المدينة اليومالحالة
القدس23
رام الله22
نابلس23
جنين26
الخليل23
غزة26
رفح26
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-04-16 06:00:23

عودة إلى "فلسطين الكبرى"

الانتفاضة الفلسطينية الثالثة التي دعونا إليها مع غيرنا قامت بالفعل، وبطبيعة وطنية خالصة لا يكتنفها التباس، ومن غزة لا من القدس التي قامت منها الانتفاضة الثانية، والتي كان حصادها الفعلي هو جلاء إسرائيل عن غزة، وتفكيك مستوطناتها اليهودية السبع فيها، وهو ما يوحي بالعودة إلى طريق كفاح فلسطيني حقيقي، يأخذ هذه المرة عنوان "مسيرة العودة الكبرى".
تحرير غزة نسبيا خلق منها قاعدة نضال حقيقية، تكالبت عليها كل قوى الشر والعدوان، وواصلت حصارها وخنقها إلى مدى يزيد الآن على عشر سنوات، وعلى أمل أن تنفجر غزة في ذاتها، لكن غزة تفاجئ سجانيها، وتكسر حصارها، وتضع الأعداء في سجن حصار، تتوالى حلقاته، وتعطي من دمها قبلة حياة جديدة لفلسطين، ففي كل يوم شهيد أو مصاب جديد من غزة، ومنذ المسيرة الأولى في يوم 30 مارس (ذكرى يوم الأرض)، قدمت غزة العشرات تلو العشرات من الشهداء، وقوافل من آلاف الجرحى، لا يرفعون هذه المرة سلاحا ولا يطلقون رصاصة، بل يفتحون صدورهم العارية لرصاص العدوان الإسرائيلي الإجرامي، يفعلونها كل يوم وصولا إلى يوم الجمعة من كل أسبوع، حيث تتجدد المسيرات بعشرات الألوف من الناس، لا هم لهم إلا حلم العودة إلى مدنهم وقراهم ومزارعهم المستلبة منذ عام النكبة 1948.وقد يراه البعض شيئا بعيدا مستبعدا، وإن كنا نراه قريبا ممكنا، فلا يكذب الفلسطينيون في أحلامهم، ولا ينسون مفاتيح البيوت التي أخرجوا منها، والتي تتوارثها الأجيال حتى قيام الساعة.
قد تكون غزة رقعة صغيرة من الأرض، لا تزيد مساحتها الكلية على 365 كيلومترا مربعا، لكنها "فلسطين مصغرة" بامتياز، هي الأعلى كثافة سكانيا في الدنيا كلها، وفي كل بيت وكل مخيم، عائلات جاءت من كل قرية ومدينة في عمق الأرض المحتلة عام 1948، وهو ما يفسر المكانة المميزة لغزة في رحلة الكفاح الفلسطيني المعاصر، ففيها ولدت حركات المقاومة الكبرى، من حركة "فتح" في أواخر خمسينيات القرن العشرين، إلى حركة "حماس" في نهاية الثمانينيات، وقبلها حركة "الجهاد"، وحتى حركات المقاومة التي ولدت في الشتات الفلسطيني، كما "الجبهة الشعبية" بنت حركة القوميين العرب، وجدت في غزة ملاذا ومستقرا، خصوصا بعد اضطرار قوات الاحتلال الإسرائيلي للجلاء عنها، وهو ما يوفر بيئة أكثر قابلية لسكنى المقاومة والمقاومين، مكنت غزة الصغيرة من هد حيل إسرائيل، في ثلاث حروب كبرى، خاضتها غزة وحدها في أعوام 2009 و2012 و2014، وصنعت توازن ردع استراتيجي مع جيش الاحتلال الإسرائيلي وقنابله النووية، ثم تضيف "غزة" اليوم إبداعا كفاحيا جديدا، وتفتح جبهة صدام فريد ملهم مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، تهزم فيه إسرائيل أسبوعيا (كل يوم جمعة) سياسيا وأخلاقيا عند السياج الحدودي، وتبذل من دمها ما يفضح وحشية الكيان الإسرائيلي في العالمين، فكل شهيد فلسطيني يرتقي إلى السماء، يتحول إلى قصة نبيلة، تلف وتدور في الدنيا