2018-12-11الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس10
رام الله10
نابلس11
جنين13
الخليل10
غزة15
رفح16
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-05-25 06:09:32

عن رام الله: المدينة والمستوطنة

بين القاعة والمدينة أنا منقسم بين الكلام والنظر. أدخل القاعة وأسمع زملائي الروائيين يتحدثون من منصة قاعة البلدية عن المنفى، المكان، الهوية، الحرب، الثورات. أستمع وأنسى وجودي في المدينة مستعيضاً عن المكان بالكلمات. الكلمات تعيد المكان لمن فقده في المنفى. تجربة الروائيين الفلسطينيين تعلمنا هذا التمسك بالمكان وتثبيته بالذاكرة. فقبل أن يبدأ فعل المقاومة كان الفلسطيني يعيش الزمن مقلوباً. بالحنين يتوهم اتحاده بالمكان. في المكان يعجز الزمن عن تسريع الذاكرة وتتجول الذاكرة بطيئاً بين لحظات الثبات السعيدة داخل المكان، وكلما ازداد التوق أوشك الوهم أن يصبح حقيقة، فيعيد الدورة بتغذية الحنين الواهم الى المكان. ويتجلى هذا التوق في مقطع من سداسية إميل حبيبي "عشرون عاماً وأنا أحلم بهذه الدورات اللولبية، هذه الطلعة لم تغب عن ذاكرتي يوماً واحداً، إني أتذكر كل منعطف منها وهي أربعة. فعدّوه! وهذا الهواء النقي، هذا الأريج أعرفه. إني أستنشق رائحة رافقني طوال العمر".

هشام شرابي في كتابه "عكا حجر ورماد" يستذكر المدينة في مجال مفرغ: "كنّا نسمع خطواتنا في الأزقة القديمة الخالية".

في القاعة أسمع وأعيد تصوراتي وأعيد كتابة شهادتي. في الوقت ذاته أشعر بالضيق لأن المدينة تناديني وتريد أن تريني وتسمعني روايتها.

أخرج مع الناس الذين غادروا منفاهم وعادوا واتحدوا مع المكان. هل عادوا؟ تأخذني الروائية ليانة بدر إلى "سطح مرحباً". اسم غريب لمكان يناقضه. في نهار واضح اتابع إصبعها وهو يرسم أقواساً في الفضاء بين المكان الذي نقف عليه وبين مستوطنات "بيت أيل" و "بيساغوت" أمامنا. في المساحة بيننا تتصارع جدران الإسمنت وما تبقى من أشجار الزيتون. كيلومتر واحد يفصل بين مستوطنة "بيت أيل" والمقر الهش للسلطة الفلسطينية.

أقف في مكاني على هذا القرب وأتخيل مستوطناً يراقبني من برج الحراسة، يراقب إصبع ليانة، يشير إليه بالتحديد فيلتف إصبعه ببطء على زناد رشاش عوزي. ستأتي الرصاصة وهي تصفر في الهواء قاطعة المدى القصير لتستقر في الجبهة بين عيني. يسيل دمي وأنا واقف في مكاني في خط المسافة بين أشجار الزيتون وأغصان السيسبان الجافة، يقطع طريق المدرعات اللولبي بين مستوطنة بساغوت ومعسكر عوفر حيث السجن الذي يشهد إضراب الأمعاء الخاوية. انتظر الرصاصة ذاهلاً وأنا أتابع إصبع ليانة. بعد عشرة أيام أعود الى لندن وأقف عند شباك شقتي في "لايكسايد درايف" وانظر الى شباك بيت مقابل وأتخيل المشهد نفسه: خلف لمعة الزجاج في البيت المقابل مستوطن ممسك برشاشه العوزي، إصبعه على الزناد ينتظر مني خطيئة ما، او يفترض الخطيئة حين لا تكون، فيجر الزناد ليطلق رصاصته... هذه هي طريقته ليخبرني: أنا هنا! كيف يمكن للحياة أن تنساب تحت إصبع على الزناد؟ وكيف يمكن بناء الدولة حين تتجه لها المستوطنات العدوة في شكل سهم وتطوقها كحدود حصان؟ "أدري أن عادات الحياة كفيلة بالنسيان، لكن هذه الرصاصة المفترضة أطلقت منذ زمن، وهي نائمة في تلافيف الدماغ". هكذا تقول شهادة ليانة في روايتها "تفاصيل الحياة ذاتها تتحكم بها الآن". لتستمر الحياة، ينبغي أن نقر بوجود الرصاصة ونعتاد الألم مثل صداع دائم. لم تكن هذه المستوطنات موجودة قبل اتفاق أوسلو. ٥٠ في المئة منها بنيت بعده. بناء عشوائي يستهدف احتلال الأرض قبل بناء بيت أمين. يبدأ بتشييد كرفانات، كأنها بيوت طارئة ثم يأكل الإسمنت حقول الزيتون. حرب الإسمنت هذه مرت على أجساد أشجار الزيتون. في روايتها "الخيمة البيضاء" تصف ليانة هذه المستوطنة "بارجة عسكرية تريد فرض منطقها على أصحاب الأرض حولها". وتروي كيف كانت هذه المستوطنة البارجة، أيام الانتفاضة الثانية تخوض الحرب من طرف واحد على عدو بلا جيش. أسأل ليانة عن البيت والمكان فتقول: "يمكن المكان أن يعيش داخلك كحقيقة ورواية. بينما الرواية تجعله مكاناً متخيلاً. الامكنة تعيش فينا حينما نعرفها".

