2017-09-19الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس21
رام الله21
نابلس21
جنين16
الخليل21
غزة20
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.507
دينار اردني4.957
يورو4.211
جنيه مصري0.199
ريال سعودي0.935
درهم اماراتي0.955
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2017-07-04 17:11:02

الأزمة الخليجية في ميزان القوة والتنافس

ليس من السهل فهم الأسباب التي أدت إلى نشوء أزمة بين دولتين أو قوتين، كما ولا يمكن فهم السلوك والقرار السياسي لأي قوة إقليمية ودولية، تجاه الأزمة الناشئة دون الاعتماد على النظريات السياسية التي تُشكل مرتكز رئيسي في مجال العلاقات الدولية, فالنظريات تمدنا بتفسيرات وإجابات لأسباب الأزمات والمشاكل القائمة بين الدول وطبيعة البيئة الإقليمية والدولية الحاصلة فيها الأزمة. فكل أزمة لها أسباباً سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية ودينية متداخلة مع بعضها البعض لا يمكن التقليل من أهمية وإغفال أي منها. إن القوة هي الوسيلة للوصول وتحقيق الغاية، وأن الغاية هي البقاء، ولأجل البقاء تنشغل الدول بتوازن القوى للحصول على القوة التي تمكنها من البقاء والسيطرة والهيمنة. في كتاب "مأساة سياسة القوى العظمى The Tragedy of Great Power Politics" لجون ميرشايمر، تبنى "الواقعية الهجومية Offensive Realists"، حيث ترى الواقعية الهجومية أن القوى العظمى تهتم بالدرجة الأولى بالحفاظ على بقائها في عالم لا توجد فيه هيئة أعلى من الدول لحماية إحداها من الأخرى، لذلك تدرك الدول أن القوة هي الأساس لبقائها.

بناءً على ما سبق الإشارة إليه، يمكن توظيف تلك المعطيات على الأزمة الخليجية لمحاولة التعرف على الجذور والأسباب الحقيقية وتداعيتها المستقبلية سواء على المستوى الخليجي أو حتى على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وأيضاً على مستوى المنظومة الإقليمية والدولية من حيث السلوك والقرارات والتحالفات والعلاقات.

جاء قرار إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربي في ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة، كان أكثرها خطورة على الأمن القومي لدول الخليج العربي، نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية والسعي الحثيث لتصدير الثورة إلى دول الجوار ولدعم ومساندة الطائفة الشيعية، فما كان من قادة دول الخليج العربي إلا أن تداعوا للاجتماع في العاصمة الإماراتية أبوظبي أواخر يونيو 1981 وتم الاتفاق على تشكيل مجلس التعاون لدول الخليج العربي، لمواجهة الأخطار والتحديات المحيطة بمنطقة الخليج سواء من قبل إيران أو المحيط والجوار العربي والإقليمي فترة الحرب الباردة، وتعزيز التعاون المشترك بين دول مجلس التعاون سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً وعسكرياً وثقافياً وتربوياً...الخ.

انطلقت مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربي محفوفة بالكثير من التحديات والتطورات والمتغيرات, التي تعرض ومازال يتعرض لها النظام العربي والإقليمي والدولي، خاصة منذ سقوط النظام العراقي والذي أحدث فراغ سياسي كبير في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص، في هذه الأثناء بدأت الأطماع الإيرانية بالتوسع - التمدد والنفوذ – تتزايد تجاه المنطقة استثماراً لحالة الفراغ التي أوجدها سقوط النظام العراقي, بدعمها ومساندتها لأذرعها وحلفائها في المنطقة – العراق، اليمن، لبنان، سوريا، البحرين – والتي أصبح التواجد والحضور والتأثير الإيراني بها بشكل كثيف وظاهر, سعياً لتحقيق وتنفيذ مخططها ومشروعها الصفوي وتحقيق حلم الإمبراطورية الإيرانية. من جهة أخرى، لقد شكلت حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي عمت المنطقة العربية بعد الحركات الاحتجاجية أو ما أجيز تسميته "ثورات

الربيع العربي،" مصدر تهديد إضافياً لدول مجلس التعاون الخليج العربي، التي أسفرت عن سقوط الأنظمة العربية – الحلفاء – وتولي التنظيمات والجماعات الإسلامية الحُكم والسلطة, وتحول مسار الحركة الاحتجاجية في سوريا وليبيا واليمن إلى صراع مسلح تشارك فيه قوى إقليمية ودولية وفاعلون من غير الدول مثل حزب الله والحرس الثوري الإيراني, بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق، والتي أدت إلى ظهور التنظيمات والجماعات الإرهاب بقيادة تنظيم (داعش) وتزايد تهديداتهم وخطرهم وزعزعة أمن واستقرار منطقة الخليج العربي بل الشرق الأوسط والعالم. كما أن الأزمة اليمنية شكلت نقطة مفصلية في الأمن القومي الخليجي وخاصة بعد ما أقدمت جماعة الحوثي على تنفيذ انقلاب والسيطرة على العاصمة اليمينة, الاتفاق النووي بين مجلس الأمن وألمانيا (G5+1) وإيران، حيث شكل مصدر تهديد لدول الخليجية وخاصة السعودية والخشية من أن يمنح هذا الاتفاق إيران القدرة على امتلاك السلاح النووي، في ظل استمرار سباق التسلح في المنطقة، كما أن مصادر الطاقة وخاصة النفط والغاز الطبيعي إلى جانب القنوات والممرات والبحار في منطقة الشرق الأوسط، التي زادت حدة التنافس الإقليمي والدولي من أجل تأمين مصالحها الحيوية وحصصها من الموارد الطبيعية (أمريكا، روسيا، تركيا، إيران)، نظراً لما تتميز به منطقة الخليج العربي من أهمية استراتيجية وحيوية غنية بالموارد الطبيعة ومصادر الطاقة، فتزايد حجم الأطماع والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية للوصول والسيطرة على مصادر الطاقة والممرات المائية ما شكل مصدر تهديد للأمن القومي الخليجي. كل هذا بالتزامن مع استمرار التدخلات الإقليمية والدولية وتشكيل تحالفات وتجاذبات واستقطابات وفق أجندات تلك القوى من أجل حماية وتأمين مصالحها وخدمة لمشاريعها ومخططاتها الهادفة إلى تقسيم الوطن العربي إلى دويلات وكنتونات قائمة على الطائفية والمذهبية والعرقية، حيث شكلت هذه البيئة الإقليمية المشتعلة مصدر خطر وتهديد لدول منطقة الخليج العربي وأمنها القومي.

