2018-12-10الإثنين
المدينة اليومالحالة
القدس11
رام الله10
نابلس11
جنين15
الخليل10
غزة17
رفح18
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-06-21 06:34:13

أكثر جهلاً... لا أكثر صهيونية!

عُنوان المقال أعلاه: "أكثر جهلاً، لا أكثر صهيونية"، هو بالأصل لمقال ترجمته "الأيام" الفلسطينية عن "هآرتس" 21/10/2009، وكَتَبه رئيس قسم الدراسات الإسلامية والشرق الأوسط في الجامعة العبرية، البروفسور إيلي فودا، إثر مَنْع وزارة التربية في إسرائيل تدريس كتاب تاريخ مُخصَّص للمدارس الثانوية فيها، يحمل عنوان "يبنون دولة في الشرق الأوسط"، بسبب "اشتماله على مقاطع غير مناسبة للدراسة". ذكر فودا بأن "الغضب ثار" على جزء الكتاب الذي "تناول نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين (...) من ثلاث وجهات نظر مختلفة"، إجابة عن سؤال: "ما الذي سبَّب خروج اللاجئين الفلسطينيين من المنطقة التي تقع تحت سيطرة يهودية، أهو الهرب أم الطرد"؟

ذَكَر فودا أن "وجهة النظر الأولى في الكتاب هي ليوحنان كوهين من (...) وزارة الخارجية، والثانية لوليد الخالدي، وهو مؤرخ فلسطيني، والثالثة لبني موريس، وهو مؤرخ إسرائيلي (...). أثار الخلاف، بطبيعة الأمر، جُزء المؤرخ الفلسطيني، الذي اقتُبس من كلامه على هذا النحو: "الخطة (دالت) كانت فرصة تاريخية (لليهود) لتطهير فلسطين من العرب، ونفي الوجود العربي بمحوه ببساطة". زُعِم في النقد الذي وُجِّه إلى الكتاب أن هذا المقطع يمنح الدعوى الفلسطينية في شأن "التطهير العرقي" الذي تم على أيدي اليهود في حرب 1948، شرعية.

فسّر فودا رفضه قرار وزارة التربية الإسرائيلية سَحْب الكتاب من التداول، أي إلغاء تدريسه، بالتالي: "يُبين فحص الخطة الدراسية الجديدة في التاريخ أن هذا المقطع يُساوق توجيهاتها، التي تقول إنه في كل ما يتصل بتنمية تفهم وتسامح مع مشاعر، وتراث، وثقافة ونهج حياة الآخر، ينبغي الاعتراف "بوجود وجهات نظر مختلفة وتوجهات مختلفة إلى كل موضوع أو حدث أو مسيرة". زاد مُؤكِّداً رأيه: "جميع الكتب الدراسية في التاريخ التي أُجيز استعمالها في جهاز التربية الرسمي (الإسرائيلي) تَذْكُر النكبة على نحو ما. وهي تعرضها على أنها تعبير عن وجهة النظر الفلسطينية لحرب 1948. وجهة النظر هذه تشتمل على اتهام اليهود بالكارثة الفلسطينية".

خَتَم فودا بتأكيد أن مصلحة إسرائيل هي في تضمين كتابها المدرسي وجهة نظر الفلسطينيين: "فالطالب الذي يتعرض لهذه المعلومات في الإنترنت أو في لقاء مع شبان عرب، سيضطر إلى مواجهة قضايا صعبة أخفتها عنه الكتب الدراسية. لا شك في أن مُواجهة سابقة، بتوجيه من مُعَلِّمْ خبير بالتاريخ، أفضل"، وأن تحصين الإسرائيلي أمام مُحاوره الفلسطيني، يكون بالمعرفة لا بالتجهيل، فـــ "لا يُغرِيَنّ وزارة التربية أو وزير التربية أن يزيلوا من الكتب الدراسية مقاطع تتناول وجهة نظر الآخر. فإجراء كهذا لن يجعل الطالب أكثر صهيونية بل أكثر جهلاً".

