2018-11-21الأربعاء
المدينة اليومالحالة
القدس15
رام الله14
نابلس14
جنين17
الخليل15
غزة18
رفح18
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-04-24 23:44:42
تحليل وضع

المجلس الوطني الفلسطيني وإشكالية الشرعية

إعداد د. عماد أبو رحمة

مقدمة

تواجه مساعي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لتجديد شرعية مؤسساتها ورئيسها، من خلال عقد جلسة عادية للمجلس الوطني نهاية نيسان 2018، مشكلات قانونية وسياسية.

تتمثل المشكلات القانونية في أن النظام القانوني للمنظمة يقضي بتجديد المجلس الوطني كل ثلاث سنوات، "بالاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني"[1]، في حين لم يعقد المجلس أي دورة عادية منذ العام 1996. كما أن المدة الدستورية لولاية رئيس السلطة الفلسطينية انتهت بتاريخ 8/1/2009، والمجلس التشريعي بتاريخ 18/1/2010، ولم يتم إجراء انتخابات عامة لتجديد شرعيتهما، وفقًا لأحكام "القانون الأساسي" الذي يحدد مدة ولاية السلطتين بأربع سنوات[2]، نتيجة للانقسام وفشل طرفي السلطة في التوصل إلى اتفاق بإجراء الانتخابات، الأمر الذي يجعل شرعية مؤسسات المنظمة والسلطة، جميعها، موضع تساؤل وشك كبير.

وتتمثل التحديات السياسية في مواقف قوى المعارضة، وبخاصة حركة "حماس"، التي اعتبرت قرار اللجنة التنفيذية للمنظمة بعقد المجلس دون توافق وطني "بمثابة تكريس للانقسام وإصرار على التفرد بالقرار الوطني"، وأن قراراته "لن تكون ملزمة ولا تمثل الشعب الفلسطيني"[3]، وما يمكن أن يترتب على عقد المجلس في هذه الأجواء من تصاعد لحدة الاستقطاب في الساحة الفلسطينية، وتعطيل للجهود المبذولة لإنهاء الانقسام وتجاوز أزمة النظام السياسي الفلسطيني على أسس تعددية وديمقراطية، والتصدي للتحديات الكبرى التي تواجهها القضية الفلسطينية.

تُعنى هذه الورقة بتفكيك إشكالية الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني وسياقها التاريخي، وإبراز ارتباطها الوثيق بالانقسام، وبحث ظروف الدعوة لعقد المجلس بتركيبته القديمة ودوافعها، والتداعيات المحتملة لعقده على إشكالية الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني.

وتتبنى الورقة مفهومًا قانونيًا يطابق بين مفهوم الشرعية (Legitimacy) ومفهوم المشروعية (Legality)، إذ تقوم السلطة الشرعية على قوانين تعتمد على الدستور وترتبط به، وهذا ما يضفي عليها طابع المشروعية. وشرعية السلطة ليست سوى القدرة المعترف بها بمثابة سلطة من قبل أعضاء الجماعة.[4]

وتنطلق من فرضية: إن عقد المجلس الوطني من دون توافق وطني، وفي ظل استمرار حالة الانقسام، لن يعالج أزمة الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني، بل من المرجح أن يؤدي إلى تفاقمها.

رابط مباشر للقراءة أو التحميل

 

مصادر شرعية النظام السياسي الفلسطيني

تستند الشرعية في النظم السياسية الحديثة إلى فكرة قيام السلطة على مقتضى النظام القانوني، وتداولها عبر الانتخابات.[5] والنظام السياسي الفلسطيني ليس استثناء لهذه القاعدة، لأن "النظام الأساسي" للمنظمة ينص على أن ممارسة السلطة ينبغي أن تتم بمقتضى نظامها القانوني (المادة 2)، ويقضي بأن "يُنتخب أعضاء المجلس الوطني عن طريق الاقتراع المباشر من قبل الشعب الفلسطيني" (المادة 5)، وإذا تعذر إجراء الانتخابات "استمر المجلس الوطني قائمًا إلى أن تتهيأ ظروف الانتخابات" (المادة 6). كما حدد مدة ولاية المجلس بثلاث سنوات، ونصّ على أن ينعقد دوريًا مرة كل سنة (المادة 8).[6]

ولكن، على مستوى الممارسة العملية، لم تجرِ انتخاباتٌ للمجلس الوطني، كون المنظمة حركة تحرر وطني لشعب جزء منه يرزح تحت الاحتلال، والجزء الآخر يخضع لسلطات حقول دولانية متعددة في منافي اللجوء والشتات، وبالتالي فإنّ الشرعية تستمد أساسًا من الالتزام بالحقوق والأهداف الوطنية، والمقاومة الهادفة إلى تحقيقها، والتوافق الوطني. لذلك اعتمد النظام السياسي الذي أقامته المنظمة على مصادر متعددة للشرعية: التاريخية المرتبطة بالنضال ضد الاحتلال، والكاريزمية المستمدة من الدور القيادي التاريخي للحركة الوطنية، خصوصًا بزعامة ياسر عرفات، والانتخابية التي مورست بشكل جزئي في أطر المنظمة.

واستندت عملية تجديد المجلس الوطني إلى صيغة من "الديمقراطية التوافقية"، التي تقوم على ضمان تمثيل جميع الفصائل في المؤسسات التشريعية والتنفيذية (الكوتا)، بالإضافة إلى تمثيل الاتحادات الشعبية والأطر الملحقة بالمنظمة، والمستقلين، ولكن بصيغة تضمن هيمنة التنظيم الأكبر (فتح) على عملية صنع القرار.[7]

ما سبق يعني أن مسألة الديمقراطية، والشرعية الانتخابية المستمدة منها، لم تطرح كإشكالية على أجندة الحقل السياسي الوطني الذي أقامته المنظمة، وبالتالي لم تواجه المنظمة أزمة شرعية في تلك المرحلة.

أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية، فإن الإطار السياسي والقانوني لنشأتها وممارستها لصلاحياتها يتمثل، أولًا، في اتفاق "إعلان المبادئ" العام 1993 وملحقاته، التي حددت نصوصها بنية السلطة والصلاحيات المنقولة إليها، وقيدت ممارستها لهذه الصلاحيات بشرط التقيد بالاتفاقات الموقعة.[8] وقد مثلت هذه الاتفاقات مصدرًا للشرعية العربية والدولية في التعامل مع السلطة الناشئة، التي لا تقل أهميتها لدى قيادة السلطة عن أهمية الشرعية الانتخابية، إن لم تكن أكثر أهمية في نظرها.

ومن جهة ثانية، فهي تستمد شرعيتها من الشرعية التاريخية للمنظمة وقيادتها، التي وقعت الاتفاقات التي نشأت بموجبها، ومن "القانون الأساسي الفلسطيني" للعام 2002 وتعديلاته في العامين 2003 و2005، الذي يعد المرجعية الدستورية لشرعية ممارسة السلطة لصلاحياتها، وحُدد نظام الحكم في السلطة بكونه "نظام ديمقراطي نيابي يعتمد التعددية السياسية والحزبية"[9]، وحدد مدة الولاية الدستورية للرئيس والمجلس التشريعي بأربع سنوات، وأكد أن ممارسة السلطتين لصلاحيتهما يجب ألا تتعارض مع أحكام القانون الأساسي.[10]

 

السياق التاريخي لأزمة الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني

جاء التحدي الأول لشرعية المنظمة التمثيلية من خارجها، في ثمانينيات القرن الماضي، ممثلًا في تنظيمات الإسلام السياسي، "حماس" والجهاد الإسلامي، اللتين رفضتا الاعتراف بوحدانية تمثيل المنظمة، ولم توافقا على "الميثاق الوطني" كمرجعية وطنية، وفضلتا العمل من خارج مؤسساتها. فبعد انخراطهما في فعاليات الانتفاضة الأولى ومقاومة الاحتلال، زال الفارق الرئيسي فيما يتعلق بالحصول على الشرعية بينهما وبين فصائل المنظمة، وزال الحاجز الذي حد من اتساع جماهيريتهما على نطاق واسع.[11]

ولكن "حماس" حرصت على تمييز نفسها بعدم انضمامها إلى القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة التي شكلتها فصائل المنظمة، أو الانخراط في منظمة التحرير، وقدمت نفسها كصاحبة رؤية لهوية ومشروع إسلامي- سياسي بديل للمشروع الوطني للمنظمة.

 وقد سعت قيادة المنظمة لمواجهة هذا التحدي، عبر توجيه دعوة رسمية لقيادة "حماس" للمشاركة في المجلس الوطني والانخراط في المنظمة، ولكن "حماس" اعتذرت، واشترطت تعديل الميثاق الوطني، وتخلي المنظمة عن برنامجها السياسي، وأكدت على الانتخابات لا التعيين كوسيلة لاختيار أعضاء المجلس، أو تمثيلها بما يوازي وزنها (40%-50%).[12]

أما التحدي الثاني لنمط الشرعية السائد في المنظمة، فتمثل في توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993، وقيام السلطة الفلسطينية في العام 1994، وأتى من ثلاثة مصادر:

الأول: تراجع دور المنظمة وفصائلها نتيجة لهيمنة مؤسسات السلطة على النظام السياسي الفلسطيني، وتآكل شرعيتها بعد فشل أوسلو وبرنامج المفاوضات والنموذج السلبي الذي مثلته السلطة.[13]

الثاني: استمدت السلطة الناشئة شرعيتها من مصدرين: داخلي، وخارجي. على المستوى الداخلي، أصبحت الانتخابات العامة هي المصدر الرئيسي لشرعية الوصول إلى مواقع صنع القرار في السلطة، وليس نظام "الكوتا الفصائلي" السائد في مؤسسات المنظمة، والمستند إلى الشرعية الثورية. أما المصدر الخارجي فمستمد من اتفاق أوسلو واعتراف الشرعية العربية والدولية به، الذي سبق شرعية الانتخابات وكان، ولا يزال، مصدرًا مهمًا، إن لم يكن الأهم بالنسبة إلى قيادة السلطة.

الثالث: الانقسام السياسي بناء على الموقف من اتفاقات أوسلو، وبروز "حماس" كقوة أساسية، إذ بنت برنامجها على معارضة الاتفاقات والسلطة، وتنفيذ عمليات مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي بهدف تعطيل الخيار الرسمي والمفاوضات، وذلك كوسيلة لاكتساب الجماهيرية الواسعة، وإثبات حضورها كلاعب رئيسي في المعادلة الداخلية وفي الصراع مع إسرائيل.

وأصبحت "حماس" قادرة، بعد الانتفاضة الثانية العام 2000، على منافسة "فتح"، وعلى تنفيذ إستراتيجيتها الخاصة بالمقاومة، وترتب على ذلك بدايات تحول في الحقل السياسي الفلسطيني، إلى حقل يتنافس عليه تنظيمان كبيران للهيمنة ("فتح" و"حماس"). وترافق هذا التحول مع تآكل شعبية "فتح" والسلطة وقيادة المنظمة، نتيجة فشل عملية التسوية، وانتشار مظاهر الفساد الإداري والمالي في السلطة.[14]

تمثّل التحدي الأبرز للشرعية التمثيلية للمنظمة بفوز "حماس" بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي في العام 2006. وبذلك دخلت النظام السياسي للسلطة، وأصبحت القوة السياسية الأولى، بالرغم من عدم انخراطها في المنظمة، وانتقل الصراع على الشرعية التمثيلية إلى مستوى جديد، وأصبح هناك ضرورة للاتفاق على أسس جديدة للشراكة السياسية، سواء على مستوى السلطة، أو فيما يتعلق بترتيب العلاقة بين السلطة والمنظمة. ولكن هذا لم يحدث، وبرز صراع على الصلاحيات بين الحكومة ومؤسسة الرئاسة، أدى إلى شلل وتعطيل كافة السلطات، وتحول الجدل الدستوري والقانوني بين الطرفين إلى صراع سياسي أدى إلى انتهاك منظومة القوانين التي تنظم عمل السلطة.[15]

الجدير بالذكر، أن ما أجج الصراع على الشرعية التمثيلية، وربما أكثر من أي شيءٍ آخر، أن "حماس" قررت، بعد فشل محاولاتها في تشكيل منظمة تحرير بديلة أو موازية، الانخراط في منظمة التحرير والسعي للسيطرة عليها من الداخل، وليس انطلاقًا من قناعتها بالشراكة الوطنية.

