المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.509
دينار اردني4.96
يورو4.081
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.936
درهم اماراتي0.956
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-05-05 21:51:38

فلسطيني ثائر

الحبّ هو في طبيعته شيء جميل شعور بالسعادة ورغبة في الانطلاق بحرية نحو أفق الحياة يدفعك لتقاوم أشدّ الصعاب رغبة في الحصول عليه تقاوم عقبات الحياة الملقاة في طريق المتحابَّين والبطلان في قصتنا عانيا الكثير والكثير من العقبات التي وضعها عدوّ الحب وعدّو السّلام في طريقهما احمد وفاطمة شخصيتان عاشتا نار الحب فهل استطاعا بحبهما أن يدمّرا كل العقبات ؟أم بقيت نار الشّق مشتعلة؟
‎أم جهاد تجلس على كرسيها المعتاد ترتدي ثوبها الفلسطينيّ المزركش وغطاء رأسها الجميل أمام بيتها في قرية صرّة احدى القرى الفلسطينيّة الجميلة(جدتي جدتي) هكذا صاح أحد الأطفال الذي كان يركض نحو حضنها الحنون وبأنفاسه المتتابعة يقول لها:-
‎( جدتي إن أخي يريد أن يمسكني خبئيني في حضنك)
‎ضحكت الجدة ضحكتها التي تشعرك بالاطمئنان، وبأنّ كلّ شيء سيكون بخير وقالت: اهدأ يا محمد,
‎وفي هذه اللّحظة، وصل أحمد وأنفاسه تكاد تنقطع وضع يداه على ركبتيه، وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة صحيح نسيت أن أخبركم أن أحمد هو حفيد أم جهاد أيضاً بعد أن التقط أحمد أنفاسه قال لجدته (أنت دائماً ًتدافعين عن محمد ) خرجت أم أحمد من الدّاخل وهي تحمل صينية عليها أكواب وإبريق من الشّاي الفلسطينيّ اللّذيذ وقالت وهي منزعجة:- ( ماذا فعل محمد هذه المرة )؟
‎قال أحمد والغضب قد نال منه :-لقد قام بتكسير بندقيتي الّتي قدّمها لي أبي في عيد الأضحى
‎جلس الجميع حول الجدة أم جهاد ومحمد المشاغب قد جلس في حضنها الحنون ، عالجت الجدّة المشكلة بكل حكمة وعدل ،قالت لمحمد وهي تتصنع الملامح الجادّة:- إنّ ما قمت به يا محمد لا يجوز ويجب أن لا تلمس أغراض أخيك وتقوم بتكسيرها، وقالت وهي تضحك:- ( أحمد أنت انسان ذكي ورائع ويجب أن تكون حليماً مثل جدّك أبو جهاد فقد سميتك تيمناً به وستكون مثله إن شاء اللّه).
‎قال أحمد متلهفاً:- (جدتي جدتي حدّثيني عن جدّي أحمد)، تنهّدت أم جهاد تنهده طويلة ،وارتسمت على وجهها ملامح الحزن وأخذتها الذّكريات بعيداً إلى الجامعة حيث التقت بأحمد (أبو جهاد) لأوّل مرّة وقالت:-
‎هنا تبدأ قصتنا مع أحمد وفاطمة أبطال قصتنا، أم جهاد وأبو جهاد؛
‎أحمد شابٌّ فلسطينيّ مكافح، طويلٌ القامة، أنيق المظهر، أحمد كغيره من الشّباب، يحلم بالتّفوّق بدراسته، والالتحاق بالجامعة، أنهى أحمد الثانوية العامة بمعدل 94.9 من مدرسة قريته صرّة، الواقعة غرب مدينة نابلس، فرح كثيراً، وفرح أهله، وأصدقاؤه، وأهل قريته. وأقاموا له حفلاً في وسط القرية، وبدأ المهنئون يتوافدون إليه؛ لتهنئته بهذا النّجاح، حقّق أحمد أوّل أحلامه، وهو التّفوق في الثّانويّة العامّة، وكحال الكثير من أبناء الشّعب الفلسطيني ّ، فإن ظروف أحمد الماديّة، لا تسمح له بتحقيق أحلامه بسهولة؛ لذلك بدا أحمد يعمل في قطاع البناء، حتّى يوفّر قسطه الجامعيّ، عمل أحمد شهرين في البناء، كانت هذه الأشهر تمرّ ببطءٍ شديد
‎كان أحمد يعمل في إحدى البنايات، عندما وقف ليرتاح قليلاً، أخذته أفكاره بعيداً إلى هناك، إلى مقعده في الجامعة، إلى ساحات الحرم الجامعي، أيقذه الواقع المرير وصوت معلّم البناء، ينادي عليه:-
‎تسأل عندها أحمد وهو يحدّث نفسه :-كيف ستكون حياته الجامعيّة؟ هل سيكون قادراً على توفير القسط الجامعيّ؟ هل سيكون بإمكاني التّوفيق بين العمل والدراسة؟
‎أنهى أحمد عمله السّاعة الرّابعة عصراً، وذهب إلى بيته دخل ليستحمّ غسل عنه الإسمنت الّذي علق بجسده، أحسّ وكأنّه يزيل عن جسده المنهك، كلّ تلك الأوجاع والآلام، وتناول وجبة ً لذيذة من يدي أمّ أحمد، كانت أمّ أحمد قد أعدت له المسخّن، وهو أكلة فلسطينيّة لذيذة، ألقى بجسده المتعب على سريره ونام بعمق بعد يوم عمل شاقّ في البناء، فالعمل في البناء مرهق جداً، وهو غير معتاد عليه، أراح أحمد جسده لبعض الوقت.
‎استيقظ على صوت جرس البيت، سمع أمه تقول (تفضّل يابنيّ، سأوقده الآن، فقد حان موعد صلاة المغرب، دخلت أمّ أحمد الغرفة، وقالت:(هانت مستيقظ يا أحمد جاء علاء لتذهبا سويّاً إلى المسجد)، أجاب أحمد ومازال ينفض عن عينه النعاس بيديه: (حسناً يا أمّي ها أنا قادم) ونهض من سريره رغماً عنه،
‎وكأنّه يحمل أثقال الدّنيا على كتفيه، توضأ وذهب مع صديقه علاء إلى المسجد، التقى أحمد في المسجد ببقيّة أصدقائه، وبعد الصّلاة، قضى وقتاً جميلاً معهم، خفّف عنه بعضا ًمن أعباء الحياة.