لم تكن دول الخليج العربي بمنأى عن تلك التطورات التي تتعرض لها منطقة الشرق الأوسط، فوفق العقيدة الأمنية الخليجية، فإنها تُشكل تحديات خطيرة أمام حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتحديات كبير تُعرض الأمن القومي الخليجي للخطر والتهديد، إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار التكوين السياسي والاجتماعي لدول الخليج العربي المبني على القبلية ونظام الحُكم وراثي، بغض النظر عن حجم الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اجريت في البيئة الداخلية والخارجية، إلا أن تلك الاصلاحات لم تُلغي القبلية ولم تطور نظام الحُكم الوراثي ولم تُحد من حجم التحديات.

حظيت تلك التطورات باهتمام كبير لدى صانع القرار السياسي الخليجي عبر إجراء الكثير من النقاشات والاجتماعات واتخاذ القرارات من قبل قادة دول مجلس التعاون الخليجي، للتصدي ومواجهة هذه التحديات والتطورات التي أصبحت مصدر تهديد للأمن القومي الخليجي، سواء عبر البيانات الصادرة عن قمم مجلس التعاون الخليجي أو القمم والاجتماعات العربية أو عبر الإجراءات العملية، التي أكدت على أهمية الوحدة والموقف والقرار والمصير المشترك والتأكيد على ضرورة تحقيق وتعزيز التعاون والتنسيق والتكامل بين دول المجلس في كافة المجالات والميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية والثقافية والتعليمية. فقد اتخذت دول الخليج العربي العديد من الخطوات الاستراتيجية لمواجهة هذه التحديات والأخطار المحيط بدولهم مثل التنسيق والتعاون الأمني المشترك بين دول المجلس من خلال اقرار

العديد من الاستراتيجيات المتعلقة في هذا الشأن, فتم تشكيل قوات درع الجزيرة عام 1982 وتم تفعيلها مجدداً مع بداية الحراك الشعبي في مملكة البحرين، توقيع العديد من الاتفاقيات الأمنية وتوقيع اتفاقية الدفاع المشتركة واتباع استراتيجية الدفاع الوقائي دبلوماسياً وعسكرياً بناءً على طبيعة المتغيرات والتحديات المحيطة بدول الخليج، بالإضافة إلى ذلك اعتمدت دول الخليج العربي المزيد من الإصلاحات والتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأكدت على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الخليجية والعربية، وعدم دعم ومساندة وتوفير أي غطاء سياسي وقانوني وأي دعم مالي وعدم التستر وإيواء واستضافة أي شخصية وجهة ومنظمة وجماعة مُصنفة إرهابياً سواء خليجياً أو عربياً أو إقليمياً أو دولياً، تُشكل تُزعزع وتهدد الأمن القومي الخليجي، عملاً بما هو منصوص في النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي واستناداً على الاتفاقيات المشتركة والثنائية فيما بينهم.

الأزمة الخليجية الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لتراكمات تاريخية بين أطراف الأزمة، وكأي أزمة من الأزمات التي تعصف بين الدول فإن لها جذور، وبالتالي لا بد من توضيح جذور الأزمة الخليجية لفهم طبيعة الأزمة الراهنة ضمن بيئة التحديات التي تحيط منطقة الخليج العربي. الخلافات أو الأزمات الخليجية – الخليجية ليست بالظاهرة الجديدة؛ فمن الطبيعي أن يوجد اختلاف وتباين في وجهات النظر تجاه في العديد من المواضيع والقضايا الداخلية والخارجية، تتسبب في إحداث خلافات – سرية وعلنية – فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي العربي، والأمر يعود إلى طبيعة الثقافة السياسية والاجتماعية في دول الخليج العربي، وهذه الخلافات الخليجية تأخذ العديد من الأشكال منها ما هو له علاقة بالتنافس السياسي والاقتصادي بين دول الخليج العربي للزعامة والقيادة في منطقة الخليج، ومنها ما له علاقة بالنزاعات الحدودية بين دول الخليج، ومنها ما له علاقة بالتباين والاختلاف في السياسة الخارجية لدى دول الخليج العربي ومواقفها تجاه القضايا والأزمات المحيطة بهم، ومنها ما له علاقة بطبيعة العلاقات مع دول الجوار.

تعود جذور الأزمات الخليجية إلى سبعينيات القرن الماضي، منذ أن اتخذت الحكومة البريطانية قراراً بالانسحاب من منطقة شرق السويس، وحصول دول منطقة الخليج العربي على الاستقلال وبدء ترسيم الحدود التي نجم عنها نزاعات مستمرة على الحدود حتى الوقت الحالي، كما كان اكتشاف النفط والغاز الطبيعي دوراً مهماً في وقوع الخلافات، فقد تميزت دولة قطر دون غيرها من الدول الخليجية بوفرة مصادر النفط والغاز الطبيعي جعلها قوة اقتصادية ليس في الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط بل على مستوى العالم، حيث يُمثل الغاز الطبيعي ثالث أكبر احتياط في العالم، هذه القوة الاقتصادية انعكست بشكل كبير على الجانب السياسي لقطر ساهمت في تعدد وتنوع أدوات السياسة الخارجية، منحتها موقع متقدم ولعب دور مؤثر وفاعل في العديد من القضايا والأزمات والتنافس فيما بينها وبين القوى الإقليمية الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، مستفيدة من العلاقة والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال وجود القاعدة العسكرية الأمريكية "قاعدة العديد"، ما أدى إلى انزعاج الدول الخليجية وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، من السلوك القطري جراء تمددها السياسي والاقتصادي في الكثير من دول المنطقة سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، وتبني قطر في الكثر من الأوقات سياسة مختلفة ومتناقضة عن