وظهر ذلك جليًا في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس ياسر عرفات وبداية عهد محمود عباس، ولكنها اصطدمت بقرار عربي ودولي يرفض ذلك، وأدركت أهمية الانخراط في المنظمة للحصول على الاعتراف بدورها، وترجمت هذا التغير من خلال موافقتها على "إعلان القاهرة" في آذار 2005، الذي تضمّن اتفاقًا على انخراط "حماس" في السلطة والمنظمة، وقد طُبِّق الجزء الخاص بالسلطة، في حين لم يتم تنفيذ ما يتعلق بدخولها إلى المنظمة عبر مشاركتها في "لجنة تفعيل وتطوير المنظمة"، والتحضير لعقد انتخابات عامة للمجلس الوطني.

تفاقمت أزمة الشرعية بعد سيطرة "حماس" على قطاع غزة، وانقسام السلطة إلى كيانين سياسيين وجغرافيين منفصلين، حيث أعلن الرئيس محمود عباس حالة الطوارئ، وأقال حكومة إسماعيل هنية، وقام بتشكيل حكومة برئاسة سلام فياض.[16] وفي مقابل ذلك، رفضت الحكومة المقالة تنفيذ قرار الرئيس بإقالتها، واعتبرت نفسها "شرعية" لأنها نالت ثقة المجلس التشريعي. كما قامت حكومة "حماس" بعقد جلسات للمجلس التشريعي، بعد أن حصلت على توكيلات من نوابها المعتقلين لاستكمال النصاب القانوني، دون أي سند قانوني لذلك. ونشرت الحكومة العديد من القوانين، التي "أقرها" المجلس التشريعي في غزة، مستندة في ذلك إلى أحكام المادة (41/1) من القانون الأساسي، التي تعتبر القانون مصدرًا بانقضاء ثلاثين يومًا من تاريخ الإحالة إلى الرئيس، بما يمثل تجاوزًا للقانون الأساسي.[17]

واستغل رئيس السلطة حالة الشلل التي أصابت المجلس التشريعي، وتولى صلاحية إصدار التشريعات عبر القرارات بقانون، التي بلغ عددها 192 نهاية العام 2017، مستندًا في ذلك إلى أحكام المادة (43) من القانون الأساسي، علمًا بأن الكثير من هذه القوانين لا ينطبق عليها شرط الضرورة، ما يجعل إصدارها تعديًا على صلاحيات المجلس التشريعي التي يكفلها القانون الأساسي.[18]

وبذلك، أصبحت السلطة تعمل في ظل مجلس تشريعي معطل، وحكومتين لا تتمتع أي منهما بالشرعية الدستورية، لأن تشكيل حكومة فياض من دون عرضها على التشريعي يعد انتهاكًا للمادة (5) من القانون الأساسي، تمامًا مثلما يعتبر امتناع حكومة غزة عن تنفيذ قرار الإقالة تعديًا على صلاحيات الرئيس بموجب المادة (45).

ولكن الطرفين واجها مأزقًا قانونيًا وسياسيًا، يتلخص في انقضاء المدة القانونية للسلطتين التنفيذية والتشريعية دون القدرة على إجراء الانتخابات، نتيجة الانقسام وفشلهما في التوصل إلى اتفاق بإجرائها، في حين أن ما لدى السلطة من نظم وقوانين لا يتيح لها الحق في استصدار قرارات تعالج المشكلات التي تواجهها، لأن القانون الأساسي ينص بوضوح على أن مدة الولاية القانونية للسلطتين أربع سنوات[19]، في حين لم يرد نص يشير إلى التمديد، فبذلك تصبح مؤسسات السلطة - بحكم قوانينها ذاتها - غير شرعية.

وأثار ذلك جدلًا قانونيًا وسياسيًا، استندت فيه "حماس" لتعزيز شرعيتها إلى المادة (36) من القانون الأساسي المعدل، التي تنص على أن "مدة رئاسة السلطة الوطنية هي أربع سنوات...". أما "فتح" فقد استندت إلى قانون الانتخابات رقم (9) لسنة 2005 الذي ينص في المادة (2) على أنه "يتم انتخاب الرئيس وأعضاء المجلس في آن واحد في انتخابات عامة وحرة ومباشرة بطريق الاقتراع السري".[20]

إزاء ذلك، لجأ رئيس السلطة إلى المجلس المركزي للمنظمة، بهدف التغطية على عجز الشرعية لدى كافة مؤسسات السلطة، واستصدر قرارًا في اجتماع المجلس بتاريخ 16/12/2009 بتجديد ولاية الرئيس، وكذلك ولاية المجلس التشريعي إلى حين إجراء الانتخابات في العام المقبل.[21]

وقد أثار هذا القرار سجالًا بين الطرفين، وامتد الجدل ليطال صلاحيات المجلس المركزي للمنظمة في التقرير في الأمور المستجدة، انطلاقًا من أن صلاحياته، التي حددها المجلس الوطني في دورته السابعة عشرة بدقة في المادة (6)، لا تعطيه هذا الحق، لأنها نصت على أن "تكون جميع قراراته في إطار قرارات المجلس الوطني". وهذه الصلاحيات ليس فيها ما يشير إلى حقه في بحث قضايا تخص السلطة الفلسطينية ما لم يتخذ فيها المجلس الوطني قرارًا.[22]

كما طرح القرار أسئلة أخرى حول علاقة المنظمة بالسلطة، وحول صلاحية هيئات المنظمة، رغم كونها مرجعية للسلطة، في أن تتدخل في قضايا من نوع مدة ولاية رئيس السلطة، أو في تنظيم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وهي موضوعات إجرائية محددة بمقتضى القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية.