كلها، وبكافة لغات الأرض الحية، وعبر كل وسائل الإعلام، تذكر العالمين بحق عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم، ليس عبر قرارات دبلوماسية باهتة هذه المرة، ولا عبر تذكير ورقي يجف حبره، بل بسيل دم الشهداء المتدفق عبر الشاشات، وبإصرار شباب فلسطين ونسائها وشيوخها، المحتشدين في مسيرات عودة سلمية، لا تطلق رصاصة ولا ترمي حتى بحجر، وتبدع في طلب حق العودة وحق الحياة، وعلى طريقة إحراق إطارات الكاوتشوك وألعاب المرايا العاكسة، التي تقيم ستارا من دخان وتشوش بصري، يصيب ضباط وجنود جيش الاحتلال بالعمى والجنون، وهو ما يدفعهم إلى وحشية إطلاق الرصاص عشوائيا، بما يزيد التعاطف والتأييد الشعبي العالمي لقضية الفلسطينيين، خاصة أنهم في هذه المرة لا يبادلون القتل بقتل، بل يفجرون ثورة شعبية سلمية، تكسب مددها من صدور الناس العارية المستعدة للفداء، وهم في غزة وحدها قرابة المليونين.
والذين وضعوا مخطط مسيرات العودة السلمية، أخذوا في حسابهم عمرا زمنيا مفترضا لها، يمتد من ذكرى يوم الأرض (30 مارس) إلى الذكرى السبعين ليوم النكبة في 15 مايو 2018، وقد لا يحق لأحد المزايدة على المبادرين، وإن كنا نتمنى فتح أقواس الزمن، وعدم التوقف عند تاريخ بذاته، فالقيمة الكبرى لفكرة مسيرات العودة، فوق طابعها السلمي الذي يتيح للكافة المشاركة فيه، أنها، أي المسيرات، تقلب الموائد على رؤوس الذين خططوا لتصفية القضية الفلسطينية، وهم حشد من الأعداء والمنافقين والمستكبرين، من المهووس الأمريكي دونالد ترامب، إلى رؤساء وملوك وأمراء عرب، جعلوا حماية وصداقة إسرائيل هدفهم الأسمى، وتصوروا أنه بالوسع، بيع قضية فلسطين في المزاد، وتحويل الحق الفلسطيني إلى "صفقة بيزنس"، يتخلى فيها الفلسطينيون عن وطنهم مقابل "خلو رجل" بعشرات المليارات من الدولارات، وقد سقطت الصفقة الملوثة بضربة قدم مع أول مسيرة عودة، فقد خلقت المسيرات أفقا جديدا للفلسطينيين، يرد للقضية الفلسطينية اعتبارها وأولويتها الحاسمة، ويخرجها من "زنقة" المساومات التي ضاعت فيها سنين عددا، وحصرتها في أوهام من نوع "حل الدولتين" غير المأسوف على شبابه، وفي صيغ حشر الفلسطينيين في غزة وما تبقى من الضفة الغربية، بعد أن قررت أمريكا اعتبار القدس المحتلة عاصمة لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، ولم يصدر عن الملوك والرؤساء والأمراء العرب، سوى تمتمات و"حوقلات"، أوحت باستعداد لتقبل القرار الأمريكي، وكأنه مشيئة الإرادة الإلهية، فيما رفضت واستنكرت القيادة الفلسطينية الرسمية، وإن ظلت تحشر نفسها في الزاوية نفسها، التي أضاعت القدس وغيرها، وراحت تسلي وقتها بطلب مفاوضات لا تأتي سوى بسلاسل تنازلات، وهو ما يفسر امتناعها ـ أي قيادة رام الله ـ عن دعم وتبني "مسيرات العودة"، ووقوفها عند حدود إصدار بيانات تضامن، والحيلولة دون امتداد ثورة مسيرات العودة إلى القدس والضفة الغربية، وكأن شبكة المصالح التي راكمتها "اتفاقية أوسلو" وسلطة أوسلو، تجد في مسيرات العودة خطرا عليها كما هي خطر على إسرائيل، وتريد أن تحبس حركة الشعب الفلسطيني تحت سقوف بالغة التدني، مع أن الخطاب الرسمي لقيادة رام الله، ولحركة "فتح" تحت قيادة الرئيس عباس، يتحدث عن أولوية العمل الشعبي والمقاومة السلمية.