استعدت مقال فودا عام 2009، بمناسبة الحديث عن نكبة 1948 ونكسة 1967، كما بَدَت عام 2017، لسببين: الأول، إن إسرائيل بدأت تتمشْرَق، حين توغلت في ثقافة الإنكار، بما هو مُؤشِّر انحطاط فكري له نتائج تدميرية على مُقترفها. ذلك ليس تفصيلاً، ويستحق مُعالَجة مُنفصِلة ولاحِقة، أكثر تأنِّياً وتقصِّياً واستشرافاً، بخاصة وقد غاب تقريباً عن معظم الكتابات العربية حول النكبة والنكسة، التي تناولت كل شيء، ربما، باستثناء طرح وإجابة السؤال المفتاح: لماذا نكبة ونكسة مستدامتان في ناحية، وفوز وتقدّم مستمران في أخرى؟

السبب الثاني، ومُبرر المقال، أني كل عام، وبمُناسبتي النكبة والنكسة، أُحاول تقديم صورة عن إسرائيل تعتمِد المـُعطى الرسمي والدقيق، الذي كُنت أجده، مُنذ تورطت في البحث العلمي قبل 45 عاماً، في كتاب سنوي يُصدره المكتب المركزي للإحصاءات الإسرائيلية، وكان مُتوفراً في مكتبتي "مركز الأبحاث الفلسطيني" و "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، ومتوفراً في صيغة نُسخ ورقية حتى 2015، والكترونية حتى الآن، على موقع المكتب المذكور!

منذ حوالى عامين لم يعد موقع المكتب المذكور متوفّراً على الإنترنت. ظننت بداية أن السبب عطل فني في الموقع، إلى أن أفادني غير زميل مُقيم خارج لبنان أنه متوافر هناك، ما يعني أنه حُجب عن المـُتابع المـقيم في لبنان، الذي صار والحال هذه عاجزاً عن الاستفادة من الأرقام التي يُوفِّرها الموقع المذكور، في أبحاث ومقالات قد يجريها!

أفترض أن جهة رسمية ذات صِفة وسلطة، هي مَن يستطيع الحجب، ولسبب افتراضي: اعتبار أمني سياسي، مُبرِّره كالعادة: مصلحة القضية الفلسطينية. لست في وارد مناقشة حيثية كهذه، لو وُجِدت، لكن أول ما تبادر إلى ذهني، بعد انكشاف أمر الحجب هذا، هو عنوان فودا: "أكثر جهلاً، لا أكثر صهيونية"، فكان أن سألت نفسي، وأجبتها بمرارة: إنني نتيجة القرار أعلاه أصبحت "أكثر جهلاً، لا أكثر وطنية أو قومية، فلسطينية أو عروبة"!

لعل هذه الخطوة أشد ضربة تُوجَّه لوعينا واقع حال إسرائيل، لأن كتب الإحصاءات الإسرائيلية الرسمية هي الوحيدة التي تُقدِّم مُعطيات رقمية خاماً وشاملة، كَوْن الواحد منها، ويقع بأكثر من ألف صفحة، يتضمَّن فقط شروحاً تُوضِّح المقصود بالمصطلحات الفنية الوارِدة في كل واحد من 28 فصلاً توزَّع عليها الكتاب، وهي:

(1) المعطيات الجيوفيزيائية (2) السكان (3) الإحصاءات الحيوية (مواليد ووفيات وزواج الخ...) (4) الهجرة (5) الإسكان (6) الصحة (7) الرفاه (8) التعليم (9) الثقافة والترفيه والرياضة (10) الحكومة والسلطات الحكومية (11) القضاء (12) العمالة والأجور (13) الأسعار (14) الحسابات القومية (15) ميزان المدفوعات (16) التجارة الخارجية (17) التمويل وأسواق رأس المال (18) قطاع الأعمال (خدمات) (19) الزراعة (20) التصنيع (21) الطاقة والمياه (22) البناء (23) السياحة والفنادق (24) النقل والمواصلات (25) البنوك والتأمين (26) البحث والتطوير (27) البيئة (28) مقارنات دولية (إسرائيل والخارج).