وسط هذا الجدل، بدأت حوارات المصالحة الوطنية في العام 2009 في القاهرة برعاية مصرية، وتوجت الحوارات بتوقيع "اتفاق القاهرة" في العام 2011، الذي تضمن أسسًا متفقًا عليها لتجاوز أزمة الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني، عبر إنهاء الانقسام، وإعادة بناء مؤسسات المنظمة والسلطة وفقًا لأسس التعددية والديمقراطية والشراكة الوطنية.[23] ولكن الشراكة لم تتحقق، نتيجة فشل الطرفين في التوصل إلى صيغة اتفاق لتطبيق ما اتفق عليه في القاهرة، علاوة على الدور الرئيسي للاحتلال الإسرائيلي في منع محاولات إنهاء الانقسام، وفي تعطيل الانتخابات، وتداخل عوامل إقليمية ودولية لعبت دورًا رئيسيًا في استمرار الانقسام، ومعه تواصل منحى تفاقم أزمة الشرعية في مؤسسات المنظمة والسلطة.

تجددت جهود المصالحة بعد أن توصلت حركتا "فتح" و"حماس" إلى "اتفاق الشاطئ" بتاريخ 23/4/2014[24]، الذي بموجبه جرى تشكيل "حكومة التوافق الوطني" برئاسة رامي الحمد الله، ومهمتها المحددة التحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية خلال ستة أشهر، وتم الاتفاق على تفعيل الإطار القيادي للمنظمة بحيث يتم إجراء انتخابات للمجلس الوطني بالتزامن. ووافقت "حماس" على عدم تعيين ممثلين لها في الحكومة، وغضت النظر عن تكيلف الرئيس للحكومة بناء على برنامجه، وذلك بسبب مخاوف من توقف المانحين عن تقديم المساعدات، وحاجتها إلى الخروج من عزلتها الناتجة عن سقوط الرئيس المصري محمد مرسي، واتهامها بالتدخل في الشأن المصري، وإغلاق معبر رفح.

إلا أن التطورات الميدانية اللاحقة تسببت بتقويض الاتفاق، نتيجة للحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة في العام 2014، إذ تصاعدت حدة الخلافات بين الطرفين على خلفية صدور تصريحات تتهم "حماس" بالمسؤولية عن الحرب، وتزايد الانتقادات لحكومة الحمد الله بالتقصير.[25]

في آذار 2017، أعلنت "حماس" عن تشكيل لجنة إدارية لقطاع غزة، وبررت تشكيلها بتخلي حكومة الوفاق عن مسؤولياتها في القطاع غزة. ورغم تشديدها على أن اللجنة ليست بديلًا عن حكومة الوفاق، وأنها "حالة اضطرارية مؤقتة" للتنسيق بين الوزارات[26]، إلا أن قيادة السلطة اعتبرت الخطوة بمثابة "انقلاب على اتفاق الشاطئ"، وأقر الرئيس عباس جملة من الإجراءات العقابية على قطاع غزة، بهدف الضغط على "حماس" لحل اللجنة الإدارية وإجبارها على تسليم القطاع للحكومة "الشرعية"، مما أدى إلى تصاعد حدة الاستقطاب بين الطرفين، وتدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، ووصوله إلى حافة الانفجار.

في هذه الأثناء، جددت مصر مساعيها للمصالحة، وأعلنت "حماس" في 17/9/2017، إثر حوارات أجراها وفد الحركة مع المخابرات المصرية خلال زيارته إلى القاهرة، حل اللجنة الإدارية، ودعت حكومة الوفاق للقدوم إلى غزة والقيام بمسؤولياتها فورًا.[27] ومَهَّد هذا الإعلان لتوصل الطرفين إلى "اتفاق القاهرة" بتاريخ 12/10/2017 برعاية مصرية.[28]

ولكن نص الاتفاق نفسه حَمَلَ عوامل فشله، كونه اتفاقًا جزئيًا تمحور حول "تمكين حكومة الوفاق"، بمعنى مد سلطتها إلى قطاع غزة مقابل وعود، لم يتضمنها الاتفاق، برفع الإجراءات العقابية التي اتخذها الرئيس، وإيجاد صيغة لدفع رواتب موظفي حكومة "حماس"، وليس اتفاق رزمة شاملة، يتضمن البرنامج السياسي، وأسس الشراكة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وتفعيل الإطار القيادي للمنظمة، وإجراء انتخابات عامة للمجلسين الوطني والتشريعي ورئاسة السلطة.

وبعد حادث تفجير موكب الحمد الله، اتهم الرئيس في خطابه بمستهل اجتماع القيادة الفلسطينية بتاريخ 19/3/2018، "حماس" صراحة بالوقوف وراء التفجير، وحمّلها مسؤولية فشل المصالحة بإصرارها على التمسك بالأمن والسيطرة، وأعلن عن نيته فرض مزيد من الإجراءات ضد "حماس".[29]

لم تفلح جهود الوساطة المصرية - حتى الآن - في وقف مسار التصعيد المتبادل بين الطرفين، أو في تحديد موعد لدعوة وفدين من الحركتين إلى القاهرة، وأقصى ما حصلوا عليه مهلة من الرئيس لإقناع "حماس" بتمكين الحكومة من تحمل المسؤولية الكاملة، أو أن تتحمل "حماس" المسؤولية كاملة.

 

ظروف ودواعي عقد المجلس الوطني

تمت الدعوة لعقد المجلس في ظل تحديات كبرى تواجهها القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن القدس، واللاجئين، والمنظمة، والوقف الجزئي للمساعدات الأميركية للسلطة والتهديد بقطعها، والمخاطر التي تنذر بها "صفقة القرن" على القضية الفلسطينية، واستهداف الرئيس الفلسطيني شخصيًا من قبل نيكي هيلي وجيسون غرينبلات، وما نشر من تقارير عن تهديدات ضمنية من قبل الإدارة الأميركية بإيجاد قيادة فلسطينية بديلة[30]، علمًا بأن الإدارة الأميركية لم تقرر حتى الآن استبدال الرئيس محمود عباس، إذ لا يزال الرهان عليه بحكم التزامه بالتزامات أوسلو، ولعدم وضوح من خليفته أو خلفاؤه، والرهان على أنه يمكن أن يقبل "صفقة القرن"، ربما بعد تعديلها.