‎عاد أحمد إلى البيت، وفتح جهاز الّلاب توب الخاصّ به،
‎وفتح حسابه الشّخصيّ أخذ يقلّب الصّفحات، وإذا به وقد وقعت عيناه على خبر يقول منح دراسية لطّلبة
‎الثّانوية العامّة في دولة عربيّة وبدأ أحمد بقراءة الخبر بكل تفاصيله، وكأنّه غريق وجد طوق النّجاة.
‎وبدأ يجري اتصالاته مع أصدقائه في الثّانويّة العامّة؛ ليخبرهم عن المنحة، وبدأ
‎يبحث عن طريقة للوصول لتلك المنحة.
‎قام أحمد في اليوم التّالي بكلّ الإجراءات الرسميّة ، وانتظر بفارغ الصّبر ،الرّد على طلبه بالحصول على المنحة ،وفعلاً بعد عدّة أيام حصل أحمد على الرّد ، فتح أحمد بريده كالعادة ؛ليتفقّده ،لعلّه يجد رداً ، وظهرت رسالة من الموقع الّذي تقدّم من خلاله بالطلب فتح أحمد الرّسالة ويداه ترتجفان ،قفز أحمد فرحاً ،وأخذ يصرخ(الحمد للّه ، اللّه أكبر) هرعت أمّه فزعة إلى الغرفة ،ركض أحمد واحتضن أمّه بشدّة وقال(لقد قبلوني في المنحة الدّراسيّة يا أمّي)نزلت دموع أمّ أحمد فرحا وتحلقت كلّ العائلة حول أحمد ،بعد أن سمعوا تكبيراته ،وعلموا بالخبر وأخذوا بتهنئته.
‎حضّر أحمد حقيبته ،وهو يعيش حلم الدّراسة في الجامعة ،يفكر ويتخيل كيف ستكون الجامعة ،ويخطّط لمستقبله ،كانت أمّ أحمد تقف تتأمّل ابنها ،فتارّة تبكي فرحاً ؛لأنّ ابنها سيحقّق حلمه ،وتارّة تبكي حزناً ؛لأنّه سيفارقها ،ودّع أحمد أهله وأهل قريته ،وانطلق بسيّارة الأجرة إلى الجسر ،والجسر هو الحدود المصطنعة، الّتي وضعها الاحتلال بين فلسطين والأردن الشّقيق ، نظر أحمد إلى قريته صرّة مودعاً لها ،وكلّه إصرار أن يعود إليها ،وهو يحمل شهادته بيده ،حتّى تفتخر به ،فهي بلده الحبيبة وقد نظم فيها شعراً جميلا قال أحمد في بلده صرّة الغالية:-
‎صرّة بلدنا الغالية نسيمها يشفي العليل
‎خضراءٌ جميلةٌ أشجارها
‎فوّاحةٌ بالعطر الجميل
‎الله ما أحلى حاراتها لا يعيش فيها دخيل
‎كبرنا فيها وأصبحنا رجالها
‎نحمي حماها ليس بيننا ذليل
‎أهلها أهل الكرم والوفاء
‎بالجود ليس لهم مثيل
‎هذه بلدنا بلد العزّ رجالها
‎يفدونها ما يهمّها متخاذلين
‎وعدوّها ليس له بقاء
‎نهايته الانهزام والرحيل.
‎وصل أحمد إلى الجسر ،واعتبره نافذة ينظر من خلالها إلى المستقبل الّذي يتمناه ولكن هيهات أن يتركه الاحتلال، يعيش حلمه دون أن يقض مضاجعه جلس أحمد ينتظر دوره للدّخول ،وعندما حان دوره نظر الجنديّ الصّهيونيّ إلى هويته ،وبمجرّد أن قرأ اسمه حوّله إلى غرفة ،جلس أحمد على كرسيّ في تلك الغرفة ينتظر ،كانت هناك طاولة أمامه ،وكرسيّ آخر في الجهة الأخرى للطاولة أحس أحمد ببرودة الغرفة، وظلمتها رغم وجود ضوء ،كانت ملامح وجهه توحي بالتّعب ،تنظر إليه فترى نظرات القلق تبدو على محياه فقد أتعبته الهموم رغم صغر سنه أخذ يفكّر ماذا سيفعلون به هل سيقتلون حلمه ،هل سيرجعونه ، جلس ينتظر وكأنّ عاماً مرّ عليه فنظر إلى ساعته لم تمرّ سوى ساعتين ،ولكنّها كانت كأنّها دهر ،نفض أحمد عن نفسه الخوف والقلق وذكر نفسه بقوله تعالى:- (قل لن يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا، هو مولانا وعلى اللّه فليتوكّل المؤمنون). في هذه اللّحظة نزلت على روحه السّكينة ،وهدأ روعه ذلك هو تأثير كلام اللّه في نفس المؤمن صحح أحمد جلسته فإذا بباب الغرفة يفتح دخل رجل يرتدي الزّيّ العسكري، وقال:- (صباح الخير يا أحمد) ردّ عليه أحمد:- (صباح النّور).
‎جلس الضّابط الصهيوني على الجهة الأخرى من الطاولة وهو يتصفّح ملفاً بيده، وقال:-( أحمد هاد أنت صاحب مشاكل، ماذا تفعل هنا؟ وإلى أين أنت ذاهب؟) أجابه أحمد وهو واثق بربّه، فقد استمدّ قوته من كلام الله أجاب:- (لقد حصلت على منحة دراسيّة، وسأذهب لأكمل دراستي)، استمرّت المقابلة لمدّة ساعة وضابط المخابرات يوجّه أسئلته لأحمد، يبحث عن أيّ شيء ليوقع أحمد، ولكنّ أحمد بتوفيق من اللّه ، وبذكائه استطاع أن ينجو من هذا الضّابط اللعين نهض الضّابط من مكانه، وقال وهو يقطب حاجبيه:- (رح نسمحك تروح أحمد، بس ما بدنا مشاكل فاهم).
‎بدت علامات الغضب على وجه أحمد، ولكنّه ضبط أعصابه، وخرج من الغرفة، وتوجّه إلى شبّاك الجوازات، وأتمّ إجراءات مروره وانطلق في رحلته نحو المستقبل، متوكّلاً على ربه مصمما على تحقيق حلمه، لم يكن أحمد يعلم ما تخبئه له الأيّام.