السياسة المشتركة والمتفق عليها بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تميزت السياسة الخارجية القطرية بالكثير من الدينامية والقدرة على ايجاد حالة من العلاقات المتوازنة مع الكثير من الدول الإقليمية والدولية ما أهلها إلى أن تكون شريك فاعل في المنظومة الإقليمية والدولية وتحديد الاستراتيجيات، وهذا التطور القطري يعود إلى تسعينيات القرن الماضي. استثمرت دولة قطر قوتها السياسية والاقتصادية في تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية عبر المشاركة في المؤتمرات والندوات ذات الاختصاص، وتوظيف الإعلام ليكون أحد اهم أدوات سياستها الخارجية فقامت عام 1996 بالإعلان عن انطلاق قناة الجزيرة. كما أن طبيعة العلاقات القطرية – الإيرانية تُعتبر أحد أسباب الخلافات بين دول الخليج وقطر، فمنذ اعلان استقلال قطر تعززت العلاقات بين الدولتين وتحديداً من الناحية الاقتصادية بسبب ضخامة مواد الغاز الطبيعي لكلا الدولتين. النقطة الأخرى التي تأتي ضمن هذا السياق، المواقف المتباينة بين أطراف الأزمة تجاه أزمات منطقة الشرق الأوسط والتنظيمات والجماعات الإسلامية وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين و(داعش). من جهة أخرى تُعتبر السعودية من الدول الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية في المنطقة، إذ توظيف البُعد التاريخي والجغرافي والسياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي والديني والديمغرافي في سياستها الخارجية، ما أهلها لأن تكون من الدول المؤثرة والفاعلة في المنطقة والتنافس على ريادة وزعامة الخليج العربي والدول العربية والإقليمية والشرق الأوسط، والسعي الدائم إلى تنوع تأمين مصادر قوتها للبقاء والسيطرة في ظل التنافس بين القوى الإقليمية الكبرى، هذا الأمر أوجد حالة من عدم التوافق والتنافس وحالة من التباين وعدم اليقين والثقة بين السعودية وقطر في القرارات والمواقف والسياسات.

يمكن اعتبار النقاط سالفة الذكر أبرز العوامل الأساسية للأزمة الخليجية الراهنة، لكن كيف تفاعلت هذه العوامل وتطورت في الوقت الراهن؟ منذ اندلاع حركة الاحتجاجات العربية أو ما يُسمى بـ"ثورات الربيع العربي"، تباينت المواقف والتحركات السياسية الخليجية تجاه الحركات الاحتجاجية، فقد اعتبرت قطر هذه الاحتجاجات فرصة ثمينة لتعزيز قوتها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط خاصة في ظل تراجع وضعف القوى العربية الإقليمية بعد انهيار النظام العراقي، فعملت قطر على تسخير الجانب السياسي والاقتصادي والإعلامي (قناة الجزيرة) لتوفير الدعم والمساندة للحركات الاحتجاجية وتبني المستوى الرسمي في الدولة القطرية لهذه الحركات ومساندتها بشتى الوسائل والطرق، هذا الأمر قد أثار حفيظة قادة دول مجلس التعاون الخليجي وبشكل خاص السعودية والإمارات، وذلك بعد التحول الذي طرأ على تلك الاحتجاجات بانضمام التيارات الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، وتغير مسار المطالب من الإصلاح والتنمية إلى مطالب بإسقاط النظام، هذا التطور أدى إلى سقوط أنظمة سياسية حليفة لدول الخليج، وتمكن جماعة الإخوان المسلمين من تصدر المشهد السياسي عبر السُلطة والحُكم، فكان بمثابة ناقوس خطر على منطقة الخليج العربي، خاصة أن الدول الخليجية تضم نسبة من جماعة الإخوان المسلمين، هنا كانت الخشية من تأثرها بما يجرى في المحيط والتحرك والمطالبة بإصلاحات قد تتطور إلى ما آلت إليه الأوضاع في الدول العربية، يعمل على تهديد وزعزعة الاستقرار والأمن في البيت الخليجي، وما زاد من حدة الخطر والانزعاج الخليجي استضافة قطر لقيادات جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية خاصة بعد الحركة الاحتجاجية التي أدت إلى سقوط حُكم الإخوان المسلمين في مصر، واستمرار قطر في توفير الدعم والمساحة السياسية (التواجد والإقامة) والمنابر الإعلامية لهم، فالسعودية والإمارات تدعم وتساند النظام

المصري الحالي بخلاف قطر التي تقف ضد النظام المصري الحالي وتدعم جماعة الإخوان المسلمين، وهو نفس المشهد لكن بطريقة معاكس إبان حُكم جماعة الإخوان المسلمين، فالسعودية والإمارات كانتا ضد حُكم الإخوان المسلمين في مصر بعكس قطر التي دعمت وساندت حُكمهم، وهذا الأمر يتطابق أيضاً في الحالة الفلسطينية في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني.

في ظل تصاعد الأزمة السورية والليبية واليمنية والعراقية، واحتدام التنافس الإقليمي والدولي وتنامي الجماعات والتنظيمات الإرهابية فيها بقيادة تنظيم (داعش)، نجد تباين في سلوك وموقف الدول الخليجية تجاه أطراف الأزمة والصراع، على الرغم من القرارات الصادرة عن قبل دول مجلس التعاون الخليجي حول الأزمة السورية في بدايتها، بأهمية وقف اطلاق النار الفوري وحل الأزمة عبر الطرق السياسية والحوار، إلا أن تطور الأحداث في سوريا دفع الدول الخليجية إلى رفع الغطاء عن النظام السوري والعمل على تسليح المعارضة، فنجد أن كلاً من السعودية والإمارات وقطر قد دعموا أطراف متباينة ايدلوجياً من المعارضة السورية, فقطر تدعم جبهة النصرة وهي مصنفة إرهابياً، بينما السعودية والإمارات تدعم المعارضة السورية المسلحة المعتدلة وتحديداً الجيش السوري الحر، وبالتالي سلوك قطر مساراً مخالفاً للقرار والموقف الخليجي.

كان للتقارب القطري – الإيراني وتعزيز العلاقات في العديد من الملفات وخاصة الاقتصادي، إلى جانب المواقف السياسية المتقاربة تجاه الأزمات والقضايا الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، مصدر ازعاج وقلق للسعودية والإمارات، على الرغم من تفاوت نسب العلاقات بين دول الخليج وإيران بشكل خاص من الناحية الاقتصادية، إلا أن هذا التقارب القطري الإيراني من وجهة نظر السعودية والإمارات بمثابة خطر محدق على السلم والتكوين الاجتماعي الخليجي.