يضاف إلى ذلك القوانين والسياسات والإجراءات الإسرائيلية، التي تستهدف فرض وقائع مادية تؤدي إلى تمرير الحل الإسرائيلي الرامي إلى تصفية القضية والحقوق الفلسطينية، واتجاه العديد من الأنظمة العربية إلى التقارب مع إسرائيل، بدعوى مواجهة الخطر الإيراني، وممارسة ضغوط على القيادة الفلسطينية لدفعها للتماهي مع "الخطة الأميركية" بعد إجراء بعض التعديلات عليها.

سيأتي عقد جلسة المجلس، أيضًا، عقب انتهاء مؤتمر القمة العربية، التي عقد في الظهران بالسعودية، والتي دعمت موقف الرئيس عباس بتبنيها موقفه الرافض لقرار ترامب بشأن القدس، وعززت ما يحظى به من شرعية عربية بعد لقائه مع الملك السعودي - خاصة أن اللقاء يأتي بعد لقاء ولي العهد السعودي مع خصمه محمد دحلان - وحصوله على دعم مالي سعودي وعربي بعد فترة انقطاع، ما يعني أنه توصل إلى تفاهمات مع الرياض على بعض الملفات. لذلك من المرجح أن يمضي قدمًا في عقد المجلس في نهاية نيسان، للحصول على تفويض من المجلس يضفي شرعية على سلطته وتوجهه السياسي.

على المستوى الداخلي، سبق الدعوة لعقد المجلس الوطني اجتماع المجلس المركزي أواسط كانون الثاني 2018، وتأكيده على رفض قرار ترامب و"العمل على إسقاطه"، وعدم أهلية الإدارة الأميركية لرعاية المفاوضات، واتخاذه قرارات أخرى تتعلق بتعليق المفاوضات، ووقف التنسيق الأمني، والانفكاك من التبعية الاقتصادية مع إسرائيل.[31]

وتلا ذلك خطاب الرئيس أمام مجلس الأمن بتاريخ 20/2/2018، وتراجعه عن العديد من مضامين قرارات المجلس المركزي، عبر تأكيده التمسك بعملية التسوية والمفاوضات الثنائية، على أساس قرارات الشرعية الدولية، بمرجعية أوسلو، وفق آلية دولية متعددة الأطراف لرعايتها.[32]

وترافق الجدل حول الدعوة لعقد المجلس مع وصول جهود المصالحة بالرعاية المصرية إلى طريق مسدود، وخصوصًا بعد تفجير موكب الحمد الله، وما أعقبه من تداعيات، لعل أبرزها خطاب الرئيس في 19 آذار، الذي اتهم فيه "حماس" صراحة بالوقوف وراء الحادث، وحملها مسئولية فشل المصالحة.[33] وتزامن الخطاب مع التحضيرات "لمسيرات العودة"، التي انطلقت بزخم في قطاع غزة، بما أشاعته من مناخات وحدوية داخلية، وما ارتبط بها من تفاعلات دولية وإقليمية، سلطت الضوء مجددًا على القضية الفلسطينية، وعلى الأوضاع الكارثية التي يعيشها قطاع غزة، واحتمالات تفجرها في وجه الاحتلال.

 

في ضوء ذلك، يمكن القول بأن الغاية الرئيسية من عقد المجلس، بتركيبته القديمة، تتمثل في تجديد شرعية هيئات المنظمة ورئيسها، وإضفاء الشرعية على التوجه السياسي للرئيس عباس، كما أعلنه في خطابه أمام مجلس الأمن، وذلك في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها الشرعية التمثيلية للمنظمة ورئيسها.

ويؤكد ذلك تصريح أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، بأن "لدى القيادة الفلسطينية أولوية وطنية لا تقل أهمية عن المصالحة، ألا وهي عقد المجلس الوطني نهاية نيسان بهدف تجديد الشرعيات وتعزيزها لمواجهة المشروع الأميركي"[34]، علاوة على أن دورة المجلس نفسه تعقد تحت شعار "القدس، وحماية الشرعية الفلسطينية".

أول التحديات التي تواجهها الشرعية التمثيلية للمنظمة هو تقادم هيئات المنظمة، وتآكل شرعيتها، لأن المجلس لم يعقد دورة عادية منذ العام 1996، رغم أن النظام الأساسي للمنظمة يقضي بتجديد شرعية المجلس كل ثلاث سنوات.

أما التحدي الثاني فيتمثل في حاجة "فتح" إلى وضع آلية شرعية ومتفق عليها لانتقال السلطة، في ظل المنافسة الشديدة على الخلافة بين قيادات "فتح"، وغياب شخصية قيادية تحظى بإجماع داخلي وتتمتع بقبول وطني وشعبي.

التحدي الثالث تمثله حركة "حماس"، التي يتوجس الرئيس من انفتاحها على مصر وتفاهماتها مع دحلان، باعتبارها وسيلة لتقويض الإجراءات والعقوبات التي يفرضها، وينوي فرض المزيد منها لإجبارها على الاستجابة لشروطه وتسليم قطاع غزة "من ألفه إلى يائه" للحكومة.

وقد ذهب الرئيس في خطاب 19 آذار إلى حد اتهام "حماس" بالمسؤولية عن حادث تفجير موكب الحمد الله، في إطار تنفيذ "مخطط تآمري بإقامة دولة غزة"، وأنها قامت بعملية "الانقلاب"، وحصلت على "تأكيدات ضمنية وعلنية كثيرة بأن أميركا تريد فصل القطاع عن الضفة حتى لا تكون هناك دولة فلسطينية موحدة"، وأن مشاركتها في جهود المصالحة الأخيرة أتت في إطار ما "يخططون له وترامب وغيره".[35]

والأرجح أن هذه المخاوف قد تعاظمت لدى الرئيس بعد الزخم الذي ميز "مسيرات العودة" في غزة، وتفاعلاتها الدولية الواسعة، لما تتيحه لحركة حماس من إمكانات للمناورة بحثًا عن حلول للكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع ومنع تفجرها، بعيدًا عن الرئيس والسلطة، علاوة على سعي الحركة لاستثمارها في سبيل تعزيز توجهها للانفتاح على القوى الإقليمية والدولية، ونيل الاعتراف بشرعيتها كلاعب سياسي، مستفيدة من البراغماتية السياسية التي أبدتها في وثيقتها الجديدة، وقربتها من البرنامج السياسي للمنظمة، ومهدت لانفتاحها على مصر.