‎وصل أحمد في ساعة متأخّرة، كان مرهق أنهكه التّعب، أوصله السّائق إلى العنوان الّذي حدّدته له الجامعة دخل إلى المبنى، لم يلتفت إلى شيء من شدّة التعب، استقبله أحد الطّلاب القدامة وبعد عناء سفر طويل، ومشقّة على المعابر نام دون أيّ عناء.
‎وفي اليوم التّالي استيقظ من نومه، كان في غاية السّعادة، نهض من سريره نشطاً، اغتسل وصلّى صلاة الفجر، وأثناء سجوده شكر ربّه على هذه النّعمة العظيمة، وتناول فطوره، رنّ المنبه في السّاعة التّاسعة صباحا لقد حان موعد ذهبه إلى الجامعة؛ ليكمل إجراءات التّسجيل، دخل أحمد بوابة الجامعة تعجب من حجم الجامعة، وجمالها. وقف أحمد حائراً، أين يذهب؟ وماذا سيفعل؟
‎أخذ أحمد يمشي في ساحتها وبين الكليّات على غير هدى، تعب أحمد، وجلس تحت شجرة في السّاحة
‎في هذه الأثناء، كان عبد الرحمن أحد طلّاب الجامعة متّجهاً إلى قاعة المحاضرات عندما لمح أحمد، الّذي بدت عليه ملامح الحيرة، تقدّم عبد الرحمن من أحمد ومدّ يده (السّلام عليكم). سلّم أحمد عليه وقال: (وعليكم السّلام).
‎هل تريد شيئاً؟ :سأله عبد الرحمن
‎هل أنت بحاجة إلى مساعدة؟
‎كان أحمد في تلك الّلحظة، كالطّفل الضّائع بحاجة إلى من يرشده أجابه على الفور (نعم شكراً جزيلاً) سأله عبد الرحمن: (ومن أين أنت تبدو غريباً عن المنطقة) قال أحمد: (أنا فلسطينيّ أتيت للدّراسة في الجامعة لقد حصلت على منحة دراسيّة،
‎وأصدقك القول أنّني تائه، فمنذ الصباح وأنا أبحث عن مكتب التّسجيل، قال له الشاب بلهفة:-(أهلا بك، وبكل فلسطين وأهلها، أنا عبد الرحمن من الجزائر نحن نحب فلسطين كثيراً,)
‎أجاب أحمد والابتسامة تعلو وجهه:-(وأنا أحمد تشرّفت بمعرفتك ونحن نحبكم كثيراً).
‎أخذ عبد الرحمن أحمد إلى الكافتيريا، وجلسا يحتسيان كوباً من القهوة، وتبادلا أطراف الحديث، وفيما بعد توجّها إلى مكتب الإدارة؛ لإتمام إجراءات التسجيل بعد الانتهاء شكر أحمد عبد الرحمن على المساعدة الّتي قدمها له، قال عبد الرحمن:- (هذا أقلّ ما أقدّمه لأخ لي من فلسطين)، وتبادلا أرقام هاتفيهما، وافترقا على موعد للّقاء في اليوم التّالي:-
‎في اليوم التّالي التقى أحمد بصديقه الجديد، عبد الرحمن وانطلقا نحو الكافيتريا، ومن بعيد نظر عبد الرحمن، فرأى أخته ياسمين تجلس مع زميلتها في الجامعة فاطمة فتوجه هو وأحمد إلى طاولتهما.
‎كانت فاطمة جالسة مع صديقتيها ياسمين، كانتا تحتسيان قهوة الصّباح، قبل محاضرة الحاسوب، عندما رأت ذلك الشّاب يمشي بكل أناقته، بلحيته الّتي زادته جمالا كان رائعاً بكل تفصيل فيه، كان يمشي مع عبد الرحمن وهو شقيق ياسمين، لاحظت ياسمين نظرات فاطمة المعجبة بالشّاب الجديد، وقالت لها، وهي مبتسمةٌ ما بك يا فاطمة؟
‎أحمرّ لون وجه فاطمة، وكأنّه حبة فراولة
‎وأجابتها وهي تشعر بالخجل:- لا شيء ياسمين، لماذا تسألين؟ )
‎أجابتها ياسمين مبتسمة: لماذا أحمرّ وجهك إذا؟
‎في هذه الأثناء كان عبد الرّحمن يقترب من طاولتهما ومعه الشّاب الجديد، وكلّما كان يتقدّم خطوة، كانت دقّات قلب فاطمة تزداد شدّة، لا تعلم ماذا حصل لها، عندما رأته، رغبت بشدّة في هذه اللّحظة، أن تهرب؛ حتّى لا يبوح وجهها وعيناها، ما يحصل لها، أكاد أجزم أنّ ياسمين سمعت دقات قلبها المتسارعة، كانت تسترق النّظر إليهما، وهما يقتربان
‎ها هما يصلان إلى الطّاولة، لم تنظر إليهما في البداية. قال عبد الرحمن وهو مستغرب إعراضها عن النّظر إليهما:- السّلام عليكم,
‎أجابتاه معاً: (وعليكم السّلام) ونظرت فاطمة إليهما، والارتباك بادٍ عليها
‎القى أحمد التّحية أيضاً
‎وعرّف عن نفسه:
‎(السّلام عليكم أنا أحمد اسماعيل من فلسطين)
‎شعرت في كلماته الفخر؛ وهو يخبرهنّ بأنّه من فلسطين,
‎رددن عليه السّلام، وقالت وكأنّها تبادله الفخر: (أنا أيضاً من فلسطين) أعجب أحمد بفاطمة كثيراً، فقد أسره أدبها وأخلاقها وحياؤها وأعجب بالتزامها بحجابها، وكذلك أعجبت فاطمة به كثيرا بحديثه، وبأدبه وأيضا بثقته بنفسه، كلّ شيء فيه يشدّها إليه ولكن لم يجلسا مع بعضهما، قائلة ياسمين وهي تمنع ضحكتها: (حان موعد المحاضرة يا فاطمة هيا بنا,