أذهب مع الشاعر زكريا محمد في الطريق الى قريته "الزاوية". يدقق في الأرض فتسقط عينه فجأة على نبتة نسيها فجفّت. يمد أصابعه فيمسح الوبر الجاف ويكتب لكل نبتة قصيدة. سلمى تقود السيارة عبر الطرق الالتفافية التي تعرفها كما راحة يدها، وتترك لزكريا أن يرش للنباتات أسماءها. كنت الوحيد، كما يكتب زكريا، "الذي يتجول في احتفال الأسماء باسم وجسد. لكن جسدي كان خفيفاً كأنه نبيذ لاسمي".

من التلال تسقط قرية زكريا في شكل قوس في واد أخضر جنوب غربي نابلس، على الخط الأخضر الذي توقفت عنده المدافع عام ١٩٤٨: هذا هو بيتنا! بناه والدي في طرف القرية. وكانت أمي تبكي طوال الليل وهي تسمع عواء الذئاب في الحقول المحاذية. تلوم والدي: لم اخترت هذه البرية الموحشة؟ وكان جوابه: الصبر! نصعد الى سطح بيتهم فيمتد نظرنا: خلفنا مقام النبي موسى. من مزاغله رأينا الصحراء حولنا. سيأتي الغزاة من فجوة بين تلال الرمل والملح. من هذه المزاغل سأراهم وقد انكشفوا وسط سحابة من غبار. سأنفذ البوق لأنذر الحرس، لكن الوقت قد فات، فعبر الغزاة الأسوار. البحر الميت على اليمين وخلفه الأردن. من جبل الشيطان في أريحا حيث اختبر الشيطان المسيح أربعين يوماً، رأيت أضواء الأردن وكسر الغبار بريقها. أريحا على اليسار... في هذه القرية يحمل الكبار قصصاً أسطورية عن جنرال عراقي حاد النظرات اسمه عبدالكريم قاسم كان أذاق الإسرائيليين الويلات خلال حرب ١٩٤٨. يحفظون حتى الزاوية التي كان يحلق فيها لحيته.

يقول زكريا إنه ما عاد يعرف قريته من كثرة المستوطنات حولها: مستوطنة حلميش على أبواب بيتريما. مستوطنة أريه. علينا أن نقطع 15 كيلومتراً لنتحاشاها. مستوطنة القنة التي أقيمت على أراضي قريتنا، ودمرت "مغارة النطّافة" لإقامة جدار يحمي المستوطنين المسلحين منّا، نحن العزل، أمام مدافعهم. البطل في رواية زكريا كان نائماً في العراء وحده حين "رأيت سيارة عسكرية تتوقف. نزل منها جنود.

ماذا يريد الجنود هنا؟ كنت أرى ولا أفهم. فقد كنت على وشك أن اكتمل حجراً. وفجأة صوب الجنود مدفع كتف إلى السيارة، كانوا يريدون تفجيرها، فانتبهت. عدت لحماً ودماً. انعكست الحركة. انكسر الصمت. سقطت من الطبقات العليا. سقطت على الأرض. عاد الدم يسري محولاً الحجر إلى لحم، بدءاً من الصدر نزولاً حتى الإبهام. عدت كائناً من هنا. من بلد مفتوق. نهضت وصرخت بهم: ماذا تريدون؟ هذه سيارتي. توقفوا. نزلت إليهم ركضاً. سألني واحد بعربية مكسرة: لماذا تضع سيارتك هنا؟ رددت: أين أضعها، إذاً؟ هل أصدرتم أمراً بمنع وقوف السيارات في الخلاء على جانب الطريق؟ طلب مني أن أفتح السيارة. فتحتها. فتشوها. سألني أحدهم شيئاً بالعبرية. قلت: أنا لا أفهم العبرية. سأل آخر بالإنكليزية: ماذا تفعل هنا؟ قلت له: ألعب. رد: هنا؟ قلت: أين تريدني أن أفعل ذلك؟ في تل أبيب؟ أنتم تقفلون الطرق إليها. وذهبوا... وذهبت".