وهناك مؤشرات عدة من شأنها أن تعزز هذا التخوف لدى الرئيس، منها المؤتمرات التي عقدت في بروكسل وواشنطن تحت عنوان "توفير الدعم الإنساني لقطاع غزة"، وما نشر من تقارير عن تهديدات أميركية ضمنية لإيجاد بديل للرئيس أبو مازن، والتصريحات التي صدرت عن شخصية قيادية في "حماس" وتشير صراحة إلى استعداد الحركة للتعامل مع الإدارة الأمريكية[36]، وضيق دول عربية مؤثرة من الرئيس وموقفه من قرارات ترامب و"الخطة الأميركية"، ورعايتها لخصمه دحلان، والتخوف من احتمالات دعمها لشراكة بينه وبين "حماس" لإدارة قطاع غزة.

 

مشكلات قانونية وسياسية تواجه معالجة أزمة الشرعية عبر عقد المجلس

تعترض مساعي قيادة المنظمة لإضفاء الشرعية على مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، من خلال عقد جلسة عادية للمجلس الوطني بتركيبته القديمة، العديد من المشكلات القانونية والتحديات السياسية.

وتتمثل المشكلات القانونية في أن ما لدى المنظمة من قوانين وأنظمة لا يتيح لها عقد جلسة للمجلس الوطني، كيفما اتفق، لأن "النظام الأساسي" للمنظمة (المادة 6) اعتبر الانتخابات العامة بمثابة قاعدة لتجديد شرعية المجلس، وفي حال تعذر ذلك يستمر المجلس إلى أن تتهيأ ظروف إجرائها. وقد أكد "اتفاق القاهرة" العام 2011 على إجراء انتخابات عامة للمجلس "حيثما أمكن ذلك"، وبمشاركة كافة الفصائل والحركات الوطنية والإسلامية الفلسطينية، ولذلك فإن الأولوية يجب أن تُعطى لتنفيذ ما اتفق عليه في القاهرة، بدعوة الإطار القيادي المؤقت للانعقاد، بهدف تحديد موعد إجراء الانتخابات، والاتفاق على آليات وأسس إجرائها، أو استكمال ما بدأته اللجنة التحضيرية في بيروت 2017، بعقد مجلس توحيدي، يمهد لإجراء انتخابات عامة للمجلس.

وتنص المادة (4) من "النظام الأساسي" على أن "الفلسطينيون جميعًا أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير"، وهذا يعطي الحق لكافة أبناء الشعب الفلسطيني في المشاركة في اختيار من يمثلهم في المجلس الوطني.

أما بالنسبة إلى حركتي حماس والجهاد، فإن موقفهما من المنظمة، ورفضهما الاعتراف بشرعيتها التمثيلية، بناء على اعتبارات عقائدية وسياسية، وتقديم "حماس" نفسها كصاحب مشروع بديل للمنظمة، هو ما منع انضمامهما إلى المنظمة في السابق، بالإضافة إلى موقف "فتح" وقيادة المنظمة والخشية على شرعية المنظمة دوليًا في حال انضمامهما إليها.

ولكن هذا الموقف تغير بعد توقيعهما "إعلان القاهرة" 2005، ومشاركة "حماس" في الانتخابات التشريعية الثانية، وموافقتهما - المشروطة بتطبيق اتفاق القاهرة 2011- على الانضمام إلى المنظمة، ومشاركة الحركتين في أعمال اللجنة التحضيرية لعقد مجلس وطني توحيدي في بيروت العام 2017، وإصدار "حماس" لوثيقتها السياسية الجديدة في أيار 2017، التي قربتها أكثر من البرنامج السياسي للمنظمة، وجعلتها أكثر انفتاحًا في علاقاتها مع القوى السياسية والمجتمع المدني، ووفرت بالتالي فرصًا أفضل للشراكة الوطنية والتوصل إلى اتفاق على برنامج سياسي مشترك.

كما أن الخشية من تأثير انضمام الحركتين على الشرعية الدولية للمنظمة، لم يعد لها مسوغات في ظل فشل عملية التسوية، ومخاطر سياسات إدارة ترامب وقراراته بخصوص القدس واللاجئين والمنظمة، التي تتضافر مع القوانين والسياسات والإجراءات الإسرائيلية في العمل على فرض التصور الإسرائيلي للحل، وتصفية الحقوق والقضية الفلسطينية، وإنما يستدعي التصدي لهذه المخاطر والتحديات الكبرى تسريع الجهود المبذولة لإنهاء الانقسام، واستعادة وحدة الحركة الوطنية ومؤسسات النظام السياسي، على أساس برنامج وطني يقوم على التمسك بالحقوق والثوابت الوطنية، ومقاومة المشاريع التصفوية بشتى السبل.