‎ذهبت فاطمة وصديقتها ياسمين إلى المحاضرة، وتفكيرها مشغول بأحمد ولكن بكلّ تأكيد فإن فاطمة بنت فلسطين، فتاة خلوقة وذات دين، لا تسمح لنفسها بارتكاب أيّ خطأ لذلك لم تقابل أحمد، تتحدّث إليه، إلّا لدقائق عندما تلتقي ياسمين في الحرم الجامعي، بأخيها لأمر ضروريّ، فكما تعلمون فإنّ ياسمين أخت عبد الرّحمن، وأصبح أحمد وعبد الرّحمن لا يفترقان
‎بدأ أحمد حياته الجامعيّة، وبدأ دوامه اليوميّ في الجامعة, كان أحمد طالب مجتهد، يحضر المحاضرات، ويتابع دروسه في البيت,
‎التقى أحمد بصديقه عبد الرّحمن في الجامعة، وبالطّبع كانت أخت عبد الرّحمن ياسمين وصديقتها فاطمة معه، فاليوم لديهم الأربعة محاضرة في العلوم السياسيّة، التقت نظرات أحمد وفاطمة، فأنزلت فاطمة عيونها خجلاً، وتورّدت وجنتاها، لاحظت ياسمين نظراتهما، وابتسمت وقالت:- (كيف أنت يا أحمد)، ارتبك أحمد المسكين، وأنزل نظره إلى الأرض وأجابها: (الحمد للّه)، خجلت فاطمة كثيراً، استدركت ياسمين الموقف وقالت :(هيّا بنا لم يبقى لبداية المحاضرة وقتاً). انطلق الأربعة لحضور محاضرة العلوم السياسيّة، بدأت المحاضرة، والحديث كان يدور حول الحروب العربيّة مع اسرائيل، استهلاّ الدّكتور الحديث قائلاً (لقد وقعت حرب بين ستة دول عربيّة والصّهاينة في بداية بنائهم لما يسمّونها دولة اسرائيل، هزمت ستّة جيوش عربيّة في حربين متتاليتين وسمي بعدها جيش اسرائيل، الجيش الّذي لا يقهر),
‎لم يستطع أحمد تمالك نفسه ووقف واستأذن من الدّكتور وتحدّث قائلاً:( إنّ اسرائيل دولة مزعومة، أقيمت على جثث الأطفال والنّساء بدعم غربي، وتخاذل عربي ومن يظنّ أنّه جيش لا يقهر، فليأتي إلى فلسطين، ويرى كيف أنّ جنودهم المدجّجين بالسّلاح، يهربون من أمام أطفال لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة عاماً، إنّها دولة ضعيفة) أراد الدّكتور أن يحرّك النّقاش، سأل:( ما اسمك يأبني) أجاب أحمد: اسمي أحمد ,).
‎فقال:(برأيكم من يؤيّد رأي أحمد)؟
‎رفع الطّلاب أيديهم دون استثناء مؤيّدين. قال الدّكتور:(إذاً لماذا ما زالت فلسطين تحت الاحتلال؟) رفعت فاطمة يدها مستأذنة: (لأن العرب متخاذلين، واستسلمنا لهم، اقصد العرب، فنحن في فلسطين قاومنا بكل مأوتينا من قوّة، ألم ترى ملحمة مخيّم جنين؟ وكيف أنّ مخيّماً صغيرا استطاع هزيمة جيش بأكمله، بدبّاباته وطائراته،
‎هدم المخيم ولكنّه لم يستطع، النّيل من مقاومته,
‎فالمقاومة مازالت مستمرّة هكذا فعل مع كلّ مدن الضفة,
‎في هذه الّلحظة، تحدّث عبد الرّحمن (وقد استخدم الصّهاينة نفس الأسلوب أثناء اجتياح عام 2002، فهم جبناء جداً ليقاتلوا وجهاً لوجه,
‎غزّة العزّة خاضت ثلاث حروب متتالية في كل حرب تفاجئهم المقاومة الفلسطينيّة، مرّة بسلاح جديد، ومرّة بصاروخ، وأخرى بطائرة بدون طيّار، ترعب أركانهم، وتدمّر معنوياتهم، الفرق بيننا وبينهم أننا نقاتل على حق نبتغي رضى اللّه، وهم يقاتلون على باطل، يبتغون الحياة الدّنيا، وشتّان بين الإثنين)
‎وبالطّبع لابدّ أن تتحدّث ياسمين هنا فهي تعشق فلسطين وأهلها ,ورأينا كيف أنّ الجنود الصّهاينة، كانوا يصرخون تحت أقدم المقاومة في ناحل عوز، وكيف أنّهم خطفوا الجنود من دبّاباتهم,
‎تأثر جميع من بالمحاضرة بكلامهم، وخاصّة الدّكتور، الّذي قال نعم صحيح , اليوم الفلسطينيون أكثر وعياً
‎من ذي قبل، وأيقنوا أنّ باستطاعتهم أن يطوّروا أسلحتهم بأيديهم، وأثبتوا ذلك في عدّة مواقف، وأصبحوا يعتمدون على أنفسهم لا ينتظرون الجيوش العربيّة، الّتي صدأة أسلحتها، اليوم يصنعون سلاحهم بأنفسهم,
‎أضافت فاطمة :(أنا من غزّة، اسرائيل تحاصرنا منذ عشر سنوات، لأنّنا اخترنا خير المقاومة، ونرفض كل الحلول السّلميّة، الّتي تمسّ بثوابتنا الوطنية التي ضحّى من أجلها كلّ الفلسطينيين ما بين مستشهد وجريح وأسير ومحاصر يمنع عنّا الكهرباء ويقوم بتجويعنا، ويغلق المعابر أمام المرضى والطّلبة، يحرمونهم الحقّ في العلاج الّذي وبسببه استشهد الكثير من الفلسطينيين على المعابر.)
‎انتهت المحاضرة، وأثناء خروجهم من المحاضرة
‎قال دكتور لأحمد وأصدقائه:- أعجبني انتمائكم لفلسطين، ووعيكم بقضيتكم،
‎وكيف تدافعون عنه، سيتمّ تحرير فلسطين على يد أمثالكم، من الشّباب الواعي والمخلص لدينه، وقضيّته، وفّقكم اللّه يا أبنائي.