هذه التطورات وهذا التباين والاختلاف في وجهات النظر والسلوك والقرار السياسي من قبل السعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى، دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى ضرورة إعادة النظر في السياسة الخليجية في التعاطي مع تطورات الأحداث والصراعات التي طالت البيئة الخليجية، فاجتمع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في 23 نوفمبر 2013 في العاصمة السعودية الرياض وأجريت مباحثات ونقاشات حول ما آلت إليه المنطقة العربية من فوضى سياسية وعدم استقرار، وكان من نتائج هذا الاجتماع الإعلان عن توقيع "اتفاق الرياض الأول"، بهدف تحصين البيت الخليجي من ارتدادات تلك التطورات، بما يُعزز التعاون والتنسيق المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي على كافة المستويات، والتأكيد على وحدة القرار والمصير الخليجي المشترك ووحدة الهدف، كما تم توقيع الاتفاق الأمني في يناير 2014؛ والذي يكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم دعم كل مَنْ يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد؛ سواء عن طريق العمل الأمني المباشر، أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم تقديم أي دعم عبر وسائل الإعلام لأي جهة تُشكل مصدر تهديد على أمن واستقرار البيت الخليجي، انسجاماً وتماشياً بما جاء في النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي.

بناءً على ما سبق، وحسب ما جاء في البيان المشترك للسعودية والإمارات ومملكة البحرين، أن السياسة القطرية بعد مضي ثلاثة أشهر على توقيع "اتفاق الرياض الأول" مع دول مجلس التعاون الخليجي، لم تتغير ولم تتخذ قطر خطوات عملية لتنفيذ ما تم الاتفاق والتوقيع عليه وعدم الالتزام بالسياسة الخليجية الموحدة، إلى جانب استمرار التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي، واستمرار دعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية وجماعة الإخوان المسلمين، فقد اعتبرت الدول الخليجية الثلاثة أن هذا يُشكل خروجاً على "اتفاق الرياض"، وبالتالي اعتبرت السعودية والإمارات ومملكة البحرين أن قطر أصبحت عامل مزعزع للاستقرار والأمن القومي الخليجي، ونتيجة لذلك طفت الخلافات على السطح بين دول مجلس التعاون الخليجي لأول مرة في مارس 2014 التي عرفت بأزمة سحب السفراء بعد أن قررت السعودية والإمارات والبحرين سحب السفراء من قطر، رداً على السياسة القطرية المستمرة وفق ما جاء في البيان المشترك لسحب السفراء للدول الخليجية. استمرت هذه الأزمة قرابة ثمانية أشهر، بذلت خلالها الكويت مساعي حثيثة لرأب الصدع الذي حدث في البيت الخليجي، فقد أسفرت الوساطة الكويتية في نوفمبر 2014 التوصل إلى توقيع "اتفاق الرياض التكميلي" الذي أعلن عن انتهاء الأزمة وعودة سفراء الدول الثلاثة إلى قطر، بما يخدم ويُعزز الوحدة والأمن والاستقرار، ترسيخاً لروح التعاون والمصير المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي.

بعد مرور ثلاثة سنوات على أزمة سحب السفراء، تفجرت أزمة خليجية جديدة بين السعودية والإمارات ومملكة البحرين إلى جانب مصر من جهة وقطر من جهة أخرى، وهذه الأزمة ليست منفصلة عن الأزمة السابقة بل استكمالاً لأزمة سحب السفراء، فقد تفجرت الأزمة في 25 مايو 2017، بناءً على تصريحات نُسبت إلى أمير دولة قطر نُشرت على القناة القطرية ووكالة الأنباء القطرية الرسمية، أدت إلى اتخاذ قراراً من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية مع قطر، نظراً لأن تلك التصريحات مست أمن واستقرار دول الخليج العربي، جراء نقض وتراجع وعدم تنفيذ ما جاء في "اتفاق الرياض 2013" و"اتفاق الرياض التكميلي 2014" واستمرار قطر بممارسة الانتهاكات والتدخلات في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي وخاصة السعودية والإمارات ومملكة البحرين، ومواصلة دعم ومساندة واحتضان الجماعات الإرهابية (الإخوان المسلمين، داعش، القاعدة، حزب الله اللبناني)، واستمرار تسخير وسائل الإعلام في مهاجمة والتحريض وتأجيج الفتنة بين دول الخليج، ومواصلة دعم جماعة الحوثي في اليمن، وتنامي العلاقات القطرية الإيرانية...الخ، حسب ما جاء في بيانات قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، في المقابل فإن قطر ومنذ اللحظة الأولى للأزمة أعلنت عدم صحة ما جاء في بيان المقاطعة ونفت ما نُسب من تصريحات عبر وسائل الإعلام المرئية والمقروءة.

توقيت الأزمة تزامن بعد عدة أيام من انتهاء القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي عُقدت في العاصمة السعودية الرياض، بمشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومشاركة 55 دولة، الذي جاء في بيانها الختامي التأكيد على أهمية مواجهة التطرف والإرهاب وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية إقليمياً ودولياً، عبر بناء شراكة وثيقة بين قادة الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، من خلال قيام

تحالف "الشرق الأوسط الاستراتيجي". هذا التزامن يُعطي مؤشراً واضحاً حسب وجهة نظر الدول المقاطعة عدم تطابق الموقف القطري مع الموقف العربي والإسلامي والأمريكي في ضوء تطابق المواقف والقرارات والتحركات بين المحور السعودي العربي والولايات المتحدة الأمريكية الهادفة إلى فرض استراتيجية شرق أوسطية جديدة قائمة على تعزيز العلاقات والتعاون والشراكة في مختلف المجالات سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً، ما يعني إعادة رسم خارطة القوى والتحالفات والتوازنات في الشرق الأوسط بما يخدم مصالح القوى الإقليمية والدولية الكبرى، كما أن هذا التزامن يأتي في ظل القبول بالمحور السعودي العربي بلعب دور استراتيجي في قضايا وأزمات المنطقة باعتبار السعودية حليف استراتيجي لأمريكا وسيكون لها دور فاعل في الأمن والاستقرار وعملية السلام في الشرق الأوسط.