ولكن "حماس" مطالبة، في المقابل، بحسم موقفها فيما يتعلق بوحدانية وشرعية تمثيل المنظمة لكل الفلسطينيين، باعتبارها الإطار الوطني التمثيلي الشامل، وليس "إطارًا" كما ورد في وثيقتها السياسية، والتصرف وفقًا لما تقتضيه شراكتها مع "فتح" في تحمّل المسؤولية عن الانقسام، بالتخلي الفعلي عن سيطرتها على قطاع غزة وتسليم مسؤوليتها الكاملة لحكومة الوفاق الوطني، والكف عن مناوراتها السياسية بهدف الحصول على الاعتراف الإقليمي والدولي بها كلاعب سياسي، أو البحث عن حلول للحصار المفروض على قطاع غزة من شأنها تكريس انفصاله عن الضفة، أو دعم تشكيل أطر موازية للمجلس الوطني على غرار "مؤتمر إسطنبول"، والانفتاح أكثر على فكرة العمل والشراكة الوطنية، بديلًا لنزعة الهيمنة والسيطرة وإقصاء الآخر، باعتبار أن تجربة حكمها للقطاع لم تقدم نموذجًا مفارقًا للواقع الذي صعدت إلى السلطة بناء على رفضه، حيث تفردت بالسلطة، وحاولت فرض أجندتها السياسية والاجتماعية، وانطوى حكمها على تعديات خطيرة على حقوق المواطنين، الفردية والجماعية.    

ومن جهة أخرى، فإن المجلس الوطني، بتركيبته الحالية، يستمد مشروعيته، بغياب الانتخابات، من الشرعية التاريخية (الثورية) لفصائل المنظمة، المستمدة من تجربة النضال الوطني. وهذه الشرعية تآكلت بعد اعتراف قيادة المنظمة بحق إسرائيل في الوجود، وتخليها عن الكفاح المسلح، وفشل مشروعها في تحويل السلطة إلى دولة عبر المفاوضات الثنائية بمرجعية أوسلو، وأصبحت موضع تساؤل وشك كبير، خاصة بعد انخراط حركتي حماس والجهاد في المقاومة، وتصاعد جماهيرية "حماس" وحصولها على الشرعية الانتخابية بعد فوزها في الانتخابات التشريعية الثانية، مقابل تراجع شعبية "فتح" والمنظمة والسلطة ورئيسها، خاصة بعد الإجراءات التي اتخذت بحق قطاع غزة، إذ بين آخر استطلاع للرأي، أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية المسحية في آذار 2018 بأن "فتح" تتفوق على "حماس" بفارق ضئيل من النقاط، وأن نسبة عدم الرضا عن أداء الرئيس أبو مازن بلغت 63%، وأكثر من ثلثي الجمهور في الضفة والقطاع يطالب باستقالته.[37]

كما أن إعلان قوى أساسية في المنظمة مقاطعتها للمجلس (الجبهة الشعبية وفصائل المنظمة في دمشق) إلى جانب شخصيات مستقلة من أعضاء المجلس وجهت رسالة مفتوحة إلى رئيس المجلس الوطني، تتضمن قرارهم بعدم تلبية الدعوة لحضور جلسة المجلس ومبرراته[38]، من شأنه أن يضرب "النصاب السياسي" للمجلس، ويوفر مبررات إضافية للطعن في شرعية عقده وقراراته، والتشكيك في وحدانية وشرعية تمثيله لكل الفلسطينيين.

ولعل هذا ما يفسر سعي قيادة "فتح" لعقد اللقاء القيادي الأخير مع قيادة الجبهة الشعبية بالقاهرة، بهدف إقناعها بالمشاركة[39]، وذلك امتدادًا للحرص التاريخي لقيادة المنظمة على حضور كافة الفصائل لجلسات المجلس، علاوة على سعيها لانخراط "حماس" في أطر المنظمة، بعد بروز دورها ووزنها الجماهيري في تسعينيات القرن الماضي.

كما أن عقد المجلس في رام الله سيدفع لتأمين النصاب اللازم (الثلثان) من أعضاء يمكنهم الوصول إلى رام الله، في حالة استبعاد استخدام الفيديو كونفرنس للربط مع قاعة أخرى في الخارج، وهو ما سيؤثر على مستوى شمولية تمثيل الشتات، ويفتح المجال للتشكيك في اختيار الأعضاء، وبخاصة الذين سيحلون مكان المتوفين من المستقلين.

خلاصة القول، ثمة شك في قدرة المجلس الوطني، في حال انعقاده نهاية نيسان، على حل الإشكال الداخلي لحركة فتح، فيما يتعلق بالخلافة وبإيجاد آلية "شرعية" لنقل السلطة؛ ذلك أن ما يحكم نقل السلطة هو القانون الأساسي، كما أن اختيار أعضاء اللجنة التنفيذية الجدد، إلى جانب الرئيس، قد لا يؤدي إلى حل مسألة الخلافة، بسبب التنافس والخلاف القائم بين قيادات "فتح" على شغل المواقع.

ومن جهة ثانية، من المرجح عدم تمكن المجلس من معالجة التحديات الأخرى، السياسية والقانونية، المرتبطة بأزمة الشرعية في النظام السياسي، بل من المرجح أن يؤدي إلى تفاقمها، لأن عدم دعوة "حماس" و"الجهاد" للمشاركة من شأنه أن يعزز الاستقطاب في الساحة الفلسطينية، والحد من فرص نجاح الجهود المبذولة من أجل تطبيق اتفاق المصالحة الذي توصل إليه الطرفان في القاهرة العام 2017، وبالتالي تكريس انفصال غزة عن الضفة، وإدامة أزمة شرعية مؤسسات السلطة الفلسطينية.

ومن شأنه أيضًا أن يحول الصراع على السلطة إلى صراع على التمثيل والشرعية، ويظهر المنظمة فريقًا من الفرقاء، وليست الإطار التمثيلي الجامع لكل الفلسطينيين، بما يمكن أن يترتب على هذا الأمر من تداعيات على الشرعية التمثيلية للمنظمة على المستويين الداخلي والخارجي.

على المستوى الداخلي، من المرجح أن يؤدي ذلك إلى رفع وتيرة تحدي "حماس" للشرعية التمثيلية لقيادة المنظمة، من خلال تشكيل "جبهة معارضة" على غرار "تحالف القوى العشر"، الذي تشكل إثر قرار المجلس المركزي بالمشاركة في "مؤتمر مدريد للسلام" العام 1991، وضم - لأول مرة - فصائل معارضة من المنظمة إلى جانب "حماس" والجهاد. والأرجح ألا تطرح "حماس" هذا الإطار كبديل للمنظمة، حتى لا تقطع الطريق على انضمام فصائل منها.