‎بعد المحاضرة الشيقة خرج أحمد وصديقه عبد الرّحمن إلى الكافتيريا، كان الشّابان متحمّسان جدا جلسا وطلبا كوبين من الشّاي، قال أحمد والحنين والشّوق، قد أخذ منه كلّ مأخذ، ارتشف رشفة من كوبه، وقال :(آه يا عبد الرّحمن، كم أشتاق لأمي كثيرا وللشاي الّذي تعده ذكرتني رائحة الشّاي، بذكريات كثيرة)
‎عبد الرّحمن :- وكيف هي فلسطين؟ أخبرني عنها عن بلدك صرّة، وعن المسجد الأقصى,
‎تنهّد أحمد وقال:-فلسطين آه ما أجمل فلسطين إنها جميلة بأهلها الطّيبين، بأصالتها، بشجر الزّيتون برائحة الزعتر تعبق في المكان، وبلدي صرّة لا أرى أجمل منها، بيتنا الّذي تشتمّ فيه رائحة الأجداد، وجباله الشّامخة، كشموخ المقاومة أما القدس فماذا أقول لك عن القدس؟ إنّ الأقصى يأنّ تحت وطئه الاحتلال ،والتّدنيس والتّهويد ،كلّ يوم يتمّ تدنيسه من قبل قطعان المستوطنين، منعونا من الصّلاة فيه إلّا فئة كبار السّن ،حرمونا رؤيته ولكن هيهات فنحن أبناء فلسطين ،نرفض الذّل ،كنت أقفز فوق الحواجز والأسوار ،وأسير بين الحارات ،حتّى أصل إلى القدس ،وأرى المسجد الأقصى وقبّة الصّخرة وأصلّي فيهاو هناك المرابطات من القدس وما حولها ،ممّن يستطيع الوصول للمسجد الأقصى يدافعون عن الأقصى أمام قطعان المستوطنين ،بأرواحهم وتكبيراتهم الّتي تعلو في المكان ،عند دخول الصّهاينة لساحات المسجد. أخرج أحمد هاتفه وأخذ يقلّب الصّور حتّى وجد صورته في المسجد الأقصى ،وقد كتب عليها ،دخلت القدس، وصلّيت بالأقصى، رغماً عن أنوف الصّهاينة ،ضحك عبد الرّحمن عندما قرأ ما كتبه أحمد وقال:(أنا أعشق القدس دون أن أراها ،وسنحررها بإذن اللّه.
‎أحمد:- عبد الرّحمن حان وقت المحاضرة لنذهب,
‎عبد الرّحمن: قبل الذّهاب للمحاضرة أود أن تشرفني الّليلة على العشاء
‎أحمد: شكراً لك، ولكن لا أريد أن أثقل عليكم,
‎عبد الرّحمن: لقد صدر القرار وانتهينا، الّليلة ستتناول العشاء عندنا
‎أحمد وهو يضحك: حاضر سيدي
‎ضحك الاثنان، وانطلقا لحضور المحاضرة، بعد الانتهاء من المحاضرة، تواعدا على الّلقاء أمام سكن أحمد
‎حل المساء توجه عبد الرّحمن إلى مكان سكن أحمد، وأحضره إلى بيته حيث أعدّت أخته ياسمين، طبقاً شهيّاً، تناولا الطّعام، شكر أحمد عبد الرّحمن وأخته ياسمين، وجلسا لتناول الحلوى، وبدآ يتبادلان أطراف الحديث.
‎كان عبد الرّحمن متشوّقاً لمعرفة المزيد عن فلسطين، وقد أحبّ طريقة حديث أحمد عن فلسطين، استهلّ الحديث بقوله:- كيف أحوالكم في الضّفة؟
‎أجاب أحمد :- الضّفة هي الشّموخ والانتفاضة، هي جبل النّار، هي شهداء الخليل الأبطال، هي بيت لحم الثّبات، فبرغم وجود الاحتلال، الّذي ينغّص حياتنا إلا أنّنا صامدون اعتقالات مستمرّة، و في حالات تكون هذه الاعتقالات للأطفال, والاقتحامات اليوميّة، وتكون في أغلب الأحيان، في منتصف اللّيل، وتحدث مواجهات بين الاحتلال والشّباب، وأحياناً يرتقي شهداء، وإصابات، وبرغم كلّ ذلك تجد الشّعب الفلسطيني صامد، وتستقبل الأم الفلسطيني ّابنها الشّهيد بالزّغاريد، تزفّه إلى الحور العين، وتذرف دمعتها في صمت، راضية بقضاء اللّه.
‎عبد الرحمن:- أعانكم اللّه،
‎وهل واجهت صعوبة في الوصول إلى هنا؟
‎أحمد:- في الحقيقة لقد واجهت الكثير من الصّعوبات، سواء كان في استخراج جواز السّفر أو على الجسر بين فلسطين والأردن، حيث حجزوني لأكثر من ثلاث ساعات، وحتّى في الدّخول إلى هنا.
‎أحمد: ( لماذا أنتم الجزائريون تحبّون فلسطين لهذا الحدّ؟) عبد الرحمن: ( نحن واجهنا نفس المصير، وتعرضنا للاحتلال، وقدّمنا شهداء، كما تقدّمون أنتم فنحن قدّمنا مليون شهيد،
‎ففلسطين تعني لنا كلّ شيء، نحن في كل المناسبات نهتف لفلسطين، في المباريات والأعراس، الفعاليات في الجامعات والمدارس تجد علم فلسطين مع علم الجزائر، نحبّ فلسطين وأهل فلسطين، ولو كنّا نستطيع الدّخول إلى فلسطين لما تأخّرنا عنكم ثانية واحدة، ولكن نحن معكم قلباً وقالباً، ودائماً ندعو لكم وقد وصّانا القائد بومدين وقال: كونوا مع فلسطين ظالمة أو مظلومة,
‎أحمد:- ونحن وصّانا الرّئيس الرّاحل ياسر عرفات قائلاً:
‎إذا جارت عليكم الدّنيا فعليكم بالجزائر
‎عاد أحمد إلى مكان سكنه،
‎. بعد أن شكر عبد الرّحمن وأخته
‎في اليوم التّالي استيقظ أحمد نشيطاً، وجهّز كتبه وانطلق إلى الجامعة
‎دخل أحمد قاعة المحاضرات، والتقى بفاطمة صديقة ياسمين، تذكّرها أحمد على الفور، فقد أعجب بها، وبأخلاقها منذ رآها أول مرة التقت نظراتهما، للحظات، شعرت فاطمة بخجل شديد، ودخلت قاعة المحاضرات بسرعة جلس أحمد على مقعده في القاعة وهو ينظر إلى فاطمة من بعيد وما أن انتهت المحاضرة حتّى خرج جميع الحاضرين، وفي هذا الازدحام، كان أحمد يبحث عن فاطمة، أراد أن يكلّمها، ولكن لم يجدها.