الأزمة الخليجية جاءت تزامناً مع استمرار وتعقد الأزمة السورية، إذ تُعتبر هذه الأزمة – السورية – جزء من سياسة التوازنات الاستراتيجية المؤثرة في منطقة الشرق الأوسط، وبدء تشكيل التكتلات والتحالفات الاستراتيجية من قبل القوى الإقليمية – إيران وتركيا – في منطقة الشرق الأوسط، وزيادة تأثير ونفوذ وتدخل القوى الإقليمية والدولية في الأزمات وخاصة السورية، في ظل زيادة التنافس بين القوى الإقليمية والدولية للسيطرة والهيمنة على منطقة الشرق الأوسط. لا يمكن فصل الأزمة الخليجية عما يجري في المنطقة من أزمات وخاصة الأزمة السورية، التي غيرت من شكل التوازنات والتحالفات الاستراتيجية وغيرت من قواعد الاشتباك السياسي للقوى الإقليمية للحفاظ على قوتها وبقاءها. إن حالة عدم اليقين من قبل القوى الإقليمية والدولية تجاه بعضهم البعض، إلى جانب اليقين بالبقاء للأقوى في ظل تصاعد حالة الاضطرابات والفوضى التي تعُم المنطقة، ولأجل البقاء فقد انشغلت الدول بإعادة صياغة توازنات القوى للحصول على القوة التي تمكنها من البقاء والسيطرة والهيمنة، وهذا ما ظهر بشكل واضح وجلي في المنطقة العربية والشرق الأوسط منذ اندلاع حركات الاحتجاج العربية أو ما أجيز تسميته "ثورات الربيع العربي"، فقد تشكل معسكرين، الأول بقيادة السعودية والذي يضُم الإمارات ومملكة البحرين ومصر، والثاني يضُم قطر وتركيا وإيران وجماعة الإخوان المسلمين، فقد لجأ كل معسكر إلى تعزيز قوته ونفوذه الإقليمي، ما أدى إلى بروز التنافس وسباق التسلح وتوقيع الاتفاقيات الأمنية وتوسيع شبكة التحالفات والاصطفافات للحصول على المزيد من مصادر القوة السياسية والعسكرية والاستفادة من مصادر القوة الاقتصادية والديمغرافية التي تُساهم في إعادة حالة التوزان بين القوى الإقليمية، بهدف فرض السيطرة والهيمنة في المنطقة، وتأكيداً على ذلك فقد وقعت السعودية على اتفاقيات بقيمة 460 مليار دولار تضمنت صفقة سلاح أمريكية بقيمة 110 مليار دولار على هامش القمة العربية الإسلامية الأمريكية. إن شكل التحالفات والاصطفافات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط أصبحت أكثر وضوحاً، وهذا يندرج ضمن مفهوم توازن القوى وبناء تحالفات جديدة لتأمين وتعزيز المصالح الخاصة والمشتركة. إن المستفيد بالدرجة الأولى مما يجري في المنطقة هي أمريكا وإسرائيل وذلك بزيادة نفوذهما وتأثيرهما في المنطقة وولوج إسرائيل كقوة أساسية في منظومة التحالفات الجديدة.

إن الأزمة الخليجية الحالية لا تخرج عن هذا السياق، فالمنظومة الخليجية جزء لا يتجزأ من المنظومة الإقليمية والمشهد السياسي الحالي، تتأثر وتُأثر في الأزمات الدائرة في المنطقة، بعد أن أصبحت كل من السعودية والإمارات وقطر من القوى الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً

وأمنياً، وأصبح التنافس فيما بينهم أحد مرتكزات السياسة الخارجية لهذه الدول، مع استمرار السياسة الإيرانية القائمة على التمدد والنفوذ، وتنامي السياسة والقوة والنفوذ التركي في المنطقة في ضوء استمرار أزمات الشرق الأوسط وتنامي خطر التنظيمات الإرهابية. الأزمة الجارية بين دول الخليج العربي وقطر، تندرج ضمن سياق ومفهوم إصلاح ميزان القوة ونظرية الدور والمكانة للقوى الخليجية وانتهاج سياسة الردع. إن الأزمة الخليجية تأتي في إطار حالة عدم اليقين والثقة بسياسة الطرف الآخر، كما أنها تأتي في سياق البقاء للأقوى، وبما أن قطر تُعتبر من الدول القوية في منطقة الخليج سياسياً واقتصادياً ولها نفوذها وعلاقاتها وتحالفاتها في المنطقة، فإن السعودية ترى أن ذلك أصبح يُشكل مصدر خطر وتهديد ومنافس قوي أمام طموحها وسياستها الخارجية سواء في منطقة الخليج العربي أو المنطقة العربية أو منطقة الشرق الأوسط. ضمن هذا الإطار يسعى الطرف السعودي إلى تنفيذ إجراءات تجاه الطرف المنافس عبر اتخاذ العديد من الوسائل والقرارات وممارسة الضغط على قطر لإضعاف قوتها أو لاحتوائها ضمن المحور الذي تقوده السعودية، الطامحة إلى استعادة قوتها ونفوذها وتعزيز دورها ومكانتها وزعامتها في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، وقطع الطريق أمام أي دولة وقوة إقليمية منافسة لها، وهذا ما بدى واضحاً في قائمة المطالب التي قُدمت لقطر عبر الوسيط الكويتي لتنفيذها لإنهاء الأزمة خلال عشرة أيام، في المقابل نجد أن قطر منذ اللحظة الأولى للأزمة، حاولت نفي كافة الأخبار والتصريحات التي نُسبت لأمير قطر ورفضت ما جاء في بيانات المقاطعة واستنكرت كافة الإجراءات التي اتخذت ضدها، كما أنها رفضت قائمة المطالب واعتبرت ذلك مساساً بالسيادة والقرار والاستقلال السياسي القطري وأنه محاولة لتحجيم دورها، كما أن قطر لجأت إلى اتباع سياسة كسب الوقت والمناورة في محاولة لاستقراء واستيضاح المواقف الدولية رغبة منها في تدويل الأزمة واخراجها عن الإطار الخليجي.

شهدت الأزمة الخليجية العديد من التطورات والمواقف على المستوى الإقليمي والدولي التي شكلت بُعداً كبيراً ومهماً يختلف كلياً عن التطورات والمواقف إبان أزمة سحب السفراء 2013، هذه التطورات والمواقف يمكن حصرها كالتالي:

الوساطة الكويتية منذ اللحظة الأولى للأزمة – الوسيط المحايد – عبر إجراء العديد من الزيارات والاتصالات بين أطراف الأزمة وتقديم قائمة المطالب لقطر، حيث حظي التحرك الكويتي بدعم إقليمي ودولي عبر عقد العديد من المشاورات والاتصالات والزيارات لمحاولة رأب الصدع والتوصل لحل شامل للأزمة الخليجية، في محاولة لتجنيب البيت الخليجي ومجلس التعاون الخليجي من أي تداعيات قد تؤثر مستقبلياً على استمراريته وتساهم في زعزعة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي.