وقد تلجأ "حماس" إلى مواجهة هذا التحدي بما حازت عليه من شرعية تمثيلية انتخابية، عبر عقد جلسة للمجلس التشريعي، بعد توفير أغلبية الثلثين بالتعاون مع نواب دحلان ومستقلين، بهدف اتخاذ قرارات من نوع المصادقة على تشكيل "لجنة إدارية"، أو حكومة جديدة بالشراكة مع دحلان، ومن يوافق من القوى الأخرى. وفي هذه الحالة قد يلجأ الرئيس إلى حل المجلس التشريعي بقرار من المحكمة الدستورية، أو إعلان قطاع غزة إقليما متمردًا، ما سيترتب على ذلك من تكريس لانفصال القطاع عن الضفة، وفشل جهود المصالحة المصرية.

من غير المستبعد أن تسعى "حماس" لرفع وتيرة تحديها للشرعية التمثيلية للمنظمة، بعقد مؤتمر وطني موازٍ، على غرار مؤتمر إسطنبول. وقد شرعت فعليًا في حراك سياسي يستهدف "اتخاذ خطوات عملية لرفع الشرعية عن المجلس الوطني الحالي"، وفقًا لتصريح حسام بدران، عضو مكتبها السياسي، الذي أكد أن الحراك يهدف إلى عقد مؤتمر وطني عام في بيروت وغزة، بمشاركة الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، إلى جانب شخصيات وطنية عامة وأعضاء في المجلس الوطني ممن رفضوا المشاركة في الدورة المقبلة.[40]

أما على المستوى الخارجي، فإذا كانت إحدى غايات عقد المجلس تأكيد الشرعية التمثيلية لهيئات المنظمة ورئيسها أمام القوى الإقليمية والدولية التي تشكك بتمثيل الرئيس لكل الفلسطينيين، فإن مواقف المشككين لن تتغير، بشكل تلقائي، بعد عقد المجلس، لأن المبرر الأساسي للطعن (الانقسام، وسيطرة "حماس" على غزة) لن يزول بعقده، بل من المرجح تعاظم هذه الشكوك أكثر كلما طال أمد الانقسام، علاوة على ازدياد انكشاف الوضع الفلسطيني على التدخلات الخارجية، بما يتيح لقوى دولية وإقليمية اللعب على وتيرة التناقضات، بهدف تأجيج الصراع، وتهيئة المناخات لتمرير حلول ترمي إلى تصفية القضية الفلسطينية.

 

خاتمة

ما سبق يعني أن إصرار قيادة المنظمة على عقد المجلس الوطني نهاية نيسان، يلبي بدرجة رئيسية اعتبارات داخلية ترتبط بحركة فتح وحاجتها إلى إيجاد آلية "شرعية" لنقل السلطة، وأخرى ترتبط برئيس المنظمة، وحاجته إلى إضفاء شرعية على سلطته التي تواجه تحديات داخلية وخارجية متعددة.

أما على المستوى الوطني العام، فالأرجح أن يؤدي عقد المجلس بصيغته الحالية، في ظل المعارضة الشديدة لحركتي حماس والجهاد، وإعلان فصائل أساسية في المنظمة وشخصيات وطنية مستقلة مقاطعتها للمجلس، إلى تعميق أزمة الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني؛ ذلك أن أزمة الشرعية وثيقة الارتباط بالانقسام، بل هي أبرز تداعياته، وبالتالي فإن تجاوزها لم يعد ممكنًا من دون إنهاء الانقسام واستعادة وحدة مؤسسات المنظمة والسلطة على أسس الشراكة الوطنية والتعددية الديمقراطية

 إن الخيار المفضل يتمثل في تأجيل عقد دورة المجلس الوطني، وإعطاء الأولوية لإجراء حوار وطني شامل يضم كافة أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية، بهدف الاتفاق على رزمة شاملة، تتضمن البرنامج السياسي، وأسس الشراكة الوطنية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية مهمتها التحضير لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وتفعيل الإطار القيادي للمنظمة، واستكمال أعمال اللجنة التحضيرية بعقد مجلس وطني توحيدي، يمهد لإجراء انتخابات عامة للمجلس، على أن يتم ذلك في إطار عملية استنهاض المشروع الوطني الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير ومؤسساتها التمثيلية باعتبارها عنوان الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني.

وفي حال تعذر ذلك، توصي الورقة بتبني خيار "أقل الضرر"، أي التوافق الوطني على عقد المجلس نهاية نيسان عبر تشكيل لجنة تحضيرية تضم مختلف القوى السياسية ومستقلين للاتفاق على جدول الأعمال، وتوجيه الدعوة لكل أعضاء المجلس الوطني، بما في ذلك جميع أعضاء المجلس التشريعي، وتمكين من لا يستطيع الحضور من المشاركة عبر تقنية الفيديو كونفرنس، ودعوة "حماس" و"الجهاد" لحضور الجلسة بصفة مراقب، واعتبار الجلسة آخر جلسة يعقدها المجلس بتركيبته القديمة، وإقرار توصيات الاجتماع السابق للجنة التحضيرية في بيروت حول أسس ومعايير تشكيل مجلس وطني جديد، واستكمال الحوار الوطني من أجل تنفيذ الاتفاقات الموقعة، بما في ذلك عقد مجلس وطني توحيدي جديد. أو عقد جلسة استثنائية، وليس عادية للمجلس، واستكمال ما بدأته اللجنة التحضيرية في بيروت بعقد مجلس توحيدي، يمهد لإجراء انتخابات عامة للمجلس.[41]

من شأن هذا الخيار أن يقلل من أضرار عقد مجلس انفرادي من دون توافق وطني، ويبقي الباب مفتوحًا لمواصلة جهود المصالحة، واستكمال الحوار الوطني بهدف التوافق على أسس ومعايير عقد مجلس توحيدي، وتجاوز أزمة الشرعية في كافة مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني.

- الثلاثاء, 24 نيسان (أبريل), 2018

(أصدرت لجنة السياسات في مركز مسارات هذه الورقة من إعداد د. عماد أبو رحمة).



مواضيع ذات صلة