‎أخذ يفكّر:- حتّى لو أردت الحديث معها، فلن ترضى، فهي ذات أخلاق عالية، تمشي على استحياء، ملتزمة بدينها، علاقاتها محدودة، همّها هو التّعليم والعودة إلى غزّة، حاملة الشّهادة، ليس لها علاقات فعلاقاتها مع عدد من البنات الملتزمات فحسب.
‎ذهب أحمد إلى البيت، وبدأ بالتّفكير بتلك البنت الجميلة الخجولة، ذات الأخلاق العالية، فالتّفكير بها لازم أحمد، لم يستطع النّوم تلك اللّيلة وهو يفكّر بها.
‎في اليوم التّالي لم يكن لديه محاضرات، وقرّر أن الخروج مع عبد الرّحمن إلى نادي للخيول، التقيا وذهبا إلى النّادي، في النّادي جلسا يشاهدان سباقاً للخيول، قال أحمد لعبد للرّحمن: أريد أن أخبرك أمراً مهمّاً,
‎شعر عبد الرّحمن بالفضول وقال:- هيّا تكلّم يا أحمد، ماذا هناك؟
‎أحمد:- في الحقيقة لقد صادفت بالأمس فاطمة، زميلتنا في محاضرة العلوم السّياسيّة.
‎عبد الرّحمن:- نعم عرفتها، إنّها صديقة أختي ياسمين، ما بها؟
‎أحمد:- لقد أعجبت بها كثيرا وبأخلاقها، وقد قرّرت خطبتها فكما تعلم هذا آخر فصل لي بالجامعة، فما رأيك؟
‎عبد الرّحمن:- إنّ فاطمة فتاة خلوقة ومؤدبة ملتزمة بدينها، وهي متفوّقة أيضا ونعم الاختيار يا أحمد
‎أحمد:- إذا سأستشير أهلي بالموضوع، وبعدها سأتقدّم لخطبتها، ولكنّني لا أعرف أهلها
‎عبد الرّحمن:- إنّها تسكن مع عمّتها هنا، بعد أن تستشير أهلك، سأرتّب مع ياسمين، لتتقدّم لخطبتها من عمّتها,
‎أحمد شكراً لك يا أخي عبد الرّحمن، لا أدري ماذا كنت سأفعل بدونك.
‎عاد كلّ من أحمد وعبد الرّحمن إلى بيتهما وقرر أحمد أن يهاتف أهله في الوطن، ويخبرهم بأمر رغبته بالخطبة.
‎أخبر أحمد عبد الرّحمن، بقبول والده بالخطبة، فرح عبد الرّحمن كثيراً، وقال:- سنحتفل بهذا الخبر، هيّا معي لنذهب إلى محلّ الحلويات، أنا سآكل وأنت ستدفع, ضحك الاثنان,
‎قال أحمد:- واللهّ يا عبد الرّحمن، أنت تستحقّ أكثر من ذلك؛ فقد وقفت بجانبي دائماً
‎عبد الرّحمن: لا تقل ذلك يا أحمد فأنت مثل أخي، ويكفي أن تكون فلسطيني,
‎هههههههه ضحك الاثنان، وأمضيا سهرة جميلة.
‎اقتربت الامتحانات، واجتهد أحمد كثيراً، وقدّم الامتحانات، وجهّز نفسه للسّفر إلى فلسطين.
‎حضر عبد الرّحمن إلى بيت أحمد، ليودّعه، دقّ الباب وفتح له أحمد، واستقبله أحسن استقبال، جلس الشّابّان يتحدّثان.
‎عبد الرّحمن:- لا أعلم كيف سأقضي الوقت بدونك,
‎أحمد:- لا تقلق يا عبد الرّحمن، لن أطيل الغياب، بعد العيد مباشرة سأعود بإذن اللّه.
‎عبد الرّحمن :- ههههههه وستكون الفرحة فرحتان إن شاء اللّه، بلّغ سلامي يا أحمد لأهلنا في فلسطين الحبيبة.
‎ وأخبرهم أنّ قلوبنا معهم والفرج قريب بإذن اللّه
‎أحمد:- بارك اللّه يا عبد الرّحمن، نحن نعلم أنّكم تحبّوننا، وتدعمون قضيتنا، إن شاء اللّه سنصلّي قريباً معاً في المسجد الأقصى.
‎عبد الرّحمن :- أمين يا ربّ العالمين، هيّا أحمد سأوصلك إلى المطار.
‎انطلق الاثنان نحو المطار، ودّع أحمد عبد الرحمن وركب طائرته متجهاً إلى الأردن، ليخوض بعدها رحلة، عذاب للدّخول إلى فلسطين عبر الجسر فالصهاينة لن يتركوه يمرّ بسهولة لكنه يقول في نفسه:- لا بأس كلّه فداءً لفلسطين الحبيبة.
‎وصل أحمد إلى قريته صرّة، واستقبله أهل قريته بحفاوة شديدة، فهو شخص محبوب وقبل يد والده ووالدته، كان موقفاً مؤثراً، عندما احتضن أحمد والدته، وهي تبكي من الفرحة لرؤيته، كان الوقت في شهر رمضان، وكان الجميع صائماً، ويا لجمال رمضان بين الأهل هكذا كان يقول أحمد دائماً.
‎قال أحمد لأمّه:- يا للّه يا أمّي! كم اشتقت للطّعام الّذي تعدّينه,
‎أمّ أحمد: لقد أعددت لك يا أحمد طعامك المفضّل، أعددت لك مسخّن,
‎أحمد:- حقاً، آه كم اشتقت لهذه الأكلة، وخاصّة من صنع يديك، يا غالية.
‎لم يمرّ وقت طويل، وأذن المؤذن لصلاة المغرب تحلقت عائلة أحمد حول الطاولة؛ لتناول طعام الإفطار، أخذ أحمد ينظر إلى أفراد أسرته، فرداً فرداً والمشاعر تفيض منه شوقاً إليهم، ولتجمّعهم معاً على مائدة الإفطار.
‎تناولوا طعام الإفطار، ومن ثمّ توجّهوا إلى المسجد؛ لأداء صلاة العشاء والتّراويح، بعد الصّلاة توجّه أصدقاء أحمد إلى بيته للجلوس معه والتّحدّث إليه.