صدور العديد من الأوامر الملكية السعودية يوم الأربعاء 21 يونيو 2017، كان أبرزها إعفاء الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز من ولاية العهد ومن منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ومنصب وزير الداخلية وتكليف الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولياً للعهد وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء مع استمراره في منصب وزير الدفاع السعودي. هذه الأوامر وبشكل خاص وتعيين الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، تعني انتقال الحُكم في السعودية من الجيل المؤسس إلى جيل الأحفاد، فقد جاءت هذه التعديلات بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعقد القمة العربية الإسلامية الأمريكية واستمرار الأزمة الخليجية.

شخصية الأمير محمد بن سلمان وتحركاته منذ توليه منصب ولي لولي العهد اتسمت بالحزم والقوة في اتخاذ القرارات الحاسمة بما يخُص الأمن القومي السعودي والخليجي، أهمها إعلان الحرب على جماعة الحوثي في اليمن، وبالتالي سيكون لولي العهد الجديد دور فاعل ومؤثر في الأزمة الخليجية.

زيارة رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي المملكة العربية السعودية يوم الاثنين 18 يونيو 2017 ولقائه الملك سلمان بن عبد العزيز والتباحث في العديد من القضايا والملفات العالقة لتصفير المشاكل بين البلدين، وكان من أهم ما تم مناقشته ملف الإرهاب (داعش). التطور اللافت بعد هذه الزيارة الإعلان يوم الجمعة 30 يونيو 2017 عن تحرير الموصل من سيطرة (داعش)، هذه الزيارة والتحرير تزامنتا مع الأزمة الخليجية، والجدير بالذكر أن الحكومة العراقية وقفت موقف الحيادة ورفضت أن تكون طرفاً في الأزمة على حساب طرف آخر.

تضارب الموقف الأمريكي تجاه الأزمة الخليجية – البيت الأبيض ووزارة الخارجية والدفاع – نظراً لاعتمادها على سياسيات خارجية متعددة تنسجم مع تطورات الأوضاع في المنطقة، وحرصها على الحفاظ على الشراكة والمصالح التاريخية الاستراتيجية مع دول الخليج العربي وعدم التضحية بها. حيث أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالاً بملك السعودية وأمير قطر مطالباً بحل الأزمة عبر الحوار المباشر والطرق الدبلوماسية، في المقابل نلاحظ تأييد الرئيس الأمريكي لقرار المقاطعة من الدول الخليجية ومصر، معتبراً ذلك أحد نتائج زيارته للمنطقة. من جهة أخرى، تصريح وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يوم الخميس 29 يونيو 2017 من واشنطن أثناء المحادثات التي أجراها مع وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، "أن قطر اتفقت مع الولايات المتحدة الأمريكية على ضرورة البحث عن حل سلمي للأزمة الخليجية الحالية، واستعداد قطر لمناقشة "قضايا مشروعة" لإنهاء الأزمة." من جهة أخرى، كشفت بعض الدوائر المقربة من الرئيس الأمريكي عن وجود اتصالات تجري لعقد قمة في واشنطن بمشاركة قادة دول الخليج العربي والدول العربية للبحث في طُرق تسوية الأزمة الخليجية وهو ما يعني خطوة في طريق تدويل الأزمة عبر الدبلوماسية الأمريكية لإيجاد الحلول بعيداً عن البيت الخليجي. تصريح وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها يوم الخميس 8 يونيو 2017 "إن هناك تقدماً باتجاه إتمام صفقة لتزويد الدوحة بـ72 مقاتلة من طراز "إف 15"، حيث تم التوقيع على الصفقة يوم الأربعاء 14 يونيو 2017 التي نالت موافقة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس ووزير الدولة القطري لشؤون الدفاع خالد العطية.

الدعم والمساندة الإيرانية التركية لقطر سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فقد تبني البرلمان التركي الأربعاء 7 يونيو 2017، قراراً يسمح بنشر قوات عسكرية بقاعدة تركية في قطر؛ تطبيقاً لاتفاقية الدفاع المشترك التي وقعها البلدان عام 2014، بالإضافة إلى تدريب قوات الدرك، ففي 18 يونيو 2017 وصلت الدفعة الأولى من القوات التركية، وفي 22 يونيو 2017 وصلت الدفعة الثانية "دفعات تعزيزية" وفي 29 يونيو 2017 وصلت الدفعة الثالثة وفي 1 يوليو 2017 وصلت الدفعة الرابعة إلى قاعدة العديد الجوية، ضمن المهام الدفاع والتعاون المشتركة بين البلدين في محاربة الإرهاب وحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، يأتي هذا بالتزامن مع اتخاذ تركيا قرار بإرسال المنتجات غذائية لقطر. أجرى وزير الدولة القطري لشؤون الدفاع خالد بن محمد العطية زيارة رسمية يوم 29 يونيو 2017 إلى أنقرة ولقاءه الرئيس التركي رجب طيب

أردوغان ونظيره التركي فكري إيشق، من جهة أخرى، منذ اللحظة الأولى للأزمة بادر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمحاولة التوسط بين أطراف الأزمة لحلها عبر اتصاله بالملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود والأمير الكويتي صباح الأحمد الصباح والأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني وعرض المساعدة لحل الأزمة. من جهة أخرى، أيدت تركيا الموقف القطري الرافض لقائمة المطالب المقدمة من قبل الدول المقاطعة، الذي جاء فيها ضرورة إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر.

قيام الجمهورية الإيرانية بفتح جسراً جوياً مع قطر وتخصيص ميناء "بوشهر" ليكون مركزاً للتبادل التجاري، الذي يأتي ضمن سياق تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وهو ما بدا واضحاً بعد تقديم قائمة المطالب لإنهاء الأزمة، التي تضمنت المطالبة بتخفيض التمثيل الدبلوماسي مع الجمهورية الإيرانية، حيث أجرى الرئيس الإيراني حسن روحاني اتصالاً هاتفياً مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، حيث أبدت قطر استعدادها لتطوير العلاقات في كافة المجالات مع الجمهورية الإيرانية.