و"مسيرات العودة" مثال باهر للمقاومة الشعبية السلمية، نتصور أنه السياق الأمثل في هذه المرحلة للقاء فلسطيني جامع، يتجاوز أنانية الفصائل المتنفذة، ومكايداتها ومصالحاتها ومصادماتها على سلطات لا قيمة لها في معايير الحق الفلسطيني التاريخي، ولو أن الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس والداخل وتجمعات الشتات، التحق بمسيرات العودة التي انطلقت عفية من غزة، لو أن الكل فعلها، وعلى نحو دوري سلمي كل يوم جمعة، لتغيرت الصورة تماما، فلا قيمة لقمم الحكام العرب ولا لقيعانهم، ولا قيمة لتحركات ما يسمونه بالمجتمع الدولي، ولا لتحكمات الإدارة الأمريكية المندمجة استراتيجيا مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، لا قيمة لكل هذه الإعاقات، لو تحول المجرى الأساسي لكفاح الشعب الفلسطيني إلى مسيرات عودة سلمية تماما، ولدى الفلسطينيين خزان بشري هائل على الأرض المقدسة، يفوق بحسابات اليوم عدد اليهود المستجلبين على الأرض ذاتها، ويزيد في كل يوم وكل عام على نحو مطرد، ويصنع للفلسطينيين من جديد غالبيتهم السكانية على أرض فلسطين كلها، وهي ليست مجرد أغلبية عددية، في طريقها لأن تكون ساحقة، بل أغلبية خلقتها المحنة خلقا جديدا، وتمتاز أجيالها الجديدة بالتعلم والتفوق والإبداع الكفاحي، وتقدم "أيقونات" مقاومة ملهمة، صنعت في السنوات والشهور الأخيرة انتصارات عظيمة في مواجهات كثيرة بالقدس وغيرها، كسرت أنف الغطرسة الإسرائيلية، وتواصل كفاحها في قيادة مسيرات العودة، ربما مع فارق محسوس هذه المرة، هو أن مسيرات العودة، ترد الاعتبار لقضية "فلسطين الكبرى" كاملة من النهر إلى البحر، فحق العودة وحق الأرض هو جوهر الصراع، وليس تضييع القضية في مسائل وأوهام "فلسطين الصغرى"، التي بدأت بضلالة الاكتفاء بما سموه "دولة فلسطينية" صغيرة في غزة والضفة والقدس، ثم تتعرض لتصغير يضاف كل يوم مع جريان زمن التفاوض العبثي، الذي امتد لنحو ربع قرن بعد اتفاق أوسلو 1993، ومع التهويد المتزايد للقدس، واحتلال المستعمرات الاستيطانية لأراضي الضفة الغربية، وتحويل هدف الدولة الصغيرة إلى دويلة بلا ملامح وبلا سيادة ولا جيش ولا سلطة مستقلة، بل مجرد إعادة تدوير لمتاهة الحكم الذاتي الحالي لسكان دون الأرض، و"خدمة احتلال بلا تكلفة"، على نحو ما اعترف به عباس نفسه، وهذه هي النهاية الطبيعية لفكرة تصغير فلسطين، والميزة الكبرى لمبدأ "مسيرات العودة"، أنه يرد الاعتبار للحقوق الأصلية غير القابلة للتصرف، ويعود بنا إلى قضية "فلسطين الكبرى" لا " الدويلة الصغرى"، ولا يكتفي فقط بدفن سفالة "صفقة القرن".


عبد الحليم قنديل
كاتب مصري



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صوراصاباتبقمعفعالياتالجمعةالـ30لمسيرةالعودةشرقغزة
صورمواجهاتبينالشبانوجنودالاحتلالفيمدينةالخليل
صورمواجهاتبينالشبانوجنودالإحتلالخلالمسيرةكفرقدومالأسبوعية
صورقمعمسيرةسلميةفيقريةالخانالأحمرالمهددةبالهدم

الأكثر قراءة