‎قال علاء صديق أحمد:- ما هذه الغيبة يا أحمد لقد اشتقنا لك كثيراً,
‎أحمد كان جالس بين أصدقائه سعيداً جداً: وأنا أيضاً اشتقت لكم كثيرا ولبلدي وللأقصى,
‎علاء:- هل تذكر يا أحمد عندما ذهبنا أنا وأنت في رمضان قبل أربعة سنين، إلى الأقصى وقام الصّهاينة بإرجاعنا وقفزنا من فوق الأسوار، ودخلنا إلى المسجد الأقصى، رغماً عنهم,
‎أحمد:- آه كم اشتقت للصّلاة في الأقصى.
‎دخلت أمّ أحمد وهي تحمل، طبقاً من القطايف وهي حلويّات فلسطينية تصنع في شهر رمضان بشكل خاص.
‎أخذ علاء الطّبق من أمّ أحمد وقال:- أعطني الطّبق يا خالتي، سأريحك منه,
‎قال أحمد:- (ولكن لا تأكله كلّه أترك لنا القليل), ضحك الجميع وبدوءا بتناول القطايف وكانت سهرة جميلة، مضى رمضان سريعاً بين الأهل، وجاء العيد، وفرح الأطفال والكبار، والجميع يقوم بمعايدة الجميع، تكافل اجتماعي، وترابط أسريّ رائع.
‎بعد مضيّ العيد،
‎اتمّ أحمد إجراءات السّفر لأهله، ودّعوا الأهل والأصحاب، وتوجّهوا إلى الجسر، كانوا فرحين فهم متوجّهون لخطبة عروس لابنهم العزيز.
‎ولكن هل سيتركهم الاحتلال يعيشون فرحتهم وكلنا نعرف الإجابة، فالاحتلال لا يدع الشّعب الفلسطينيّ، يعيش فرحة دون أن ينغّص عليه، بأيّ شكل من الأشكال,.
‎بعد وصولهم للشبّاك التّفتيش على الجوازات، منعوا والد أحمد من المرور، وذلك بحجّة، أنّه ممنوع من السّفر لأسباب أمنية.
‎لقد كان والد أحمد أسيراً محرراً، تمّ الإفراج عنه في صفقة وفاء الأحرار الأولى.
‎حزن أحمد كثيراً وغضب غضباً شديداً، فوالده لن يتمكّن من حضور خطبته، والسّبب أولئك الجبناء، قامت أمّ أحمد بتهدئته، وودّعوا أبو أحمد والدّموع تنهمر ناراً ستحرق بني صهيون في يوم ما
‎ازداد كره أحمد للصّهاينة، وفي قرارة نفسه، كان يردّد دائماً، (سننتصر عليكم وستخرجون من هذه الأرض الطاهرة ذليلين).
‎وصلوا إلى سكن أحمد بعد صلاة العشاء؛ فالرّحلة بالطائرة، لم تستغرق سوى بضع ساعات, تناولوا العشاء ليلتها، وطمأنوا الأهل على وصولهم بالسّلامة، وناموا ليلتها بسرعة؛ من شدّة التعب .
‎في اليوم التّالي علم عبد الرّحمن، بعودة أحمد وأنّه أحضر أمّه معه أخذ أخته ياسمين وذهبوا لزيارتهم وتهنئتهم بالسّلامة.
‎بعد السّلامات والقبلات، جلسوا في بيت أحمد. قال عبد الرّحمن: (كيف حالك يا خالتي), أمّ أحمد:- بخير يا ولدي، لقد شكر أحمد بك كثيرا وقد أحببتك قبل أن أراك,
‎عبد الرّحمن:- هذا من طيب أصله وأنا أحببتك يا خالتي كثيراً، وأريد منك طلبا,
‎عالية أريد أن تقومي بطبخ المسخّن، فمن كثرة ما يخبرني عنها أحمد، أريد أن تذوقها
‎أمّ أحمد:- تكرم عينك يا ولدي,
‎أحمد:- دائماً همّك الأكبر هو بطنك,
‎ضحك الجميع.
‎قال أحمد:- أمّي هذه أخت عبد الرّحمن، وهي صديقة فاطمة,
‎أمّ أحمد:- تشرّفت بمعرفتك يا حبيبتي,
‎ياسمين:- وأنا أكثر يا خالتي,
‎أمّ أحمد:- نريد منك أن ترتبي لنا موعداً مع عمّة فاطمة، حتّى نذهب لزيارتهم,
‎ياسمين:- حاضر خالتي سأرتب موعداً غداً بإذن اللّه.
‎أمّ أحمد:-توكّلنا على اللّه، اللّهم اجعله خيراً.
‎عاد عبد الرّحمن وياسمين إلى بيتهم، وذهبت أمّ أحمد للنّوم,
‎تمدد أحمد على سريره، واضعاً يده تحت رأسه كالعادة، وسرحت به أفكاره،
‎غداً سأرى فاطمة آه كم اشتقت لها، لا أصدق نفسي ،سأتزوج الفتاة الّتي أحببتها ،وبقي المسكين العاشق، على هذه الحال حتّى غلبته عيناه ونام أخيراً.
‎رتّبت ياسمين لأحمد وأمّه موعداً، مع عمّة فاطمة وذهبوا إلى بيتها.
‎دقّ أحمد الباب، وهو متشوّق لرؤية حبيبته فتحت عمّة فاطمة الباب، حزن أحمد فقد خاب أمله ظنّ أنّ فاطمة ستفتح لهم الباب، استقبلت عمّة فاطمة أمّ أحمد بحفاوة وأدخلتهم إلى الصالون.
‎جلس أحمد، وبدأ الحديث بين أمّ أحمد وعمّة فاطمة، كان أحمد جالساً يترقّب دخول حبيبته من الباب، ينظر إلى الباب منتظرا ثم ينظر إلى أمّ جلال تارّة أخرى صحيح لم أخبركم، أمّ جلال هي عمّة فاطمة.
‎إذا نعود لصديقنا العاشق المشتاق كان يجلس هناك، يتصنّع الاستماع لحديثهن، ولكنّه في الحقيقة كان يفكّر بحبيبته، ولماذا لم تظهر حتّى الآن؟
‎دخلت فاطمة إلى الصالون، وأحمد كان ينظر إلى الأرض مشغول التفكير قالت فاطمة بخجل شديد:- السّلام عليكم,
‎ردّ أحمد بسرعة وعليكم السّلام، وبالطّبع صافحت أمّ أحمد وقبلتها، وجلست,
‎لم يستطع أحمد أن يزيح نظره عنها، فو مشتاق لها كثيراً، أمّ أحمد أخذت تتحدّث معها، وما زال أحمد ينظر إليها انتهت الزّيارة على أن يتم الرّد على طلب خطبتهم خلال أيام حتى تتمّ استشارة والد فاطمة في الوطن
‎عاد أحمد إلى بيته مع أمّه، وصورة حبيبته لم تفارق خياله لحظة,
‎مرّت الأيّام بطيئة، وكلّ يوم يتّصل أحمد بياسمين، ويسألها إن كان هناك ردّ من أهل فاطمة، وتكون الإجابة بالنّفي.