كان من ضمن قائمة الطلبات التي قُدمت لقطر أن تقوم بقطع العلاقات مع كافة التنظيمات الإرهابية والطائفية والإيديولوجية وعلى رأسها (الإخوان المسلمين، داعش، القاعدة، فتح الشام، النصرة، حزب الله) وإدراجهم كمنظمات إرهابية وضمهم إلى قائمة الإرهاب المُعلن عنها من قبل الدول المقاطعة. إن التطور الهامة في هذا السياق هو استقبال الأمير القطري للشيخ يوسف القرضاوي ما يُعطي دلالة واضحة على تحدي قطر للدول المقاطعة ورفضها التعاطي مع قائمة المطالب.

لقاء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع نظيره الروسي سيرغي لافروف يوم السبت 10 يونيو 2017، حيث أبدت روسيا قلقها تجاه قرار قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر، وأكدت مواصلة الاتصالات مع أطراف الأزمة الخليجية لحلها عبر قنوات الدبلوماسية والحوار المباشر.

المواقف الأوروبية التي مثل بعض منها حالة من التوازن حفاظاً على مصالحها مع شركائها الخليجيين، اتخذت ألمانيا في بداية الأزمة موقفاً مؤيداً لقطر وطالبت عبر وزير خارجيتها بضرورة رفع "الحصار" المفروض على قطر نظراً لأنه يضر بجهود محاربة الإرهاب وأن قائمة المطالب المقدمة من قبل الدول المقاطعة لقطر "مستفزة جداً"، من جهة أخرى طالبت بحل الأزمة عبر الحوار المباشر مع ضرورة وقف تمويل الإرهاب. أما فرنسا فقد دعت إلى حل الأزمة الخليجية عبر الحوار وتأييد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لكافة المبادرات الداعمة لتعزيز التهدئة لاستعادة العلاقات بين الدول الخليجية.

جاء الموقف الإسرائيلي من الأزمة الخليجية على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي اعتبر أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر مع قطر يُمثل "فرصة" ذهبية لإسرائيل لتعزيز التعاون بين الدول العربية في الحرب على الإرهاب. هذا التصريح يعطي دلالة واضحة لتأييد إسرائيل الموقف السعودي والإماراتي والبحريني والمصري بشكل خاص تجاه قطر ووقوفها إلى جانبهم، ووقوفها ضد قطر على الرغم من طبيعة العلاقات الإسرائيلية القطرية، حيث أن هذا الموقف يأتي في سياق تعزيز المصالح والأهداف الإسرائيلية بما يخدم ويحافظ على الأمن القومي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط في ظل بيئة إقليمية تشهد العديد من الاضطرابات والتحديات وتنامي الإرهاب.

لقد مثلت الأزمة الخليجية – أزمة قطع العلاقات – فرصة ثمينة للقوى الإقليمية والدولية الكبرى المتنافسة والمتصارعة في منطقة الشرق الأوسط، لتعزيز نفوذها وقوتها وتأمين مصالحها وتحقيق أهدافها الرامية إلى فرض السيطرة والهيمنة بمختلف أشكالها في الشرق الأوسط بشكل عام والخليج العربي بشكل خاص. المتتبع لمواقف وتصريحات وتحركات القوى الإقليمية والدولية تجاه الأزمة الخليجية، يرى بما لا يدع مجالاً للشك بأنها تندرج ضمن تنافس القوى لتعزيز الدور والمكانة والصراع من أجل البقاء للأقوى وإعادة خلق حالة من التوازنات الاستراتيجية وتغيير موازين القوى حمايةً وتأميناً لمصالحها وتحقيقاً لأهدافها الاستراتيجية من خلال الاستفادة من الأزمة من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، واللعب على التناقضات عن طريق إعادة رسم شبكة التحالفات والاصطفافات والمحاور. وهنا يجب التأكيد على أن إنهاء الدور الخليجي في المنطقة غير وارد ضمن الحسابات الإقليمية والدولية، لما تشكله منطقة الخليج من دور حيوي واستراتيجي في المنطقة الإقليمية والدولية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً.

إن عقيدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقيدة اقتصادية في المقام الأول هدفها جلب المزيد من الأموال والاستثمارات إلى أمريكا لحماية وتعزيز قوة الاقتصاد الأمريكي ومواجهة اقتصاديات الدول الأخرى كالصين وألمانيا، وهذا بدى واضحاً من حجم الاتفاقيات التي وُقعت بين أمريكا والسعودية في القمة العربية الإسلامية الأمريكية، وهذا يأتي انسجاماً وتماشياً مع الخطة الأمريكية الهادفة لتعزيز الاستثمارات الاقتصادية والصناعات العسكرية والحصول على المال الخليجي والعربي. كما أن روسيا تسعى من خلال الأزمة الخليجية أن يكون لها موطئ قدم متقدم في الشرق الأوسط والاستفادة من الموارد الطبيعية (نفط، غاز طبيعي، الممرات المائية) والتطور والتقدم الاقتصادي الخليجي وفتح قنوات استثمارية أكبر وتعزيز الشراكة والتبادل التجاري والاقتصادي مع دول الخليج العربي، وبالتالي التقدم خطوة إلى الأمام لمواجهة النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ومحاولة التغلغل أكثر في الخليج العربي بهدف تعزيز المصالح الاستراتيجية لها في الشرق الأوسط، ولعب دور أكبر في أزماته والتأكيد على تقوية التحالف مع شركائها الخليجيين.

المواقف والتحركات التركية والإيرانية تتطابق أيضاً مع استراتيجية التنافس والدور والمكانة والبقاء للأقوى، فالجمهورية التركية تربطها علاقات وشراكة استراتيجية مع دول الخليج العربي، تهدف من خلالها تعزيز وجودها في منطقة الخليج العربي إلى تصفير المشاكل مع دول المنطقة في ظل استمرار الأزمة السورية والحرب على الإرهاب، في ضوء التطورات الاستراتيجية المتسارعة وتحولات في موازين القوى والتحالفات واحتدام التنافس في الشرق الأوسط. أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تهدف إلى استثمار الأزمة الخليجية الراهنة – أزمة قطع العلاقات – في توسيع نفوذها وتأثيرها في منطقة الشرق الاوسط بشكل عام ومنطقة الخليج العربي على وجه التحديد من منطلقات عدة، وهذا بدا واضح من خلال لعبها على التناقضات، بمعنى تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع قطر لمواجهة السعودية ولتحدي العقوبات المفروضة عليها – إيران – من قبل القوى الدولية. كلا الحليفين – تركيا وإيران - يواجهان تحديات داخلية وخارجية كبيرة، لكن في المحصلة تبقى أزمات منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لهما حالة غنية يجب استثمارها

بشكل دقيق، ليس من أجل الحفاظ على مصالح وبقاء حلفاؤهما فقط، وإنما بالاستفادة من حلفائهما لخدمة ولتعزيز وحماية مصالحهم ومشاريعهم.

