المدينة اليوم الحالة
القدس 21
رام الله 21
نابلس 21
جنين 16
الخليل 21
غزة 20
رفح 20
العملة السعر
دولار امريكي 3.619
دينار اردني 5.106
يورو 3.935
جنيه مصري 0.201
ريال سعودي 0.965
درهم اماراتي 0.986
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-03-18 03:23:23

مفاوضات سرّي مرّي

سنبدأ بالجانب "الإيجابي" لوصول المبعوث الرئاسي الأميركي جيسون غرينبلات، لشؤون المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، إلى المنطقة، وهو أن مجرد حراك الإدارة الأميركية في محاولة لاستئناف المفاوضات، اعتراف بوجود قضية تستوجب الحل؛ وهذا ما يقلب بعضا من حسابات قادة اليمين الصهيوني المتطرف الذين أعلنوا فور فوز دونالد ترامب، عن "دفن مشروع الدولة الفلسطينية نهائيا".
إلا أننا لن نسرح في بحر الخيال، بنوايا واشنطن، أو بقدرة ترامب على التوصل إلى حل، لأن من يحكم إسرائيل عصابة تزداد تشددا يوما بعد يوم.
القضية الأساس تبقى الموقف الإسرائيلي القائم، عبر سنوات، وبالذات في الحكومة الحالية، على رفض مطلق لأي شكل للحل. وما يطرحونه هو فرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية"، على كامل الضفة المحتلة، وتحويل التجمعات السكانية الفلسطينية الى كانتونات مغلقة، لتكون عمليا كالغيتوات التي عرفها اليهود أيام النازية. وفي أحسن الأحوال سيتم "منح" الفلسطينيين إدارة شؤونهم الداخلية، دون حتى السيطرة على كمية المياه التي يشربونها، وقوة التيار الكهربائي.
هذا هو جوهر موقف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يريد مفاوضة إدارة دونالد ترامب، حول حجم الاستيطان في الضفة، وليس وقفه. ويطلب نتنياهو قبول واشنطن بالبناء في ما يسمى "مناطق نفوذ المستوطنات"، التي حددتها سلطات الاحتلال منذ سنوات، وهي عمليا تمتد على أكثر من نصف مساحة الضفة. وحيث سيكون استيطان سيكون ضم.
لم يعد نتنياهو يشعر بأي حاجة لاتباع ولو مناورة سياسية هشة ليتستر فيها على موقفه، إذ يردد في الأسابيع الأخيرة قائلا إنه يوافق على "دولة فلسطينية منقوصة". وفي المواصفات التي يطرحها، فهي دولة أقل حتى من "ممسوخة". هذا موقف جميع شركاء نتنياهو في الائتلاف الحاكم، حتى أولئك الصامتين، ولا يعلنون أي شكل للحل، مثل كتلتي المتدينين المتزمتين "الحريديم". وهذا موقف الشريك "الأكبر" لحزب الليكود في الحكومة، حزب "كولانو" بزعامة وزير المالية موشيه كحلون، الذي يعتبرونه في وسائل الإعلام "يمينا معتدلا"، بينما نواب حزبه يشاركون في سن أخطر القوانين العنصرية والداعمة للاحتلال والاستيطان. وناهيكم عن ذلك المنفلت، وزير الحرب أفيغدور ليبرمان، الذي يجاهر بمخططه لطرد فلسطينيي 48.
وأمام مشهد كهذا، فلا يبقى الكثير لتحالف أحزاب المستوطنين "البيت اليهودي"، الشريك في الحكومة، ليطرحه؛ إلا إذا قرر الشركاء فيه المجاهرة ببرامجهم الحقيقية، التي لا يعرضونها على الملأ في السنوات الأخيرة، وفي جوهرها طرد مَن تبقى من الشعب الفلسطيني في وطنهم التاريخي.
والحال ليس أبعد في صفوف المعارضة، في كتلة "المعسكر الصهيوني" التي في مركزها حزب "العمل"، ولا في كتلة "يوجد مستقبل"، التي يتزعمها وزير المالية السابق يائير لبيد. فهذا الأخير هو ونواب حزبه يسارعون في مشاركتهم في سن القوانين القمعية العنصرية والاحتلالية، بينما معارضتهم لبعض القوانين، هشة ولا يمكنها أن تتستر على حقيقة هذا الحزب، الذي ينافس اليمين في تطرفه. أما حزب "العمل"، فقد قلب برنامجه الهش، ببرنامج أكثر يمينية؛ وهو يتبنى حاليا مشروع الكانتونات، ليمتد إلى ما لا يقل عن عشر سنوات، حتى يوافق على الحديث عن "دولة".
لقد جاء غرينبلات بلباس "تنكري"، في أجواء "عيد المساخر" العبري الذي يتنكر فيه اليهود، بخلعه القلنسوة السوداء من على رأسه، وهو اللون الذي يشير الى تشدد ديني أكثر، في محاولة مضحكة لإخفاء حقيقته السياسية. فالمشكلة ليست في تدينه، فهذا حقه، ولكن كما قرأنا عنه، فإنه من أتباع مقولة نتنياهو: "المستوطنات ليست عقبة أمام السلام"، وهي وحدها تقول كل شيء. وسعى إلى إثبات موقفه بعقد أول لقاء أميركي رسمي مع قادة مستوطني الضفة قبل أيام. فغرينبلات لن يكون المقرر، ولكن هويته السياسية تؤكد حقيقة موقف الإدارة الأميركية التي انتدبته.
إن ما سنشهده في المرحلة المقبلة، لن يكون سوى تقارير متضاربة، وسعي إسرائيل الدائم لإشغال العالم بقضاياها الداخلية، بموازاة استمرار السيطرة على الأرض، سعيا لنسف أي احتمال مستقبلي لقيام دولة فلسطينية قادرة على الحياة. في حين سيواصل مبعوثو واشنطن زيارة المنطقة "سرّي مرّي" من دون أي نتيجة، لأن ما سيكون مطروحا، لن يكون مقبولا فلسطينيا.

برهوم جرايسي


مواضيع ذات صلة