكل النظام الدولي وتحوله من نظام أحادي القطبية إلى متعدد الأقطاب.

بقلم/ أحمد سمير القدرة



مواضيع ذات صلة