إن المستفيد الأكبر من كافة أزمات منطقة الشرق الأوسط دون اجتزاء هي إسرائيل، فكافة الأزمات تقود إلى إضعاف وتفريغ الدول العربية من قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية عبر اطالة أمد الأزمات لاستنزاف ما تبقى لها من موارد وأرصدة قوة قد تُشكل مصدر خطر لإسرائيل، ما يسمح لإسرائيل في تأمين مصالحها وأمنها القومي، بدعم ومساندة الولايات المتحدة الأمريكية لها سياسياً ومالياً وعسكرياً، ومواجهة الأخطار المحيطة بها وتحديداً الإرهاب، من جهة أخرى، إن الفائدة التي ستحظى بها إسرائيل عبر تأكيد الدول العربية والإسلامية مواجهة ومحاربة الإرهاب، ستدفع إلى الشراكة والتنسيق معها سوءا بشكل مباشر أو غير مباشر في مواجهة الإرهاب وتجفيف مصادره وغيرها من الملفات، قد يؤدي إلى تطبيع العلاقات العربية والإسلامية مع إسرائيل وبالتالي ستكون إسرائيل شريك وعنصر قوة أساسي في منظومة التحالفات الجديدة في أي مرحلة من مراحل التحولات والتطورات في الشرق الأوسط، وخاصة أن القضية الفلسطينية المتضرر الأكبر من كافة الأزمات الجارية، بمعنى آخر ستساهم الدول العربية والإسلامية في عملية السلام العربية – الإسرائيلية، والفلسطينية – الإسرائيلية، وفق الطروحات التي ستطرح من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بموافقة وتأييد الحلفاء والقوى.

بعد هذا الاستعراض المطول للأزمة الخليجية، يُمكن تحديد السيناريوهات المتوقعة لها، أولاً: سيناريو استمرار الأزمة، يستند هذا السيناريو على عدة نقاط أساسية، عدم تحقيق الوسيط الكويتي لأي نتائج ملموسة تقود لإنهاء الأزمة في ظل تمسك كل طرف بمواقفة وقرارته وحججه وعدم وجود الرغبة في التراجع، المواقف والتحركات والتصريحات الإقليمية والدولية المتباينة، رفض قطر لقائمة المطالب التي قُدمت لها وانتهاء المدة الزمنية لتنفيذ المطالب ومحاولتها لتدويل الأزمة – الهروب إلى الأمام – معتمدة على استراتيجية ردود الفعل وانتظار فرصة مناسبة في ظل عدم وجود سياسة واضحة لقطر، دخول تركيا وإيران على خط الأزمة زاد من تعقيد الأزمة. إن استمرار الأزمة سيدفع إلى فرض المزيد من العقوبات السياسية والاقتصادية من قبل الدول المقاطعة على قطر، إمكانية تجميد عضوية قطر من مجلس التعاون الخليجي وبالتالي فقد قطر قوتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وثقة المجتمع الدولي، إمكانية تقديم شكوى ضد قطر في محكمة الجنايات الدولية – اعتراف ضمني من قبل وزير الخارجية القطري في روما بدعم قطر للإرهاب "في ذيل القائمة" – إذا ما استمرت قطر في رفض تنفيذ المطالب، أما بالنسبة للخيار العسكري – حرب – قد يكون مستبعد في هذه المرحلة تحديداً، لما له من تداعيات خطيرة على البيت الخليجي سيؤدي إلى اضعافه وانهياره وهذا ما تسعى إليه بعض القوى الطامحة في السيطرة، وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التواجد الأمريكي وحديثاً التركي – رفض قطر إغلاق القاعدة العسكرية التركية – في الخليج العربي والتواجد العسكري الإيراني في المنطقة (سوريا، العراق، اليمن، لبنان)، عدم رغبة قطر في الوقت الحالي التضحية بالعلاقات السياسية والاقتصادية مع إيران بما يخدم مصالح وطموحات قطر، توجه قطر العلني لتركيا وإيران الذي سيزيد من تعقيدات الأزمة وزعزعة الاستقرار في المنطقة. هذا السيناريو هو الأقرب للتحقيق.

ثانياً: سيناريو انتهاء الأزمة، يستند هذا السيناريو على عدة نقاط أساسية، تمكن الوسيط الكويتي من تحقيق اختراق في الأزمة وحدوث تراجع خطوة للخلف من قبل أطراف الأزمة والقبول بعقد حوارات مباشرة ومناقشة كافة الحجج والأسباب التي أحدثت الأزمة، خاصة بعد أن قام أمير قطر بتسليم الرد على قائمة المطالب لأمير الكويت يوم الاثنين 3 يوليو 2017 وموافقة الدول المقاطعة تمديد المهلة ل48 ساعة، وتدارس الدول المقاطعة لمضمون الرد، وهو ما يعني إمكانية تنفيذ قطر لبعض المطالب المُقدمة لها، والتوصل لتفاهمات وسطية بما لا يؤثر على القرار والسيادة القطرية على سبيل المثال، عدم اغلاق قناة الجزيرة وإنما اتباع سياسة إعلامية جديدة تتوافق مع السياسة الإعلامية الخليجية، تحديد العلاقات مع إيران بما لا يضر الأمن القومي الخليجي، والتأكيد على الشراكة والتعاون والالتزام بالرؤية والقرارات السياسية والوحدة مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال تفعيل اتفاق الرياض الأول والتكميلي إلى جانب اتفاق الأزمة الحالية، وهذا السيناريو مستبعد في الوقت الحالي لتعقد وتشابك الأزمة وعدم بقائها ضمن الإطار الخليجي بسبب التدخل الإقليمي والدولي.

 

أحمد سمير القدرة

باحث في العلاقات الدولية

qedra2003@hotmail.com



مواضيع ذات صلة