في كتابه الباهر عن رام الله يعتبر جميل هلال المدينة "خدعة". لأن السلطة الفلسطينية وضعت في المدينة رحالها عام ١٩٩٤ باعتقاد أنها محطة موقتة، تغادرها مع قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس. لم يتحقق حتى القليل من هذا الحلم على رغم مرور أكثر من عقدين على اتفاق أوسلو، ولن يتحقق، كما يرى جميل، في المستقبل المرئي. إسرائيل تنفي هذا الحلم، لا بالقول، إنما بالإسمنت الصلب الذي تتناسل به المستوطنات في مدينة السلطة الفلسطينية. طوق المستوطنات والحواجز يعزل الفلسطينيين عن عمقهم العربي، يريد أن ينسيهم هويتهم. وزير الثقافة الشاب إيهاب بسيسو، وهو يرحب بالروائيين العرب، يذكرنا بأهمية حضورنا لفك الحصار الثقافي الذي تريد إسرائيل فرضه. يريد أن يتسع فضاء الرواية لتلتقي النهايات، أو البدايات بعضها ببعض.

في الشارع الذي يمر تحت المستوطنة يتقاطع موكبان، موكب فلسطيني من بضع سيارات مدنية تحمل شباناً حملوا أعلاماً سوداء ترمز للنكبة التي تقترب من عامها السبعين، يقابله موكب آخر لمستوطنين اسرائيليين يلوحون للقرية العربية تحتهم بأعلام بيضاء تحتفل بـ "يوم الاستقلال". معنيان متعارضان ليوم واحد. لا شيء يدل على التطبيع بالمعنى الشعبي للكلمة. فبعد أكثر من ٢٢ عاماً من اتفاق أوسلو، لا يبدو السلام قريباً على رغم هدوء المدافع. ففي غياب موقف عربي مساند ومع سلطة تسلم بالأمر الواقع تريد حكومة نتانياهو التذكير بأنها لا تزال العدو القوي المهيمن على كل بيت فلسطيني: "نحن هنا!"، قادرون في كل لحظة على اختراق هذا الكيان الفلسطيني الهش. متحف عرفات يشهد بذلك. كأنني رأيته عن قرب وأنا أدخل من المتحف الى المكتب. عجبت من قدرته على التحمل بعد أن هدمت الدبابات كل ما حوله ولم يبق ما يحميه غير جدران هشة. رأيته يقطع هذه الغرفة الضيقة مثل ذئب. فقد اتسعت صحراؤه وانحبس في قفص ضيق. رأيت القدر الوحيد الذي يطبخ فيه طعامه والطست الذي يغسل فيه ملابسه والفراش الذي كان ينام فيه على الأرض ليحجب نفسه عن قناص المستوطنة. أحببته محاصراً كما أحببته هارباً من المكان في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي. أحببته في مقطوعة محمود درويش "عرفات والبحر". لم يكن جسداً، إنما شعب محاصر. في غيابه جسّد الشعب حصار قائده.

الإذلال هو طريق نتانياهو الوحيد لتطبيق السلام. يقابله الغضب، هذا الغضب المدفون في الذات الفلسطينية، حين تصرخ أو تسكت. إضراب الأسرى (١٨٠٠ سجين) كان دخل يومه الثامن والعشرين. في معظم المدن الفلسطينية نصبت خيام الاعتصام وتغطت بصور المساجين. في ساحة الساعة برام الله شكت الأمهات وهن يحملن صور الأبناء المساجين من الغموض الذي يحيط بمصائر الأبناء والأزواج. لا تسمح السلطات الإسرائيلية للأمهات والزوجات بمقابلة ذويهن. ولم تسمح لأطباء فلسطينيين بمعاينة حالات المضربين التي وصلت الى حافة الموت. اتطلع في صور الشبان المضربين عن الطعام... الى أي مدى يستطيعون التحمل؟ الجوع، هذه الغريزة الحيوانية التي تعبر عن نفسها بصراخ الوليد لحظة خروجه للحياة. عزّل ومقيدون، يقاومون سجانيهم بالسلاح الوحيد الذي يملكون والذي لا يستطيع السجان أن ينتزعه منهم: الألم! أتطلع في صورهم. غريب! إنهم يشبهوني أنا الواقف أمام صورهم. أمد يدي وأمسك معدتي فيعصرني جوعهم. هنا، داخل خيمة الاعتصام ووجهي لـ "بيت أيل". كدت أسمع صفير الرصاصة الآتية نحوي.

زهير الجزائري 

* كاتب وروائي عراقي



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورقواتالاحتلالتقتحممقروكالةالانباالفلسطينيةالرسميةوفافيرامالله
صورجيشالاحتلاليقتحمحيالارسالفيالبيرة
صورقواتالاحتلالتقتحمحيالمصايففيالبيرة
صوراحياالذكرىالرابعةلاستشهادالوزيرزيادابوعينفيقريةالخانالاحمرالمهددةبالهدم

الأكثر قراءة