‎بعد عدّة أيّام، رنّ هاتف بيت أحمد رد أحمد: السّلام عليكم,
‎وكان المتّصل عبد الرّحمن: وعليكم السّلام، أحمد أريد الحلوان,
‎أحمد: هيّا تكلّم,
‎اتّصلت الخالة أمّ جلال قبل قليل وقد وافق والد فاطمة على خطبتكما
‎أحمد بفرح شديد: اللّه يبشرك بالخير، يا وجه السعد اطلب أيّ شيء، كيلو كنافة، أيّ شيء.
‎وهما يضحكان فرحا أغلق أحمد الهاتف,
‎خرجت أمّ أحمد من الغرفة , ما بك يا أحمد ؟!ماذا حصل؟
‎أحمد:- لقد وافقوا يا أمّي.
‎أخذت أمّ أحمد تزغرد وتبكي وتحتضن ابنها
‎أحمد: هيّا يا أمّي اتّصلي بهم؛ لتحديد موعد للزّيارة، حتّى نحدّد موعداً للخطوبة وعقد القران.
‎وبالفعل اتّصلت أمّ أحمد وذهبوا لزيارتهم، وتمّ تحديد موعد للخطوبة وعقد القران,
‎وفي يوم الخطبة، وبعد عقد القران، جلس أحمد بجانب حبيبته، وأمسك يدها، وقال: وأخيراً لقد أصبحتي ، خطيبتي، يا للّه كم تمنيت هذا اليوم، الحمد للّه.
‎ابتسمت فاطمة خجلاً,
‎وتوالت الأيام، وعادت أمّ أحمد إلى فلسطين وعاد أحمد وفاطمة إلى جامعتهما، فقد اتفق الجميع، على أن يكون الزّواج بعد تخرّجهما من الجامعة.
‎كان الحبيبان يلتقيان، في الجامعة، في الكافتيريا ويتصادفان أمام قاعات المحاضرات ويخرجان معاً؛ لتناول الغداء في المطعم، أمضيا أيّاماً جميلة معاً.
‎وفي أحد الأيّام،
‎في ساعات المساء، اتّصل عبد الرّحمن بأحمد؛ ليطمئنّ عليه، فقال له: أحمد تعال لزيارتي؛ حتّى نتسلّى قليلا ونتكلم، فأنا لم أرك منذ فترة، فقد أخذتك خطيبتك منا أو أنّك ربّما لا تريد أن تطعمني من المقدوس الّذي صنعته خالتي أمّ أحمد, قال: ذلك وهو يضحك,
‎ضحك أحمد وقال:- تعال أنت، إلى بيتي فقد اشتقت لك كثيرا وتكرم عينك أبو بطن كبير، سأطعمك من المقدوس الّذي صنعته أمّي.
‎عبد الرّحمن:- ما دمت ستطعمني مكدوس فلسطيني، سآتي فوراً, أحمد : أهلاً وسهلاً بك، سأكون بانتظارك.
‎جلس أحمد ينتظر عبد الرّحمن، وهو يجهّز له عشاء فلسطينيا مكدوس ولبنة بزّيت الزّيتون,
‎طرق عبد الرّحمن الباب، وأدخله أحمد وكان قد جهّز الشّاي,
‎دخل عبد الرّحمن وقال: آه رائحة الشّاي.
‎أحمد: تفضّل، أكبر همّك بطنك، أليس كذلك؟ تعال لقد وضعت العشاء أمام التّلفاز
‎عبد الرّحمن: ما شاء اللّه، لبنة بزيت فلسطينيّ، هيّا اجلس أريد أن آكل
‎ضحك الاثنان، وجلسا يتناولان الطّعام، ويشاهدان أحد القنوات الفلسطينية.
‎كان هناك تقرير عن المقاومة الفلسطينية
‎؟ عبد الرحمن يسأل
‎أحمد: من هم المقاومون؟ وكيف يتمّ اختيارهم؟
‎وهل هم جيش؟
‎أحمد: هم أبناء الشّعب، الفلسطينيّ من خيرة
‎الشّباب، متعلّمون ومثقّفون، عمّال وموظّفون، أساتذة جامعة ومهندسون، يتم اختيار من يحبّ وطنه،
‎وينتمي إليه، وعلى استعداد أن يموت من أجله، وفي سبيل التّحرير وعودة الحقوق لأصحابها، وأن يكون ذا أخلاق.
‎عبد الرّحمن: يا اللّه لو أنّني جنديّ معهم، أقاتل كما يقاتلون، واستشهد في سبيل اللّه، ومن أجل الأقصى، وأروي بدمي تراب تلك الأرض الطّاهرة.
‎أحمد: اصبر ففي علمنا ندعم المقاومة؛ فالمتعلّم أوّل من يقاوم، وآخر من ينكسر.
‎بينما هما جالسان يشاهدان التّلفاز، إذ بخبر عاجل أسفل الشّاشة
‎مصادر إسرائيلية تتحدّث،
‎عن تسلّل عدد من المقاومين، داخل موقع إسرائيليّ،
‎شمال القطاع واشتباكات تدور في المكان,
‎أحمد وعبدالرّحمن: اللّه أكبر حيّ اللّه المقاومة,
‎بعد عدّة دقائق خبر عاجل، مقتل عدد من الجنود، وخطف آخر، واستشهاد اثنين من المقاومين، وبدآ بالتّكبير مرّة أخرى.
‎اتّصل أحمد بفاطمة، وأخبره ما حدث في غزّة.
‎فقالت: نعم أنا اتابع، حيّ اللّه المقاومة.


كتب: أحمد عبدالله أبو النصر



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورمليونيةغزةتنطلقرفضالقرارترامب
صورانطلاقةحركةحماسال30فيغزة
صورميسرةلحركةحماسفيغزةفيالذكرى30لانطلاقتها
صورمستعربونيختطفونشباناعندالمدخلالشماليلمدينةالبيرة

الأكثر قراءة