هذه هي عناوين فصول كتب الإحصاء الإسرائيلي محل الحجْب، وحيث يتفرَّع كل عنوان رئيس إلى عشرات العناوين الفرعية، التي لا تترك مجالاً في إسرائيل إلا وتُقدِّم معلومات وافية عنه، على المدى من الناتج المحلي ومُخصص البحث العلمي منه، إلى عدد مرضى الإيدز والولادات لأمهات عازبات. وعليه، لمصلحة مَن حَجْب كل هذا، وهل يستطيع أي كاتب أن ينجز عملاً جدياً حول إسرائيل، في أي مجال كان، من دون العودة إلى المصدر المشار إليه؟!

لو تجاوزنا مقولات "اعرف عدوك" و "الحق في المعرفة" و "العِلم نور"، فالسؤال المفتاح: مَن يستفيد من الجَهْل بإسرائيل، سواء شاء حرباً أو أراد سلماً؟! هل حقَّقنا إنجازاً ما في مُواجَهتها إلا حين عرفناها على نحو أفضل؟! هل أدى حَجْب المعلومات الصحيحة سوى إلى حضور الخرافات، التي لن تأتينا إلا بمزيد من النكبات؟!

بعد نَكْبَتهم عام 1948، لم يذهب الفلسطينيون عَبَثاً في طريق معرفة عدوهم، فأسَّسوا في وقت مبكر من الستينات "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" و "مركز الأبحاث الفلسطيني". ومن هنا كان بعض امتياز بيروت عاصمةً لصناعة الفكر العربي الحديث، ثم كانت هزيمة 1967، حيث كان بين أولى بدايات رد الفعل المصري الناصري إنشاء مركز الدراسات الإسرائيلية في جريدة "الأهرام"، مُحاكياً التجربة الفلسطينية في بيروت.

أما وقد حُجِب المصدر الوحيد للمعلومات الرسمية الدقيقة حول إسرائيل، يصير السؤال: ماذا نكتب عنها؟ أم أن معرفتها صارت شُبْهة، ما يُشكِّل إدانة وتبديداً لجهود هائلة بذلها تاريخياً آلاف الباحثين الفلسطينيين والعرب، وأنتجوا معرفة لا تقدر بثمن حول إسرائيل كان يجب استكمالها وتعميقها، لا نُكرانها وتبديدها واغتيالها!

مَن حَجَب موقعاً يُقدِّم الأرقام الخام، ويستخدمه في لبنان بضعة باحثين حصراً، نسي عشرات المواقع الإسرائيلية التي تُقدِّم وُجهات نظر، ومئات المصادر العربية حيث تحتل الترجمات عن العبرية ركناً ثابتاً فيها! هذه ليست دعوة كي يتساوى الجميع في المنع، بل لإيضاح عدم المنطق في منع معلومات رقمية خام، والسماح بترجمات تحمل الغث والسمين! حجب المعرفة ليس طريقاً لفلسطين ومعيار وطنية، بل وَصْفة مضمونة لجهالة أكثر وهزائم أكبر على درب نكبة 1948 ونكسة 1967، المتناسلتين فصولاً، واللتين تزدادان تَمدُّداً وفجوراً، ما ازددنا استبداداً وجهلاً!

حسين أبو النمل 

* كاتب واقتصادي فلسطيني



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورقواتالاحتلالتقتحممقروكالةالانباالفلسطينيةالرسميةوفافيرامالله
صورجيشالاحتلاليقتحمحيالارسالفيالبيرة
صورقواتالاحتلالتقتحمحيالمصايففيالبيرة
صوراحياالذكرىالرابعةلاستشهادالوزيرزيادابوعينفيقريةالخانالاحمرالمهددةبالهدم

الأكثر قراءة